شرح كتاب " الصيام " من كتاب سبل السلام "(5) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

2,766 مشاهدة
336 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الخامس من سلسلة شرح «كتاب الصيام» من كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري ضمن الملف الخاص بشهر رمضان المبارك. ويتناول الدرس ثلاثة أحاديث من أحاديث الباب، وهي من المسائل التي يكثر السؤال عنها في نهار رمضان: حكم الاكتحال للصائم، وحكم من أكل أو شرب ناسيًا، وحكم القيء.

ويجمع الشيخ في هذا الدرس بين الدراسة الحديثية والفقهية. فهو يبيّن درجة الأحاديث صحةً وضعفًا، ويعرض أقوال أهل العلم وأدلتهم، ويناقش الأقيسة ويبيّن ما فيها من خلل. ويقف كذلك عند بعض ملاحظات التحقيق على نسخ الكتاب المطبوعة والمخطوطة، فيربي طالب العلم على التثبّت وعدم التسليم بكل ما يُنقل.

ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المسلم ضابط المفطّرات، وأن يفهم سعة رحمة الله تعالى بعباده في رفع المؤاخذة عن الناسي. ويهدف كذلك إلى إبراز القاعدة الشرعية العظيمة «المشقة تجلب التيسير»، وبيان معنى القياس الفاسد الاعتبار، وهو القياس الذي يصادم النص.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حكم الاكتحال للصائم ودرجة الأحاديث الواردة فيه

افتتح الشيخ الدرس بالحديث التاسع عشر، وهو حديث عائشة رضي الله عنها:

«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ» رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف.

وبيّن الشيخ أن علّة ضعفه أن في إسناده سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، وهو ضعيف. ونقل قول الإمام الترمذي: «لا يصحّ في هذا الباب شيء»، ومعناه أنه لم يصح في الاكتحال للصائم حديث، لا في المنع ولا في الإباحة. وكذلك حديث أبي داود في الأمر باتقاء الإثمد للصائم، فقد قال فيه يحيى بن معين: «إنه حديث منكر».

ولما لم يصح في الباب شيء اختلف أهل العلم في المسألة على ثلاثة أقوال:

  • كرهه سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، خشية أن ينزل شيء منه إلى الحلق.
  • رخّص فيه الإمام الشافعي.
  • قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى إنه يفطّر.

وانتهى الشيخ إلى أن الأصل في الكحل الإباحة، عملًا بالبراءة الأصلية. غير أن تركه في نهار رمضان أفضل وأكمل، خروجًا من خلاف العلماء، وذلك على سبيل الورع لا على سبيل التحريم. فإن احتاج إليه الصائم، كقطرة العين، فلا حرج عليه.

المحور الثاني: ضابط المفطّرات ومناقشة القول بأن الكحل يفطّر

احتجّ من قال بالتفطير بالكحل بقول:

«الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ»

وقالوا: إذا وجد الصائم طعم الكحل في حلقه فقد دخل إلى جوفه. ونبّه الشيخ على أن نسبة هذا القول إلى النبي ﷺ وهم، وأنه موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما. فقد علّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس. وكان ينبغي للمحقق أن ينبّه على ذلك.

وأُجيب عن هذا الاستدلال بأنه لا يُسلَّم أن الكحل قد دخل إلى الجوف. فالعين ليست منفذًا معتادًا للطعام والشراب، وإنما يصل ما يوضع فيها عن طريق المسام، وهي الفتحات الدقيقة في البدن التي يخرج منها العرق. ودخول الشيء من المسام لا يفطّر، ومثال ذلك:

  • المتوضئ والمغتسل، فقد يتخلل الماء مسام جلده، ولا يفطر بذلك.
  • من دلك قدميه بالحنظل فوجد مرارته في فمه، فإنه لا يفطر بالإجماع.

فالمنفذ الأساس للمفطّرات هو الفم، وما وصل إلى البدن من غيره بطريق المسام لا يُعدّ مفطّرًا.

المحور الثالث: من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم

ثم شرح الشيخ الحديث العشرين، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» متفق عليه.

وفي رواية الحاكم: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ»، وهو صحيح.

وقرّر الشيخ أن النسيان من موانع التكليف، واستدل بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وقد جاء في الحديث أن الله تعالى قال: «قد فعلت». واستدل أيضًا بقوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ». وذكّر بأن النبي ﷺ نفسه سها في صلاته.

وبيّن أن لفظ «من أفطر» يعمّ جميع المفطّرات، ومنها الجماع ناسيًا. وإنما خُصّ الأكل والشرب بالذكر لأنهما الغالب في وقوع النسيان، كما قال ابن دقيق العيد رحمه الله. والحكم يشمل الفرض والنفل، بل النافلة أولى بالتخفيف. فإذا تذكّر الصائم وجب عليه أن يمسك فورًا، وأن يلفظ ما في فمه ويتمضمض، ثم يتم صومه.

وهذا الحديث من أدلة القاعدة الشرعية العظيمة: «المشقة تجلب التيسير». فلو أُوخذ الناسي لشقّ ذلك على الناس، خاصة في أيام الحر حين يغفل الصائم فيشرب بعد تعب يوم طويل.

المحور الرابع: الرد على من قاس الصوم على الصلاة وبيان القياس الفاسد

ذهب بعض أهل العلم إلى أن من أكل ناسيًا يفطر ويلزمه القضاء. وعلّلوا ذلك بأن الإمساك ركن الصوم، فهو كمن نسي ركنًا من أركان الصلاة. وتأولوا قوله ﷺ «فليتم صومه» بأن المراد إتمام الإمساك فقط.

وردّ الشيخ هذا القول من وجوه:

  • أنه قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص الصريح «فلا قضاء عليه ولا كفارة». وأول من قاس قياسًا فاسد الاعتبار إبليس حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].
  • أن الأصل المقيس عليه نفسه منازَع فيه، فمن نسي ركوعًا لا تبطل صلاته كلها، وإنما تبطل الركعة فيأتي بركعة بدلها. فكيف يُلزَم الصائم بإعادة يوم كامل؟
  • أن الصلاة يمكن تداركها لاتساع وقتها، أما يوم رمضان فلا يقوم مقامه يوم آخر من رمضان، فناسب ذلك حكمةَ الله في التخفيف.
  • أن إسقاط القضاء ثابت بطرق يشد بعضها بعضًا، وأفتى به جماعة من الصحابة، منهم علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، كما نقله ابن المنذر وابن حزم.

وذكر الشيخ أثرًا رواه عبد الرزاق في مصنفه: أن رجلًا جاء أبا هريرة فأخبره أنه نسي فطعم وهو صائم، فقال له: «لا بأس، أطعمك الله وسقاك». فلما تكرر منه ذلك مرة بعد مرة قال له أبو هريرة: «أنت إنسان لم تتعوّد الصيام». وذكر كذلك حديثًا ضعيفًا عند أحمد فيه قوله ﷺ: «أَتِمِّي صَوْمَكِ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكِ»، ويشهد لمعناه الحديث الصحيح المتقدم.

المحور الخامس: حكم القيء للصائم

وختم الشيخ الدرس بالحديث الحادي والعشرين، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:

«مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» رواه الخمسة، وأعلّه أحمد، وقوّاه الدارقطني.

وأرجأ الشيخ الكلام على إسناده إلى الدرس التالي، واكتفى ببيان فقهه: من غلبه القيء وسبقه دون اختياره فلا شيء عليه، وصومه صحيح. أما من تعمّد إخراجه فعليه القضاء.

النقاط الرئيسية

  • لم يصح في الاكتحال للصائم حديث، لا في المنع ولا في الإباحة، فيبقى على البراءة الأصلية وهي الإباحة.
  • ترك الكحل في نهار رمضان أفضل خروجًا من الخلاف، إلا عند الحاجة كقطرة العين.
  • قول «الفطر مما دخل وليس مما خرج» موقوف على ابن عباس وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
  • ما يصل إلى البدن عن طريق المسام لا يفطّر، لأن المنفذ المعتبر للطعام والشراب هو الفم.
  • من أكل أو شرب ناسيًا فصومه صحيح، ولا قضاء عليه ولا كفارة، في الفرض والنفل.
  • قياس الصوم على الصلاة في هذه المسألة قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص.
  • من غلبه القيء فلا قضاء عليه، ومن تعمّده فعليه القضاء.

الفوائد والعبر

  • اليسر في الدين: يرفع الله المؤاخذة عن الناسي، وهذا من سعة رحمته. فلا يقع الصائم في الوسوسة إذا أكل ناسيًا، بل يمسك فور تذكّره ويتم صومه مطمئنًا.
  • الورع والخروج من الخلاف: ترك ما اختلف فيه العلماء عند عدم الحاجة أكمل للعبادة وأبرأ للذمة، من غير تشديد ولا تحريم لما أباحه الله.
  • تقديم النص على الرأي: لا قياس مع النص، والقياس الذي يصادم الدليل الصحيح مردود مهما بدا وجيهًا.
  • التثبّت في نسبة الأقوال: ينبغي التفريق بين المرفوع إلى النبي ﷺ والموقوف على الصحابة، وعدم التسليم بكل ما في الكتب المحققة دون مراجعة.
  • الاهتمام بصحة الصيام: على المسلم أن يتجنّب ما يفسد صومه عمدًا، كاستدعاء القيء، وأن يتعلّم أحكام الصيام قبل دخول رمضان ليعبد الله على بصيرة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات