أحكام زكاة الفطر، ورد على بعض الشُبه ! لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
زكاة الفطر فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين في ختام شهر رمضان المبارك. وهي عبادة محددة القدر والجنس والوقت والمصرف. ويكثر في كل عام السؤال عنها، وتتجدد حولها الشبهات، وأشهرها إخراجها نقودًا بدلًا من الطعام، والسؤال المتكرر: "كم زكاة الفطر هذه السنة؟".
في هذا الدرس يشرح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في فرض زكاة الفطر. ويبين أنها مقدرة بالصاع كما قُدّرت الصلوات بعدد ركعاتها، ويرد على شبهة أن المال أنفع للفقير. ثم يوضح الفرق بين زكاة المال وزكاة الفطر والصدقات العامة من حيث المصارف.
ويهدف الدرس إلى أن يعرف المسلم حكم زكاة الفطر ومقدارها، والجنس الذي تُخرج منه، ومن تُدفع إليه. وأن يؤديها كما فرضها النبي صلى الله عليه وسلم، مسلّمًا لأمر الله ورسوله دون تقديم الرأي على النص.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: زكاة الفطر فريضة مقدّرة بالصاع
يستهل الشيخ الدرس بباب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، فيروي حديث ابن عمر رضي الله عنهما بإسناد الإمام مسلم، وهو حديث متفق عليه. ويقف عند لفظة "فَرَضَ" ليبين أن زكاة الفطر فريضة لازمة جاءت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست اجتهادًا يُترك لرأي أحد.
وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم مقدارها بالصاع، فهي "صاع" دائمًا وأبدًا إلى قيام الساعة. ولذلك يرى الشيخ أن السؤال الذي يتردد كل عام "كم زكاة الفطر هذه السنة؟" سؤال لا يستقيم، كما لا يصح أن يسأل أحد: كم ركعة صلاة الصبح هذه السنة؟
فالذي فرض الصبح ركعتين، والمغرب ثلاثًا، والظهر والعصر والعشاء أربعًا يُجهر في الأوليين ويُسر في الأخريين، هو الذي فرض زكاة الفطر صاعًا. ولا يملك أحد أن يغيّر شيئًا من ذلك.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
المحور الثاني: إخراجها من غالب قوت البلد، والرد على إخراجها مالًا
يقرر الشيخ أن زكاة الفطر فُرضت صاعًا من طعام، ولم تُفرض مالًا. ولذلك يرى أن من أخرجها نقودًا لم تُجزئه، وأن من أفتى بإخراجها مالًا أفتى بغير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحمل فتواه عند رب العالمين.
وتُخرج من الحَب ومن غالب قوت البلد، وهذا يختلف باختلاف البلدان:
- في مصر يغلب الأرز، فيُخرج منه.
- في الصعيد يغلب القمح والخبز، فيُخرج منه.
- في بلد يغلب على أهله الطعام المصنوع من القمح كالمكرونة في إيطاليا، يُخرج من غالب قوتهم.
- إن وُجد فقير يخبز في بعض القرى، فالأفضل أن يُعطى الدقيق أو القمح.
وينبّه الشيخ على أن بعض الناس يبالغ فيُدخل في زكاة الفطر الزيت أو السمن، والأصل أن تُخرج من الحب وغالب القوت كما جاءت به السنة.
ويرد الشيخ على شبهة أن "المال أنفع للفقير"، فيقول إن صاحب هذا القول لو تدبّر لما تجرأ على تقديم رأيه على شرع ربه. ومما يوضح به ذلك:
- وجود الطعام في البيت يكفي الأطفال والنساء ويبقى لهم.
- المال قد يأخذه رب أسرة مُبذّر أو مدخّن فيضيّعه في غير حاجة أهله.
- زكاة الفطر تُخرج قبيل صلاة العيد، في ليلته أو قبله بيوم أو يومين، والمقصود منها إطعام الفقير في يوم العيد.
وفوق ذلك كله فالله أعلم بما يصلح عباده، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
المحور الثالث: حاجة الفقير إلى المال تُسدّ بزكاة المال لا بزكاة الفطر
يبين الشيخ أن حاجة الفقير إلى المال، ولا سيما ما يشتهيه من لحم وغيره، ميدانها زكاة المال وليس زكاة الفطر. ويعيب على بعض أصحاب الأموال أنهم يعطون الفقير في زكاة أموالهم "شنطة" فيها مكرونة وقمر الدين، ثم يخرجون زكاة الفطر نقودًا، فيعكسون الأمر.
والصواب أن يُخرج الغني زكاة ماله مالًا لأهلها المستحقين، ويُخرج زكاة الفطر طعامًا كما فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقرر الشيخ أن زكاة المال لو أُخرجت كما يجب وأُعطيت لمن تجب لهم، لما بقي فقير في المنصورة ولا الإسكندرية ولا القاهرة ولا بورسعيد ولا أسوان، بل لفاض المال.
ويحذر الشيخ مما يسميه تحريف الدين بإخراج الزكاة في غير مواضعها، كتوجيهها إلى بناء المستشفيات أو إلى الجمعيات والنوادي. فهذه أعمال قد تكون من الخير، لكن مكانها الصدقات العامة لا الزكوات.
المحور الرابع: مصارف زكاة الفطر ومن تجب عليه
يفرّق الشيخ بين ثلاثة أنواع من الإنفاق، لكل منها مصرفه:
- الصدقات العامة: بابها واسع، وتدخل فيها أعمال الخير كلها.
- زكاة المال: لها أصناف مخصوصة حددها القرآن.
- زكاة الفطر: لصنفين فقط هما الفقراء والمساكين. فلا يجوز أن تُصرف في إصلاح مدرسة، ولا بناء مسجد، ولا شراء مصاحف.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
ويعرّف الشيخ الصنفين بمثال من الواقع:
- الفقير: الذي لا يجد شيئًا.
- المسكين: الذي له دخل لا يكفيه. ومن ذلك الموظف ذو الراتب القليل الذي يعول أربعة أو خمسة أولاد في المدارس والجامعات، فراتبه لا يكفي طعامهم وشرابهم ودواءهم. فهذا من مصارف زكاة المال وزكاة الفطر.
أما من تجب عليه زكاة الفطر، فكل من ملك قوت يومه وليلته يجب عليه أن يخرجها، ولو كان هو نفسه ممن يأخذها. ويخرجها عن نفسه وعمّن يعول بعدد أفراد أسرته، ولكل فرد صاع.
المحور الخامس: التسليم لأمر الله ورسوله
يختم الشيخ بتقرير الأصل الذي تُبنى عليه هذه المسائل كلها: لا كلام مع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما السمع والطاعة. والعقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح، بل يشهد له ويكشف شيئًا من حكمته.
فالله سبحانه أعلم بمصالح عباده وأحوالهم، وهو الذي يدبّر أرزاقهم، وقد قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 31].
النقاط الرئيسية
- زكاة الفطر فريضة على كل مسلم، حرٍّ أو عبد، ذكر أو أنثى، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتفق عليه.
- مقدارها صاع ثابت لا يتغير، فلا يصح السؤال عن مقدارها في كل عام، كما لا يُسأل عن عدد ركعات الصلوات.
- تُخرج طعامًا من الحب وغالب قوت البلد كالأرز أو القمح أو الدقيق، ويرى الشيخ أن إخراجها نقودًا لا يجزئ.
- يرد الشيخ شبهة أن المال أنفع للفقير، فالطعام يبقى في البيت ويسد حاجة الأسرة يوم العيد، والله أعلم بما يصلح عباده.
- حاجة الفقير إلى المال تُسدّ بزكاة المال، ولو أُخرجت كما يجب لما بقي فقير.
- مصرف زكاة الفطر الفقراء والمساكين فقط، فلا تُصرف في بناء المساجد أو المدارس أو المستشفيات.
- تجب على من ملك قوت يومه وليلته، فيخرجها عن نفسه وعمّن يعول، ويكون إخراجها قبيل صلاة العيد أو قبله بيوم أو يومين.
الفوائد والعبر
- أخرج زكاة فطرك صاعًا من الطعام الذي يغلب على أهل بلدك، عن نفسك وعن كل من تعول، تأسّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
- احرص على أن تصل زكاتك قبيل صلاة العيد إلى الفقراء والمساكين المستحقين، ومنهم أصحاب الدخل القليل والأسر الكبيرة.
- افصل بين أبواب الإنفاق: زكاة الفطر للفقراء والمساكين، وزكاة المال لأصنافها الثمانية، والصدقات العامة لمشروعات الخير كالمساجد والمستشفيات.
- إن كنت من أهل الغنى فأدِّ زكاة مالك كاملة إلى مستحقيها، ففيها كفاية الفقراء وسدّ حاجتهم من المال.
- قدّم نصوص الوحي على الآراء والاستحسانات، وأيقن أن ما شرعه الله هو الخير والمصلحة للعباد.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات