شرح كتاب " الصيام " من كتاب سبل السلام "(7،والأخير) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,131 مشاهدة
194 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو الدرس السابع والأخير من شرح «كتاب الصيام» من كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام»، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري ضمن الملف الخاص بشهر رمضان المبارك. ويدور الدرس حول حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة الرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هلكت». وهو أصلٌ في باب كفارة الجماع في نهار رمضان.

وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه لا يقتصر على بيان الحكم الفقهي، بل يجمع معه دروسًا في التربية والسلوك. ففيه منهج المفتي في الاستفصال قبل الجواب، وفيه حلم النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بالمخطئ التائب، وفيه سعة رحمة الله بمن أقبل عليه نادمًا. كما يتناول الشيخ مسائل دقيقة، منها: الفرق بين الجهل بالحكم والجهل بالكفارة، والفرق بين الحكم الشرعي واجتهاد العلماء في تفسيره بحسب أعراف زمانهم.

أهداف الدرس: أن يعرف المشاهد خصال كفارة الجماع في نهار رمضان وترتيبها، وأن يفهم أثر الجهل في سقوط الكفارة وعدمه، وأن يطّلع على خلاف العلماء في كفارة المرأة وحكم المعسر. ثم أن يستفيد من الحديث آدابًا في التوبة والفتوى ومعاملة المخطئين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نص الحديث وتخريجه وصاحب القصة

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في بلوغ المرام:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». رَوَاهُ السَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

بيّن الشيخ أن المقصود بـ«السبعة» هم: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. واختار الحافظ لفظ مسلم لأن الإمام مسلمًا رحمه الله شديد التحري في ضبط الألفاظ. وذكر الشيخ أن صاحب القصة هو سلمة (أو سلمان) بن صخر البياضي الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، وكان شديد الحب للنساء لا يصبر عن امرأته. وفي بعض الروايات أنه قال: «وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ».

وشرح الشيخ غريب الحديث، فقال:

  • العَرَق: المِكتل الضخم المنسوج من الخوص، ويعرفه أهل مصر بـ«المقطف». ورد في بعض الروايات أنه يسع خمسة عشر صاعًا، وفي أخرى عشرين، أي ما يقارب ثلاثين إلى أربعين كيلوغرامًا من التمر.
  • اللابتان: مثنى «لابة»، وهي الحَرّة: أرض ذات حجارة سود. والمدينة واقعة بين حرّتين.

ونبّه الشيخ في أثناء الشرح على بعض الأخطاء في النسخ المحققة للكتاب، وقابلها بالمخطوط، مبيّنًا أهمية الدقة والأمانة في تحقيق كتب السنة وشروحها.

المحور الثاني: عِظَم المعصية وفقه الاستفصال وحكم الجاهل بالكفارة

قول الصحابي «هلكت» يدل على تعظيم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لحرمات الله، فقد تصوّر أنه هلك بفطر يوم من رمضان بالجماع. ونبّه الشيخ إلى أن كثيرًا من الناس اليوم يفطرون في نهار رمضان دون مبالاة. والأصل في المنع قول الله تعالى:

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «وما أهلكك؟» درس للمفتي: إذا كان كلام السائل مجملًا فعليه أن يستفصل قبل أن يفتي. فكلمة «الهلاك» قد يُفهم منها الكفر أو كبيرة عظيمة، وتبيّن بالاستفصال أنها فطر يوم من رمضان بالجماع.

ومن أهم ما قرره الشيخ التفريق بين حالتين:

  • من جهل فرضية الصيام وحرمة الفطر من أصلها: فهو معذور، لأنه جهل أصل الحكم الشرعي.
  • من علم حرمة الفطر وجهل الكفارة المترتبة عليه: فلا عذر له، وتجب عليه الكفارة. فالصحابي كان يعلم التحريم ويجهل الكفارة، ولم يعذره النبي صلى الله عليه وسلم بجهله بها.

وقاس الشيخ على هذه القاعدة مسألة من طلّق امرأته بلفظ صريح قاصدًا إنهاء العقد، فرأى أن جهله بصفة الطلاق المشروعة لا يمنع وقوعه عنده، وهو اختيار الشيخ في المسألة.

المحور الثالث: خصال الكفارة وترتيبها، وضابط الإطعام

دل الحديث على أن الكفارة على الترتيب: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. ونقل الشيخ عن الإمام النووي رحمه الله حكاية الإجماع على وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان عامدًا. والرقبة في الحديث «مطلقة»، والمطلق هو الشائع في جنسه غير المقيّد بوصف. واستطرد الشيخ هنا إلى قصة بقرة بني إسرائيل، فقد أُمروا بذبح أي بقرة، فشدّدوا على أنفسهم بكثرة السؤال فشدّد الله عليهم:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67]

وفي مقدار الإطعام قرر الشيخ مسألة نفيسة، وهي الفرق بين الحكم الشرعي وتفسير العلماء له. فالشرع أمر بإطعام ستين مسكينًا، أي بما يُسمّى إطعامًا يُشبع. أما تقدير العلماء بمُدٍّ لكل مسكين فهو تفسير مبني على واقع عصرهم، إذ كان التمر طعامًا يشبع أهل الجزيرة، كما في قصة سرية أبي عبيدة حين كان يُعطى الواحد منهم تمرة واحدة.

أما اليوم فالطعام يختلف من بلد إلى بلد ومن زمن إلى زمن، والمعتبر أن يُعطى المسكين وجبة مشبعة من أوسط طعام أهل البلد. ويستأنس لذلك بقوله تعالى:

﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89]

المحور الرابع: الكفارة على المعسر وعلى المرأة

ذكر الشيخ خلاف العلماء في حكم الكفارة على المعسر، وهما قولان للإمام الشافعي:

  • القول الأول: تستقر الكفارة في ذمته دَينًا يؤديه إذا أيسر.
  • القول الثاني: لا تستقر في ذمته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبيّن له أنها باقية عليه.

ومال الشيخ إلى أنها واجبة على الموسر والمعسر جميعًا: فالموسر يُخرجها، والمعسر تبقى دينًا في ذمته. وذكر أن لولي الأمر أن يعين المعسرين على أداء حقوق الله من بيت مال المسلمين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الصحابي.

أما المرأة فاختلف العلماء في وجوب الكفارة عليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكرها في الحديث. وللعلماء في تعليل ذلك احتمالات، منها:

  • أنها ربما كانت حائضًا فطهرت بعد الفجر.
  • أنها كانت فقيرة كزوجها، وقد عُلم حالها.
  • أنه ربما أكرهها.

وفرّق الشيخ بين امرأة أُكرهت بضرب أو تهديد بطلاق، وبين امرأة طاوعت زوجها أو تزيّنت له وأغرته، فلكلٍّ منهما حكمه.

المحور الخامس: حلم النبي ﷺ وسعة رحمة الله وبركة التوبة

جاء الرجل خائفًا يرتعد يقول «هلكت»، فلم يضربه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يشتمه ولم ينهره ولم يفضحه، بل علّمه ورفق به، حتى تجرّأ الرجل لما رأى من حلمه فقال: «أعلى أفقر منا؟». فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه تعجبًا من حال الرجل ومن رحمة الله، إذ جاء خائفًا فرجع يحمل المِكتل على كتفه طعامًا لأهله. وتلك بركة التوبة والطاعة.

وفي الحديث أن الصالحين قد يخطئون، وأن المعصوم من الخطأ هو النبي صلى الله عليه وسلم وحده. لكن ليس معنى ذلك التمادي في المعصية، فهناك فرق بين من يقع في الذنب فيتوب وبين من يُذنب ويُصرّ. فقد عصى آدم عليه السلام فتاب فتاب الله عليه، وعصى إبليس فاستكبر فطُرد من رحمة الله:

﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37]

ومن فوائد الحديث أيضًا:

  • يجوز للإنسان أن يذكر فقره إذا كان من مصارف الزكاة لينبّه صاحب المال، ولا يُعدّ ذلك تسوّلًا ولا طمعًا، وإن كان التعفف أفضل.
  • العالم أو الكبير لا يُشترط أن يعلم دقائق أحوال الناس.
  • ينبغي لأهل العلم والدعوة أن يكون لهم سمت ووقار في الضحك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان جُلّ ضحكه التبسم.

النقاط الرئيسية

  • الجماع في نهار رمضان عمدًا يوجب الكفارة المغلّظة بالإجماع الذي حكاه النووي.
  • الكفارة على الترتيب: عتق رقبة، ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينًا.
  • الجهل بالكفارة لا يُسقطها عمّن علم حرمة الفطر، بخلاف من جهل أصل الحكم.
  • على المفتي أن يستفصل إذا كان كلام السائل مجملًا.
  • تقدير الإطعام بالمُدّ تفسير اجتهادي من العلماء بحسب عصرهم، والمعتبر ما يُشبع من أوسط طعام أهل البلد.
  • اختلف العلماء في سقوط الكفارة عن المعسر، وفي وجوبها على المرأة، مع التفريق بين المُكرَهة والمطاوعة.
  • الحديث شاهد على حلم النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته، وعلى بركة التوبة الصادقة.

الفوائد والعبر

  • تعظيم حرمات الله: فطر يوم من رمضان ليس أمرًا هيّنًا، فليعظّم المسلم شعائر الله كما عظّمها الصحابة.
  • المبادرة إلى التوبة وسؤال أهل العلم: من وقع في خطأ فليسارع إلى التوبة وليسأل العلماء عن المخرج، فإن رحمة الله أوسع مما يتصور.
  • الرفق بالمخطئين: على الدعاة والآباء والمربين أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في الحلم والرفق بمن جاء نادمًا، فالتعنيف قد يُنفّر والرفق يُقرّب.
  • مراعاة الواقع في الكفارات: على من لزمته كفارة إطعام أن يُطعم المساكين طعامًا يُشبعهم فعلًا من أوسط طعام أهله، لا أن يكتفي بما لا يسدّ جوعًا في واقعنا.
  • التوبة باب للرزق والبركة: جاء الصحابي خائفًا فرجع بطعام لأهله، فالطاعة والتوبة سبب للخير في الدنيا والآخرة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات