كلمة عن " خاتمة رمضان وعدد ركعات التراويح" لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
ألقى فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري هذه الكلمة في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك. وتناول فيها موضوعين: الأول خاتمة الشهر وأن العبرة في الأعمال بخواتيمها، والثاني مسألة عدد ركعات صلاة التراويح، وهي من المسائل التي يكثر فيها الكلام والخلاف بين الناس كل عام. ولم يقصد الشيخ أن يرجّح قولاً على قول فحسب، بل أراد أن يعلّم المسلم كيف يتعامل مع مسائل الخلاف الفقهي، وكيف يحفظ أخوّة الإيمان ويجمع صفّ المسلمين.
ويطرح الشيخ في أول كلمته سؤالاً يحاسب به المسلم نفسه: هل حققنا التقوى التي هي غاية الصيام؟ وهل ظهر أثرها في القلب واللسان والسمع والبصر والجوارح؟ ثم ينتقل إلى أدب الخلاف كما عرفه السلف الصالح، فيذكر أقوال الأئمة ومواقفهم في التعامل مع من خالفهم، ويفرّق بين خلاف يدور بين الصواب والخطأ وخلاف يدور بين السنة والبدعة والهدى والضلال.
ومن أهداف هذه الكلمة أن يدرك المشاهد أهمية حسن الخاتمة، وأن يقيّم ما حصّله من ثمرات رمضان، وأن يعرف موضع الإجماع وموضع الخلاف في عدد ركعات التراويح، وأن يتعلم ضوابط الخلاف السائغ وآدابه، فلا يقع في التضليل أو التبديع أو التفسيق في مسائل اختلف فيها السلف أنفسهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأعمال بالخواتيم وأهمية حسن الخاتمة
يبدأ الشيخ بالدعاء أن يجعل الله خواتيم هذا الشهر خواتيم خير وبركة على الأمة، وأن يرفع شأنها ويرفع عنها كل سوء. ثم يقرر أن العبرة في الأعمال بالخواتيم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بحسن الخاتمة.
واستدل الشيخ بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين، وفيه بيان أطوار خلق الإنسان وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته، وأن العبد قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم يُختم له بغير ذلك، وقد يقع العكس. وهذا يوجب على المسلم أن يخاف على نفسه، وأن يسأل الله الثبات، وألا يغترّ بعمله.
ثم ذكر حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وفيه أن الرجل قد يعمل بعمل أهل الجنة «فيما يبدو للناس»، فدلّ ذلك على أن صلاح الباطن وإخلاص القلب هما أساس حسن الخاتمة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ... وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» (رواه البخاري).
المحور الثاني: محاسبة النفس على ثمرة الصيام وهي التقوى
يدعو الشيخ المسلم إلى أن يسأل نفسه في ختام رمضان: هل استفاد من صيامه وقيامه وصلاته تقوى الله عز وجل؟ وهل تعلق قلبه بالله والدار الآخرة؟ وهل كفّ لسانه عن الغيبة والنميمة؟ وهل غضّ بصره عن الحرام؟ وهل صان سمعه فلم يسمع إلا ما أحل الله؟ وهل منع رجليه من المشي إلى الحرام؟ فهذه هي الغاية التي شُرع لها الصيام.
ويذكّر الشيخ بأن الله مطّلع على العباد ورقيب عليهم، وأن الإنسان قد يخدع الناس كلهم ولكنه لا يستطيع أن يخدع ربّ الناس سبحانه. ولذلك كانت أعلى مراتب الدين مرتبة الإحسان، وهي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فلكل إنسان سرّ بينه وبين ربه، والله يعلمه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 38].
وقال صلى الله عليه وسلم في تعريف الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (متفق عليه).
المحور الثالث: منهج السلف في التعامل مع المخالف
ينقل الشيخ كلمة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول فيها إنه في سعة صدر لمن خالفه، وإن من تعدّى حدود الله فيه بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية فإنه لا يتعدى حدود الله فيه. وبيّن ابن تيمية أن الواجب أن يُوزن القول والاعتقاد والسلوك بميزان الكتاب الذي أنزله الله حاكماً بين الناس فيما اختلفوا فيه. وكان رحمه الله قد ظُلم وقيل فيه ما قيل، وبقي على إنصافه.
ومن الآيات التي استشهد بها ابن تيمية في ذلك:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213].
﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59].
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، و﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120].
واستشهد كذلك بالأثر المشهور: «ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه».
ثم ذكر الشيخ أن السلف كانوا يشتدّون أحياناً في الرد على المخالف نصرةً لما يرونه حقاً. وضرب مثلاً بالإمام مسلم، فقد اشتد في مقدمة صحيحه على من خالفه في مسألة من مسائل الحديث، ونُسب ذلك القول إلى علي بن المديني والبخاري. ومع هذه الشدة لم يُعرف عنهم تبديع ولا تضليل ولا تفسيق. فلم يبدّع مسلمٌ البخاريَّ، ولم يطعن الشافعي في مالك، ولم يطعن يونس في الشافعي، ولم يطعن الذهبي في ابن تيمية مع أنه خالفه في مسائل. ونقل الشيخ كذلك القول المأثور: «لا يُقال للعالم: اسكت، ولكن يُقال للجاهل: تعلّم».
وأورد الشيخ القصة المشهورة عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي، تلميذ الإمام الشافعي، قال: ناظرتُ الشافعي يوماً في مسألة فاختلفنا، فلقيني من الغد فأخذ بيدي وقال: «يَا أَبَا مُوسَى، أَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ». وعلّق عليها الذهبي رحمه الله بأن هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (متفق عليه).
المحور الرابع: أسباب اختلاف العلماء وتغير اجتهاداتهم
يبيّن الشيخ أن الخلاف في المسائل الفقهية أمر واقع لم يزل في الأمة، بل قد يكون للعالم الواحد أكثر من قول في المسألة. فالإمام الشافعي تتلمذ على الإمام مالك، وتعرّف على علم أهل الرأي من أصحاب أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مصر سنة تسع وتسعين ومئة، قبل وفاته بخمس سنوات، فتغيّر اجتهاده في كثير من المسائل، فصار له مذهب قديم ومذهب جديد. وكذلك الإمام أحمد رحمه الله، له روايتان أو قولان في كثير من المسائل، وإذا اختلف الصحابة على قولين لم يخرج عن أقوالهم.
ومن أسباب الخلاف التي ذكرها أهل العلم: ألا يبلغ الدليلُ العالمَ، أو يبلغه ثم ينساه، أو يبلغه ولا يراه صالحاً للاستدلال في تلك المسألة، أو يرى دليلاً آخر أقوى منه. وضرب الشيخ مثلاً بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد خفي عليه حديث الاستئذان مع منزلته التي لا يكاد يكون لها نظير، حتى أخبره به أبو موسى الأشعري رضي الله عنه. فإذا خفي الدليل على مثل عمر، فمن دونه من العلماء أولى أن يُعذروا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارْجِعْ» (متفق عليه).
ويرى الشيخ أن بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً من عظمة هذه الشريعة وسعتها، فلم تُحسم المسائل كلها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي للعلماء المجتهدين مجال للنظر إلى قيام الساعة.
المحور الخامس: مسألة عدد ركعات التراويح بين الإجماع والخلاف
يوضح الشيخ أن في مسألة التراويح جانبين: جانباً مجمعاً عليه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى إحدى عشرة ركعة، وجاء في بعض الروايات ثلاث عشرة. وجانباً مختلفاً فيه، وهو هل تجوز الزيادة على ذلك؟ وقد اختلف فيه كبار أهل العلم من السلف، فمنهم من قال بالاقتصار على إحدى عشرة ركعة، ومنهم من أجاز الزيادة، وكلا القولين ثابت عن جماعة من الأئمة.
والقاعدة عند الشيخ أن من ترجّح عنده بالدليل والاجتهاد عدم جواز الزيادة فله ذلك، ومن ترجّح عنده الجواز فله ذلك، فكل إنسان يحاسَب على ما يعتقده بعد بحث ونظر. ولا يجوز أن يُضلَّل من خالف في هذه المسألة أو يُبدَّع أو يُفسَّق. وأولى بالمسلمين أن يحافظوا على وحدة صفّهم وتأليف قلوبهم، لأن صلاة التراويح سنة، وأما الأخوّة الإيمانية فهي فريضة، فلا يصح أن تُقدَّم السنة على الفريضة.
ويذكر الشيخ أن الغالب في بلاد المغرب صلاة إحدى عشرة ركعة، وأنه يرى أنها هي السنة الثابتة. ومع ذلك يقرر أن من بحث المسألة وتبنّى قولاً قال به السلف فهو على خير، وتبقى المسألة دائرة بين الصواب والخطأ، وتبقى الأخوّة قائمة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» (متفق عليه).
ويفرّق الشيخ تفريقاً مهماً بين مسائل اختلف فيها السلف، فلا إنكار فيها ولا تضليل، وبين أقوال تخالف السنة الصريحة ولم يقل بها أحد من السلف، كاستحلال الربا، أو مصافحة المرأة الأجنبية، أو لبس المرأة ما يصف عورتها والخروج به أمام الناس. فهذه يجب إنكارها، لأن المسألة فيها دائرة بين الحق والباطل والسنة والبدعة. ويشترط أيضاً أن يكون من تبنّى القول قد اتبع الضوابط الشرعية والقواعد الأصولية، لا أن يكون متّبعاً لهواه.
النقاط الرئيسية
- العبرة في الأعمال بالخواتيم، والمسلم يسأل الله دائماً حسن الخاتمة، ويحرص على صلاح باطنه قبل ظاهره.
- غاية الصيام تحقيق التقوى، ويظهر أثرها في القلب واللسان والسمع والبصر والجوارح.
- أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى إحدى عشرة ركعة، واختلفوا في جواز الزيادة عليها.
- المسائل التي اختلف فيها السلف لا يجوز فيها التضليل ولا التبديع ولا التفسيق.
- صلاة التراويح سنة والأخوّة الإيمانية فريضة، فلا تُقدَّم السنة على الفريضة، ووحدة الصف أولى.
- من أسباب اختلاف العلماء: ألا يبلغهم الدليل، أو أن ينسوه، أو أن يروا غيره أقوى منه.
- يجب التفريق بين خلاف يدور بين الصواب والخطأ، وخلاف يدور بين السنة والبدعة والحق والباطل.
الفوائد والعبر
- أن يحاسب المسلم نفسه في ختام رمضان على ما حصّله من التقوى، وأن يحافظ على ما اكتسبه من الطاعات بعد انقضاء الشهر.
- أن يستحضر رقابة الله في السر والعلن، ويعمل على تحقيق مرتبة الإحسان في عبادته.
- أن يتأدب بأدب السلف في الخلاف، ويردد قول الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
- ألا يفسد خواتيم رمضان المباركة بالجدال والخصام حول عدد ركعات التراويح، وأن يشغل لسانه بذكر الله وقلبه بطاعته.
- أن يتعلم الفرق بين نقد قول العالم، كأن يقول: «أخطأ فلان في مسألة كذا»، وبين الطعن في دينه بتكفير أو تضليل، فيحفظ لسانه ويجمع القلوب على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات