شرح كتاب" سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" باب " الاعتكاف وقيام رمضان"الدرس الثاني والأخير.
المقدمة
في هذا الدرس الثاني والأخير من باب «الاعتكاف وقيام رمضان» من كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام الصنعاني رحمه الله، يختم الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري الكلام على كتاب الصيام. ويتناول الدرس أحكام الاعتكاف العملية: ما يباح للمعتكف، وما يمتنع عليه، ومتى يجوز له الخروج من المسجد. ويتناول كذلك مسائل الخلاف الفقهي في اشتراط الصوم والمسجد الجامع.
وتأتي أهمية الموضوع من أن الاعتكاف سنة نبوية مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، وكثير من الناس يجهلون حدوده وضوابطه. فمنهم من يشدّد على نفسه بلا دليل، ومنهم من يتوسع حتى يتحول اعتكافه إلى مجرد مكث في المسجد. ويبيّن الشيخ أن الاعتكاف عبودية خالصة لله فيها رحمة وتيسير، وليس عذابًا ولا تكلفًا.
ومن أهداف هذا الدرس: معرفة الأمور التي لا تبطل الاعتكاف، والتمييز بين الحاجة الضرورية وغيرها، وفهم أسباب اختلاف العلماء في شروط الاعتكاف. ويتعرف المشاهد أيضًا على قواعد أصولية مهمة، مثل حجية قول الصحابي، والفرق بين المرفوع والموقوف، ومنهج العلماء في الجمع والنسخ والترجيح بين الأدلة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ما يباح للمعتكف ولا يبطل اعتكافه
يبدأ الشيخ بالحديث الخامس من أحاديث الباب، وهو حديث عائشة رضي الله عنها: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا» (متفق عليه، واللفظ للبخاري).
ويستنبط الشيخ من الحديث أنه يُشرع للمعتكف النظافة والغسل والتبرد بالماء وتمشيط الشعر وقص الأظافر والحلق. فليس من شرط الاعتكاف أن يكون المرء أشعث أغبر، والله تعالى يقول: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾. وهذه الأعمال اليسيرة الخاصة بالإنسان يجوز فعلها في المسجد بلا كراهة، سواء كان معتكفًا أم غير معتكف.
ومن فقه الحديث أن خروج بعض البدن من المسجد لا يضر الاعتكاف، كإخراج الرأس أو إحدى القدمين مع بقاء سائر الجسد في الداخل. أما الترجيل نفسه فليس من الضرورات التي تبيح الخروج بالبدن كله، ولذلك لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، بل أدخل رأسه إلى عائشة. وكذلك لمس المرأة رأس زوجها أو زيارتها له لا يؤثر في صحة الاعتكاف. فالمباشرة المنهي عنها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ هي الجماع ومقدماته.
ويشير الشيخ إلى حديث زيارة صفية رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه. فلا حرج أن تزور المرأة زوجها لتطمئن عليه وتطمئنه على أحوال البيت، على ألا يكون ذلك دائمًا.
المحور الثاني: حسن العشرة بين الزوجين من خلال حديث الترجيل
يلفت الشيخ إلى ما في الحديث من لطف النبي صلى الله عليه وسلم وإحسانه إلى أهله. ففيه بيان فضيلة عائشة رضي الله عنها ومنزلتها عنده. وفيه أن الرجل إذا كان معدِّدًا جاز له أن يخص بعض نسائه بأمور لا يخص بها غيرها.
ويقرر الشيخ أن ترجيل المرأة شعر زوجها من المودة والرحمة المتبادلة، وليس امتهانًا لها كما يزعم دعاة العلمانية. ويستدل بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ويرجّح أن خدمة المرأة زوجها بالمعروف واجبة عليها، في مقابل وجوب النفقة عليه. وهي مسألة اختلف فيها أهل العلم، والشيخ ينتصر لقول الوجوب، مستدلًا بعمل نساء السلف من أمهات المؤمنين وفاطمة رضي الله عنهن.
ويؤكد أن الرجل والمرأة مختلفان في الخلقة والوظيفة، فالمساواة المطلقة في كل الواجبات والحقوق مخالفة للشرع، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾. ويوصي الزوج بأن يعلّم زوجته ويفقهها ويأخذ بيدها إلى ما فيه صلاحها في الدنيا والآخرة. وينبّه إلى أن الإسلام منهج حياة شامل، وليس محصورًا داخل جدران المسجد.
المحور الثالث: ما يمتنع على المعتكف وحقيقة الاعتكاف
يشرح الشيخ قول عائشة رضي الله عنها: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ» (رواه أبو داود، ولا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف آخره).
ويبيّن أن قول الصحابي «السنة» له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويوضح أن المعتكف لا يخرج لعيادة المريض وإن كانت عبادة، لأنه منشغل بعبادة أخرى، والقاعدة الفقهية تقول: «المشغول لا يُشغَل». وقد فسّر الزهري الحاجة المبيحة للخروج بالبول والغائط، واتفق العلماء على استثنائهما إن لم توجد أماكن لقضاء الحاجة في المسجد. واختلفوا في غيرهما كالأكل والشرب. وأُلحق بهما الخروج للعلاج كالفصد والحجامة ونحوهما.
ويفرّق الشيخ بين الاعتكاف الحقيقي، وهو حبس النفس على عبودية الله وتفرغ تام لها، وبين «المكث في المسجد». فمن كان يكثر الخروج للعمل أو للزيارات أو لتفقد الأهل، فليَنوِ المكث لا الاعتكاف.
المحور الرابع: اشتراط الصوم والمسجد الجامع
يعرض الشيخ الخلاف في اشتراط الصوم للاعتكاف. فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» (رواه الدارقطني والحاكم، والراجح وقفه). فالمسألة من اختلاف الصحابة رضي الله عنهم، ولم يرد فيها نص صحيح صريح مرفوع. ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائمًا، ولما اعتكف في شوال فالظاهر أنه كان صائمًا. ومجرد الفعل يدل على الاستحباب، ولا يكفي وحده للدلالة على الشرطية.
ويبيّن أن المراد بـ«الجبانة» في كلام الصنعاني صحراء مصلى العيد، لا المقابر. فلا يصح الاستدلال بها على زيارة القبور يوم العيد.
وأما المسجد، فأكثر العلماء على اشتراطه. والمراد بالمسجد الجامع ما تُقام فيه الجمعة والجماعات، حتى لا يضطر المعتكف إلى الخروج. وإلى هذا ذهب أحمد وأبو حنيفة. وقال الجمهور: يصح في كل مسجد، واستحب الشافعي الجامع لمن تلزمه الجمعة.
ويوضح الشيخ أن لفظ «الجمهور» يعني أكثر العلماء، وليس طائفة معينة منهم، وأن الصواب ليس دائمًا مع الأكثر، فالعبرة بالدليل. ويذكر أن الجمعة لا تجب على المرأة والصبي والعبد والمعذور والمسافر. وسقوط الوجوب لا يعني التحريم، بل يبقى الاستحباب والإباحة.
المحور الخامس: قواعد أصولية في التعامل مع الأدلة
يتطرق الشيخ إلى الفرق بين المرفوع والموقوف، ويبيّن أن الموقوف مختلف في الاحتجاج به. فقول الصحابي وفهمه مقدّمان على أقوالنا وأفهامنا، كما انتصر لذلك ابن القيم في «إعلام الموقعين». لكن الصحيح عند علماء الأصول أن قول الصحابي بمفرده ليس حجة تُعارض بها دلالات الكتاب والسنة.
ويشرح منهج العلماء عند تعارض الأحاديث المرفوعة على هذا الترتيب:
- يبدؤون بالجمع بين الأدلة إن أمكن.
- فإن تعذّر الجمع نظروا في المتقدم والمتأخر ليُعرف الناسخ من المنسوخ.
- فإن تعذّر ذلك صاروا إلى الترجيح.
ويضرب لذلك أمثلة، منها: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» مع «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ». ومنها: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» مع «هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ». ومنها حديث ابن عباس في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم، مع حديث ميمونة أنه تزوجها وهما حلالان. وهذا المثال الأخير يتعذّر فيه الجمع، فيُصار فيه إلى الترجيح.
النقاط الرئيسية
- يجوز للمعتكف الاغتسال والتبرد وتمشيط الشعر وقص الأظافر والحلق، وليس من شرط الاعتكاف ترك النظافة.
- خروج بعض البدن من المسجد لا يبطل الاعتكاف، والمباشرة المحرمة على المعتكف هي الجماع ومقدماته.
- لا يخرج المعتكف من المسجد إلا لما لا بد منه، كقضاء الحاجة إن لم تتوفر في المسجد، أو للعلاج الضروري.
- لا يعود المعتكف مريضًا ولا يشهد جنازة، لأن «المشغول لا يُشغَل».
- الاعتكاف تفرغ تام لعبادة الله، ومن لم يستطع ذلك فلينوِ المكث في المسجد.
- اشتراط الصوم للاعتكاف محل خلاف، والأفضل أن يكون المعتكف صائمًا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
- قول الصحابي معتبر ومقدّم على أفهامنا، لكنه لا يُعارض به النص المرفوع، والعبرة دائمًا بالدليل لا بالكثرة.
الفوائد والعبر
- العبادة في الإسلام قائمة على التيسير والرحمة، فلا ينبغي للمسلم أن يشق على نفسه بما لم يأمر به الشرع.
- على من عزم على الاعتكاف أن يرتب أموره قبل دخوله، ليتفرغ فيه تفرغًا حقيقيًا لعبادة الله في العشر الأواخر.
- حسن العشرة والتلطف بين الزوجين من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى في أوقات العبادة والانقطاع.
- الإسلام منهج شامل للحياة كلها، وليس شعائر محصورة في المسجد، فالمسلم عبد لله في كل أحواله.
- من التزم منهج العلماء في الجمع والنسخ والترجيح سلم من التعجل في رد الأحاديث أو ضرب بعضها ببعض.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات