بعض ثمرات الصيام .لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
الصيام في الإسلام ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو مدرسة تربوية متكاملة تُهذِّب النفس، وتُقوِّم السلوك، وتُعوِّد العبد على طاعة ربه. وفي هذا الدرس من الملف الخاص بشهر رمضان المبارك، يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري بعض ثمرات الصيام التي ينبغي للصائم أن يحرص على جنيها، حتى لا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش فقط.
ويبيّن الشيخ أن الصيام وقاية للعبد في الدنيا من الذنوب والمعاصي، ووقاية له في الآخرة من النار. ومن ثمراته كذلك حسن الخلق، وأنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على البلاء. ويستدل الشيخ على ذلك بنصوص من الكتاب والسنة، ويضرب أمثلة من الواقع تُظهر الفرق بين صيام يُثمر وصيام لا يتعدّى الإمساك عن الطعام.
والغرض من هذا الدرس أن يعرف المشاهد مقاصد الصيام وغاياته، وأن يحاسب نفسه على ما جناه من صيامه، وأن يجعل رمضان بداية لتغيير حقيقي في أخلاقه وعبادته يبقى معه بعد انقضاء الشهر.
المحور الأول: الصيام جُنَّة ووقاية في الدنيا والآخرة
يبدأ الشيخ ببيان أن الصيام جُنَّة، أي وقاية وستر يحمي صاحبه. وهذه الوقاية على نوعين: وقاية في الدنيا، ووقاية في الآخرة. ولذلك أمر النبي ﷺ الصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه فلا يرفث ولا يصخب.
فأما وقايته في الدنيا فهي من الذنوب والمعاصي والآثام. فالصائم الذي يمتنع عن الحلال في نهار رمضان أولى به أن يمتنع عن الحرام في كل وقت. ومن لم يحجزه صيامه عن قول الزور والعمل به فقد ضيّع المقصود من الصيام.
وأما وقايته في الآخرة فهي من النيران. وقد خصّ الله الصائمين بباب من أبواب الجنة اسمه "الريّان"، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق.
قال رسول الله ﷺ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ» [متفق عليه].
وقال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].
وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» [متفق عليه].
المحور الثاني: حسن الخلق من أعظم ثمرات الصيام
يؤكد الشيخ أن من أهم ثمرات الصيام حسن الخلق. فقد مدح النبي ﷺ حسن الخلق مدحًا عظيمًا، وأخبر أن أقرب الناس منه مجلسًا يوم القيامة أحاسنهم أخلاقًا. والصيام يُعوِّد النفس على الحلم والأناة وضبط الانفعال، ويحبسها عن الذنوب والمعاصي.
وذكر الشيخ مثالًا من الواقع: رجلان اصطدمت سيارتاهما قبل المغرب بدقائق، فنزل أحدهما إلى الآخر وأطلق لسانه بسبّ الدين وقذف المحصنات. فمثل هذا لم يستفد من صيامه شيئًا. والهدي النبوي أن يقول الصائم إذا سابّه أحد: "إني امرؤ صائم"، وأن يُعرض عن الجاهلين.
وحسن الخلق يكون مع الناس جميعًا، حتى مع من أساء إليك. فتدفع السيئة بالحسنة، فينقلب العدو صديقًا حميمًا. وهذه منزلة لا ينالها إلا أهل الصبر وأصحاب الحظ العظيم.
قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه الترمذي].
وقال ﷺ لأشجّ عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» [رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما].
وقال ﷺ: «فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [متفق عليه].
وقال ﷺ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [رواه الترمذي].
قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].
وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35].
المحور الثالث: الصبر على الطاعة
ومن ثمرات الصيام أن يتعلم العبد الصبر على الطاعة. ويشير الشيخ إلى أن بعض الناس يضيقون بطول صلاة التراويح، مع أن السنّة إطالة القيام. وهؤلاء أنفسهم قد يقضون ساعات طويلة في أمور تافهة دون ملل.
وضرب الشيخ مثالًا مؤثرًا: أناس يقفون في الطوابير خمس ساعات أو ست ساعات قبل صلاة الفجر ليحصلوا على أسطوانة غاز، ثم تفوتهم صلاة الفجر. فصار الغاز عند أحدهم أهمّ من صلاة الفجر ومن الدنيا والآخرة. يصبر الواحد منهم ساعات من أجل متاع الدنيا، ثم يغضب ويتضجّر إذا طال قيامه بين يدي ربه.
فالصيام يدرّب النفس على تحمّل مشقة العبادة واحتساب أجرها عند الله. وبهذا تتربّى النفس على تقديم ما يحبه الله على ما تشتهيه هي.
المحور الرابع: الصبر عن المعصية
والنوع الثاني من الصبر الذي يربّيه الصيام هو الصبر عن المعصية. ويبيّن الشيخ أن للمعاصي بريقًا ولذة في القلوب يزيّنها الشيطان، لكنها في حقيقتها أوهام لا حقيقة لها.
فإذا صبر العبد عن المعصية وتركها لله، أبدله الله خيرًا منها في الدنيا والآخرة. والصائم الذي يترك شهوته من أجل ربه في النهار يتدرّب على ترك المحرمات في كل وقت.
قال رسول الله ﷺ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ» [رواه أحمد].
المحور الخامس: الصبر على الابتلاءات والمحن
والنوع الثالث هو الصبر على الابتلاءات والمحن. فالصائم لا يستطيع أن يأكل أو يشرب مع أن الطعام والشراب أمامه، فيتعلّم بذلك أن يتحمّل ما يصيبه من ضيق ومشقة.
ويذكر الشيخ أن من الناس من يصوم ثم يغضب ويتضجّر ويتسخّط إذا أصابه شيء من الجوع أو التعب. والواجب أن يحمد العبد ربه على العافية والنعمة، وأن يشكره سبحانه، وأن يصبر على قضائه وبلائه.
ويختم الشيخ بأن ثمرات الصيام أضعاف ما ذُكر، ويحثّ المسلم على أن يجني هذه الثمرات، وألا يمرّ عليه الشهر والوقت ينسحب من بين يديه دون أن يستفيد منه.
النقاط الرئيسية
- الصيام جُنَّة تقي صاحبها من الذنوب والمعاصي في الدنيا، ومن النار في الآخرة.
- من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
- خصّ الله الصائمين بباب "الريّان" في الجنة، لا يدخل منه أحد غيرهم.
- حسن الخلق من أعظم ثمرات الصيام، وأحاسن الناس أخلاقًا أقربهم من النبي ﷺ مجلسًا يوم القيامة.
- هدي الصائم إذا سابّه أحد أن يقول: "إني امرؤ صائم"، وأن يدفع السيئة بالحسنة.
- الصيام مدرسة لأنواع الصبر الثلاثة: على الطاعة، وعن المعصية، وعلى البلاء.
- من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه في الدنيا والآخرة.
الفوائد والعبر
- أن يحاسب الصائم نفسه كل يوم: هل حفظ صيامُه لسانَه وجوارحه، أم كان حظه منه الجوع والعطش فقط؟
- أن يدرّب نفسه على الحلم وضبط الغضب، وخاصة في أوقات الضيق قبل الإفطار وفي الطرقات والزحام.
- أن يقدّم الطاعة على متاع الدنيا، فلا يصبر ساعات على أمر دنيوي ثم يضيق بطول القيام بين يدي الله.
- أن يتذكّر عند الشهوة أن لذّة المعصية زائلة، وأن من تركها لله عوّضه الله خيرًا منها.
- أن يجعل رمضان بداية لتغيير دائم في الأخلاق والعبادة يستمرّ بعد انقضاء الشهر، وأن يقابل البلاء بالحمد والشكر والرضا.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات