خطبة جمعة بعنوان --- : " تحريم الغيبة " لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة من «سلسلة خطب الجمعة 2» يتحدث فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري عن آفة من أخطر آفات اللسان، وهي الغيبة. والغيبة اعتداء على أعراض المسلمين. وقد صارت تجري في المجالس بلا مبالاة، وصار كثير من الناس يتساهلون في الكلمة ولا يقدّرون أثرها عند الله تعالى.
يبدأ الشيخ خطبته بالتذكير بتقوى الله والوقوف بين يديه يوم الحساب. ثم يتحدث عن الغيرة على المحارم والأعراض، فالله تعالى يغار، والمؤمن يغار. وينتهي إلى أن صيانة العرض بالقول جزء من هذه الغيرة، فمن غار على حرمات الله لم يُطلق لسانه في أعراض إخوانه.
ومن أهداف هذه الخطبة أن يعرف المسلم خطر الكلمة الواحدة، وأن يقتدي بالصحابة رضي الله عنهم في الغيرة والعفة، وأن يجعل مراقبة الله تعالى حارساً على لسانه وجوارحه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تقوى الله والاستعداد ليوم الحساب
افتتح الشيخ الخطبة بخطبة الحاجة، وفيها آيات الأمر بالتقوى. ثم ذكّر بأن كل إنسان سيقف بين يدي الله تعالى، فيقرره بذنوبه ويجازيه على عمله، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
ونبّه إلى أن يوم القيامة يوم لا يخفى فيه شيء، وأن مثقال الذرة من الخير أو الشر سيراه صاحبه. فينبغي للعبد أن ينظر فيما قدّم لغده قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18]
وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]
وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]
المحور الثاني: غيرة الله تعالى وغيرة المؤمن
بيّن الشيخ أن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيباً، وأنه سبحانه يغار، وغيرته أن يأتي العبد ما حرّم عليه. ولهذا حرّم الفواحش كلها، ما ظهر منها وما بطن.
والمؤمن الصادق يغار كذلك. فيكره انتهاك الحرمات، ويصون عرضه وأعراض المسلمين. والغيرة الصادقة من علامات الإيمان، وضعفها من علامات ضعف الدين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ» [متفق عليه، وهذا لفظ مسلم]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ» [متفق عليه]
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» [متفق عليه]
المحور الثالث: الغيرة على الأعراض والاقتداء بالصحابة
تحدث الشيخ عن غيرة الصحابة رضي الله عنهم على نسائهم وأعراضهم، وذكر غيرة سعد بن عبادة رضي الله عنه. فقد أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم على غيرته، وأخبر أنه صلى الله عليه وسلم أغير منه، وأن الله أغير منه صلى الله عليه وسلم.
ودعا إلى أن نتأمل سيرة الصحابة ونتشبه بهم في الرجولة والعفة. وبيّن أن الرجولة الحقيقية تقوى لله واستقامة على أمره وصيانة للأهل، وليست مظاهر وأشكالاً. كما ذكّر بوجوب الحجاب والستر، وحذّر من التبرج الذي توعّد عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» [متفق عليه]
وقال صلى الله عليه وسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» [رواه مسلم]
المحور الرابع: تحريم الغيبة وخطر الكلمة
في الخطبة الثانية تناول الشيخ موضوع الغيبة صراحة. فالذي يغار على عرضه لا يرضى أن يتناول أعراض الناس بلسانه، والغيبة ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه.
ونبّه الشيخ إلى أن كثيراً من الناس صاروا يقولون الكلمة ولا يلقون لها بالاً، مع أنها قد تهوي بصاحبها. واستشهد بموقف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، إذ قالت كلمة يسيرة في حق صفية رضي الله عنها، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم عِظَم أثرها.
قالت عائشة رضي الله عنها: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا (تعني قصيرة)، فقال: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» [رواه أبو داود والترمذي]
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]
النقاط الرئيسية
- تقوى الله تعالى أساس صلاح القول والعمل، وكل عبد موقوف بين يدي ربه ومحاسب على عمله.
- الله تعالى يغار، وغيرته أن يأتي العبد ما حرّم عليه، ولذلك حرّم الفواحش.
- الغيرة من علامات الإيمان، والمؤمن يغار على حرمات الله وعلى عرضه وأعراض المسلمين.
- الصحابة رضي الله عنهم قدوة في الغيرة والعفة، وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم غيرة سعد بن عبادة.
- الستر والحجاب من صيانة الأعراض، والتبرج متوعَّد عليه بالحرمان من الجنة.
- الغيبة اعتداء على عرض المسلم، والكلمة اليسيرة فيها قد تكون عند الله عظيمة.
- حديث عائشة في صفية رضي الله عنهما دليل على شدة تحريم الغيبة ولو كانت بكلمة واحدة.
الفوائد والعبر
- أن يزن المسلم كلامه قبل أن يتكلم، ويتذكر أن الكلمة مكتوبة عليه ومحاسب عليها.
- أن يدافع عن عرض أخيه الغائب، ولا يجلس في مجلس تُنتهك فيه أعراض المسلمين.
- أن يجدد غيرته على حرمات الله، ويقوم على أهله ويحفظهم بالستر والتربية الصالحة.
- أن يقرأ سير الصحابة رضي الله عنهم ويقتدي بهم في الرجولة والعفة والاستقامة.
- أن يتوب إلى الله فوراً من كل غيبة وقعت منه، ويستغفر لمن اغتابه ويذكره بخير.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات