خطبة جمعة بعنوان --- : " فلا تظلموا فيهن أنفسكم" لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري .
المقدمة
في هذه الخطبة من «سلسلة خطب الجمعة 2» يتكلم فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري عن قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. يبدأ الشيخ بتذكير المسلم بأن الأيام تمضي، وأن عامًا جديدًا يُكتب من عمره، فعليه أن يسأل نفسه: ماذا قدّم في عامه الذي مضى؟ وماذا أعدّ للقاء ربه؟ ثم يشرح مكانة الأشهر الحرم التي جعلها الله موسمًا يعظُم فيه الأجر ويعظُم فيه الوزر.
وتشرح الخطبة سبب تفضيل الله بعض الأزمنة على بعض، وما يختص به شهر ذي الحجة من الحج ويوم عرفة. ثم تبيّن معنى الظلم وأنواعه، ابتداءً بظلم العبد لنفسه، ثم ظلمه لغيره، وأعظمه الشرك بالله. وتختم ببيان آثار الظلم والمعاصي على الأمم والمجتمعات.
وأهداف هذا الدرس: أن يعرف المستمع حرمة الأشهر الحرم، وأن يتعلم أن يحاسب نفسه، وأن يفهم الظلم بمعناه الواسع فيجتنبه، وأن يغتنم مواسم الطاعات قبل أن تفوته.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الأشهر الحرم ومكانتها في الشرع
يبيّن الشيخ أن الله تعالى جعل عدد الشهور اثني عشر شهرًا منذ خلق السماوات والأرض، واختار منها أربعة أشهر حرمًا. ثلاثة منها متتالية، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والرابع منفرد، وهو رجب الذي بين جمادى وشعبان، ويُسمّى «رجب مُضَر».
ويذكر الشيخ أن العرب في الجاهلية كانوا يعظّمون هذه الأشهر، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو ابنه في الشهر الحرام فلا يمسّه بسوء. ثم جاء الإسلام فأكّد حرمتها، ونهى عن الظلم فيها نهيًا خاصًّا، مع أن الظلم محرّم في كل وقت.
ويذكر الشيخ خطبة النبي ﷺ في حجة الوداع، حين قرّر فيها حرمة الدماء والأموال والأعراض، وقرنها بحرمة اليوم والبلد والشهر، وحذّر أمته من الاقتتال بعده.
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
وقال ﷺ: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [متفق عليه].
وقال ﷺ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» [متفق عليه].
المحور الثاني: اصطفاء الله لبعض الأزمنة وخصائص شهر ذي الحجة
يقرّر الشيخ أن الله يخلق ما يشاء ويختار. فقد اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا، وفضّل بعض الأماكن على بعض، وفضّل بعض الأزمنة على بعض. فلشهر رمضان فضله وخصائصه، وللأشهر الحرم كذلك فضلها وخصائصها.
ومن خصائص شهر ذي الحجة أن فيه الحج، وهو ركن من أركان الإسلام، ويُذكّر الحاجَّ بيوم الحشر حين يخرج الناس لربهم حفاة عراة. ومن حجّ ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وفيه يوم عرفة الذي يكفّر صيامُه سنتين. ويحذّر الشيخ من التهاون في اغتنام هذه الأيام.
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1].
وقال ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» [متفق عليه].
وقال ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [رواه البخاري].
وقال ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [رواه مسلم].
المحور الثالث: حقيقة الظلم وتحريمه
يشرح الشيخ أن الله حرّم الظلم على نفسه، وجعله محرّمًا بين عباده. والظلم يكون في الدنيا ظلمًا، ويكون يوم القيامة ظلماتٍ على صاحبه. والشحّ من أعظم أسبابه، فهو الذي أهلك من كان قبلنا، إذ حملهم على سفك الدماء واستحلال المحارم.
ويبيّن الشيخ أن ظلم النفس يدخل فيه فعل المحرّمات وارتكاب الموبقات والفواحش، وأن الظالم لا يجد يوم القيامة قريبًا ينصره ولا شفيعًا تُقبل شفاعته.
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» [رواه مسلم].
وقال ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» [رواه مسلم].
وقال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].
المحور الرابع: أعظم الظلم هو الشرك بالله
يوضّح الشيخ أن الظلم درجات، وأن أعلاها وأخطرها الشرك بالله، لأنه صرفٌ للعبادة لغير من يستحقها، وهو الخالق وحده سبحانه. لذلك سمّى الله الكافرين ظالمين.
ويذكر الشيخ أن الصحابة رضي الله عنهم لما نزل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شقّ ذلك عليهم، فبيّن لهم النبي ﷺ أن المراد بالظلم هنا الشرك. والتوحيد أساس الأمن والهداية في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية شقّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» [متفق عليه].
وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254].
المحور الخامس: عواقب الظلم والمعاصي على المجتمعات
يختم الشيخ ببيان أن ما يصيب الناس من أمراض ووباء وقحط وتسلّط للأعداء واقتتال داخلي إنما يرجع إلى ما كسبته أيديهم من الذنوب. ومن هذه الذنوب: إعلان الفاحشة، وتطفيف المكيال والميزان، ومنع الزكاة، ونقض عهد الله ورسوله، وترك الحكم بكتاب الله.
ويقرّر الشيخ أن من أعرض عن ذكر الله عاش في ضيق وشقاء مهما ملك من متاع الدنيا، وأن الطريق إلى الخروج من ذلك هو الرجوع إلى الله والتوبة الصادقة.
قال ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» [رواه ابن ماجه وحسّنه الألباني].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ [طه: 124].
النقاط الرئيسية
- عدد الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب.
- الظلم محرّم في كل وقت، لكنه في الأشهر الحرم أشدّ إثمًا، كما أن الطاعة فيها أعظم أجرًا.
- الله يخلق ما يشاء ويختار، فقد فضّل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض.
- من خصائص ذي الحجة الحج ويوم عرفة، وصيام يوم عرفة يكفّر سنتين.
- حرّم الله الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا، والظلم ظلمات يوم القيامة.
- أعظم الظلم الشرك بالله، والتوحيد الخالص سبب الأمن والهداية.
- ما يصيب الأمم من البلاء والقحط وتسلّط الأعداء سببه الذنوب والإعراض عن شرع الله.
الفوائد والعبر
- أن يحاسب المسلم نفسه كلما انقضى عام من عمره، فيسأل: ماذا قدّمت لنفسي؟ وماذا أعددت للقاء ربي؟
- أن يغتنم الأشهر الحرم، وخاصة عشر ذي الحجة ويوم عرفة، فيُكثر فيها من الصيام والذكر والصدقة، ويجتنب فيها المعاصي اجتنابًا خاصًّا.
- أن يحفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، ويحذر الشحّ لأنه يقود إلى الظلم والعدوان.
- أن يحرص على تحقيق التوحيد وتنقيته من شوائب الشرك، فهو أساس الأمن في الدنيا والنجاة في الآخرة.
- أن يعلم أن صلاح المجتمع يكون بطاعة الله وأداء الزكاة والعدل في المعاملات والحكم بشرعه، وأن التوبة والرجوع إلى الله هما سبيل رفع البلاء.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات