خطبة جمعة بعنوان :【محبة النبي ﷺ 】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 104 مشاهدة 1 تحميل 0 مشاركة 00:37:47
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

هذه خطبة جمعة بعنوان «محبة النبي ﷺ» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهي من «سلسلة خطب الجمعة 2». ومحبة النبي ﷺ أصلٌ من أصول الإيمان، وهي عملٌ من أعمال القلب يتفاضل فيه المؤمنون. وبها يذوق العبد حلاوة الإيمان، فلا يكمل إيمانه حتى يكون رسول الله ﷺ أحبَّ إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين.

ويتناول هذا الموضوع منزلة محبة النبي ﷺ في الدين، وأسبابها، وعلاماتها الصادقة التي تميّز المحبّ الحقيقي من صاحب الدعوى. وهو موضوعٌ يحتاجه المسلم في كل زمان، حتى تبقى محبته منضبطة بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فلا تفريط فيها ولا غلوّ.

ومن أهداف هذا الدرس: أن يعرف المستمع حكم محبة النبي ﷺ ومكانتها، وأن يميّز المحبة الشرعية القائمة على الاتباع من المحبة المدّعاة، وأن يحرص على ترجمة هذه المحبة إلى طاعةٍ وتعظيمٍ للسنة ونصرةٍ لها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: محبة النبي ﷺ أصلٌ من أصول الإيمان

محبة النبي ﷺ ليست أمرًا مستحبًّا يُترك لاختيار الناس، بل هي واجبةٌ وشرطٌ في الإيمان. والمطلوب أن تكون محبته ﷺ مقدَّمةً على محبة كل مخلوق، حتى النفس التي بين الجنبين.

وقد توعّد الله تعالى من قدّم محبة شيءٍ من الدنيا على محبة الله ورسوله، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24].

وقال النبي ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [متفق عليه]. وقال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6].

المحور الثاني: تقديم محبته ﷺ على محبة النفس

أعلى درجات المحبة أن يقدّم العبد رسول الله ﷺ على نفسه، فيقدّم أمره على هواه ورغبته. وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في ذلك، ففدَوه بأنفسهم وأموالهم وأهليهم.

وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فقال النبي ﷺ: «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فقال عمر: فَإِنَّهُ الْآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فقال النبي ﷺ: «الْآنَ يَا عُمَرُ».

وهذه المحبة سببٌ لوجود حلاوة الإيمان، قال ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» [متفق عليه].

المحور الثالث: علامات المحبة الصادقة، وأعظمها الاتباع

المحبة الصادقة تظهر آثارها في السلوك. وأعظم علاماتها طاعته ﷺ فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألّا يُعبد الله إلا بما شرع. فمن ادّعى المحبة وهو يخالف السنة فدعواه ناقصة.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

ومن علامات المحبة كذلك: كثرة ذكره ﷺ والصلاة عليه، وتعظيم حديثه، ومحبة أصحابه وآل بيته الطيبين، ونصرة سنته والذبّ عنها. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

المحور الرابع: ضبط المحبة بالشرع، بلا غلوٍّ ولا ابتداع

المحبة الشرعية وسطٌ بين طرفين: التفريط والجفاء من جهة، والغلوّ والإطراء من جهة أخرى. ومن الغلوّ رفعه ﷺ فوق منزلته التي أنزله الله إياها، أو صرف شيءٍ من العبادة إليه. ومن الابتداع إحداث عباداتٍ وأعيادٍ لم يشرعها هو ولم يفعلها أصحابه.

قال ﷺ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» [رواه البخاري]. وقال ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [رواه مسلم].

فالمحبّ الصادق يقف حيث وقف الصحابة رضي الله عنهم. وهم أعظم الناس حبًّا له ﷺ، ومع ذلك كانوا أشدّ الناس اتباعًا وأبعدهم عن الإحداث في الدين.

المحور الخامس: ثمرات محبة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة

لمحبة النبي ﷺ ثمراتٌ عظيمة، منها: كمال الإيمان، ووجود حلاوته في القلب، ونيل محبة الله ومغفرته باتباع رسوله ﷺ، وانشراح الصدر بالعمل بالسنة.

ومن أعظم ثمراتها مرافقته ﷺ في الآخرة. فقد سأله رجلٌ عن الساعة فقال: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قال: لا شيء، إلا أني أحبّ الله ورسوله، فقال ﷺ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» [متفق عليه]. قال أنس رضي الله عنه: فما فرحنا بشيءٍ فرحَنا بقول النبي ﷺ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».

النقاط الرئيسية

  • محبة النبي ﷺ واجبةٌ وشرطٌ في الإيمان، ولا يكمل إيمان العبد حتى يكون ﷺ أحبَّ إليه من الناس أجمعين.
  • المطلوب أن تُقدَّم محبته ﷺ على محبة النفس والولد والوالد والمال.
  • أصدق علامات المحبة اتباعه ﷺ وطاعته وتحكيم سنته والتسليم لها.
  • من علامات المحبة كثرة الصلاة والسلام عليه، وتعظيم حديثه، ومحبة أصحابه وآل بيته.
  • المحبة الشرعية منضبطةٌ بالكتاب والسنة، بعيدةٌ عن الغلوّ والإطراء والابتداع.
  • الصحابة رضي الله عنهم هم القدوة في محبته ﷺ، فقد جمعوا بين صدق المحبة وكمال الاتباع.
  • من ثمرات المحبة: حلاوة الإيمان، ومحبة الله للعبد، ومرافقة النبي ﷺ في الآخرة.

الفوائد والعبر

  • أن يزن المسلم محبته للنبي ﷺ بميزان الاتباع، فيسأل نفسه: كم من سنته أحيا في يومه وليلته؟
  • أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ، ولا سيما يوم الجمعة وليلتها.
  • أن يقرأ سيرته ﷺ وشمائله ويعلّمها أهله وأولاده، فمعرفته سببٌ لمحبته.
  • أن يقدّم أمر النبي ﷺ على هوى النفس وعادات الناس عند التعارض، وأن يسلّم لحكمه بلا حرج.
  • أن يحذر من صور الغلوّ والبدع التي تُرتكب باسم المحبة، ويلزم هدي الصحابة والسلف الصالح في تعظيمه ﷺ.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات