خطبة جمعة بعنوان --- : " استعيذوا بالله من العين" لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 148 مشاهدة 0 تحميل 0 مشاركة 00:45:19
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة، وهي ضمن سلسلة خطب الجمعة، يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- مرضًا من أخطر أمراض القلوب وأشدها أثرًا في حياة الناس، وهو العين والحسد. ويبيّن الشيخ أن القلب مضغة في الجسد يصلح بصلاحها الجسد كله ويفسد بفسادها. ومن أمراض القلب التي تعود آثارها على الأفراد والبيوت والمجتمعات نظرة الإعجاب التي لا يُذكر معها اسم الله، ونظرة الحسد التي تتمنى زوال النعمة.

ويقرر الشيخ بالأدلة الصحيحة من السنة النبوية أن العين حق، وأنها قد تُدخل الرجل القبر والجمل القِدر. ويبيّن أنها من أكثر أسباب الموت في هذه الأمة بعد قضاء الله وقدره. وينبّه إلى آثارها التي يغفل عنها كثير من الناس، مثل تعثّر الدراسة وانقطاع الرزق وتفكّك البيوت ووقوع الطلاق بين زوجين كانا متحابّين.

وتهدف الخطبة إلى ترسيخ الإيمان بحقيقة العين على منهج أهل السنة دون إفراط أو تفريط، وإلى تعليم المسلم كيف يقي نفسه وأهله منها بالأذكار والتحصينات الشرعية. كما تعلّمه كيف يعالجها بالرقية الشرعية والاغتسال على الهدي النبوي، وتربّيه على أدب التبريك عند رؤية ما يعجبه في نفسه أو ماله أو في غيره.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: العين حق، والأمر النبوي بالاستعاذة منها

افتتح الشيخ الخطبة بالحديث عن صلاح القلب وفساده، ثم انتقل إلى العين بوصفها أثرًا من آثار أمراض القلوب. فهي نظرة تخرج من نفس معجبة أو حاسدة فتصيب الإنسان في بدنه أو ماله أو أولاده أو بيته. وقد تتحدث المرأة عن جارتها وزوجها، أو يتحدث الناس عن نجاح فلان في دراسته أو تجارته، فإذا بالنعمة تتحوّل والحال يتبدّل.

وأكد الشيخ أن النبي ﷺ أمر بالاستعاذة بالله من العين، وقرر أنها حق ثابت، حتى إنه لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين. والعين مع ذلك لا تخرج عن قدر الله، وإنما المقصود بيان سرعة تأثيرها وشدته.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْعَيْنِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» (رواه ابن ماجه والحاكم، وصححه الألباني)

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» (رواه مسلم)

المحور الثاني: خطورة العين وآثارها على الأفراد والبيوت

بيّن الشيخ أن العين أخطر مما يتصوره كثير من الناس. فهي ليست أمرًا هيّنًا، بل قد تُهلك النفس وتُتلف المال. ولهذا كانت من أكثر أسباب الموت في هذه الأمة بعد قضاء الله وقدره.

وذكر الشيخ صورًا واقعية من آثارها: طالب متفوق يتعثر فجأة ولا يفهم شيئًا قبيل الامتحان، وإنسان يصيبه مرض يحار فيه الأطباء ولا يجدون له سببًا ظاهرًا، وبيوت قامت على الطاعة والمودة ثم دبّ فيها الشقاق حتى انتهت إلى الطلاق. ونبّه إلى أن الشيطان يفرح بهذا التفريق بين الزوجين ويُدني من يفعله منه.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ» (رواه أبو نعيم في الحلية، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع)

وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ» يَعْنِي: بِالْعَيْنِ. (رواه البزار والطيالسي، وحسّنه الألباني)

المحور الثالث: العين قد تصيب الصالحين، والقرآن شفاء لمن صدق

أجاب الشيخ عن سؤال يتردد على ألسنة الناس: كيف تصيبنا العين ونحن نصلي ونصوم ونذكر الله؟ وبيّن أن العين أصابت بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وهم خير من جاء بعد الأنبياء. فالإصابة بها لا تدل على نقص في الدين، وإنما هي سبب من الأسباب الكونية التي يجريها الله بقدره.

وأوضح أن القرآن شفاء حقيقي، لكن الانتفاع به يحتاج إلى يقين وصدق وتكرار وعدم استعجال. فالمريض الذي يتناول الدواء دون أن يقرّ بمرضه لا ينتفع به، وكذلك من يتداوى بالقرآن ينبغي أن يقبل عليه موقنًا بحاجته إليه. ومع ذلك يكثر من الدعاء والاستغفار، ويعلم أن الشفاء بيد الله وحده. واستشهد الشيخ بقصة الرجل الذي اشتكى أخوه بطنه، فأمره النبي ﷺ أن يسقيه عسلًا مرة بعد مرة حتى برئ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62]

وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ: «اسْقِهِ عَسَلًا»، فَسَقَاهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، حَتَّى قَالَ ﷺ: «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» (متفق عليه)

المحور الرابع: علاج العين بالرقية الشرعية من الهدي النبوي

بيّن الشيخ أن النبي ﷺ أمر بالاسترقاء من العين ورخّص فيه. فإذا كان الإنسان لا يحسن الرقية فليطلب من يرقيه من أهل الصلاح والسنة، كما أمر النبي ﷺ أم المؤمنين عائشة وأم سلمة وأسماء بنت عميس رضي الله عنهن.

وذكر قصة الجارية التي رأى النبي ﷺ في وجهها سفعة، أي تغيّرًا في اللون، في بيت أم سلمة، فعرف أن بها نظرة وأمر برقيتها. وذكر كذلك قصة أبناء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكانوا ذوي جمال، فرأى النبي ﷺ أجسامهم ضعيفة نحيلة، فلما أخبرته أمهم أسماء أن العين تسرع إليهم أمرها برقيتهم.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -أَوْ أَمَرَ- أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ» (متفق عليه)

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (متفق عليه)

وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ؟» قَالَتْ: لَا، وَلَكِنَّ الْعَيْنَ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، قَالَ: «ارْقِيهِمْ» (رواه مسلم)

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ» (رواه مسلم)

المحور الخامس: الوقاية بالتبريك، والعلاج بالاغتسال (قصة سهل بن حنيف)

ختم الشيخ الخطبة بقصة الصحابي الجليل عامر بن ربيعة رضي الله عنه، وهو من السابقين الأولين، مع سهل بن حنيف رضي الله عنه. فقد كان سهل أبيض حسن الجسم، فاغتسل يومًا عند غدير ماء، فنظر إليه عامر فأعجبه وقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبّأة. فسقط سهل من ساعته. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ غضب على عامر، وعلّمه كيف يتّقي العين بالتبريك، وأمره أن يغتسل لأخيه.

وشرح الشيخ صفة الاغتسال كما وردت: يغسل العائن وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في إناء، ثم يُصبّ ذلك الماء على المعين من خلفه. ونبّه إلى أن الإنسان قد يصيب نفسه وماله وأهله بالعين إذا أعجبه ما عنده ولم يُبرّك.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ» ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ لَهُ. (رواه أحمد وابن ماجه ومالك، وصححه الألباني)

وَقَالَ ﷺ: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني)

النقاط الرئيسية

  • العين حق ثابت بالسنة الصحيحة، وقد أمر النبي ﷺ بالاستعاذة بالله منها.
  • العين لا تخرج عن قدر الله، لكنها من أسرع الأسباب أثرًا، حتى لو سبق شيء القدر لسبقته.
  • العين تُدخل الرجل القبر والجمل القدر، وهي من أكثر أسباب الموت في الأمة بعد قضاء الله وقدره.
  • إصابة الصالحين بالعين لا تعني نقصًا في دينهم، فقد أصابت خيار الصحابة رضي الله عنهم.
  • القرآن شفاء، وأثره مرهون بيقين المتداوي وصبره وتكراره وتوكّله على الله.
  • الرقية الشرعية من العين مشروعة، وقد أمر بها النبي ﷺ ورخّص فيها.
  • التبريك عند الإعجاب وقاية من العين، والاغتسال على الهدي النبوي علاج لها.

الفوائد والعبر

  • التبريك: إذا رأيت ما يعجبك في نفسك أو أهلك أو مالك أو في غيرك، فقل: "بارك الله فيه" أو "اللهم بارك"، ولا تُطلق لسانك بالإعجاب المجرد.
  • التحصين الدائم: حافظ على أذكار الصباح والمساء وقراءة القرآن، وحصّن أولادك وبيتك، فالوقاية أولى من العلاج.
  • كتمان النعم: لا تُكثر من التحدث بنعمك ونجاحات أبنائك في المجالس، وكن حكيمًا في إظهارها أمام الناس.
  • العلاج بيقين وصبر: إذا أصابك البلاء فاسترقِ بالرقية الشرعية، وداوم عليها وأنت موقن بالشفاء، وأكثر من الدعاء والاستغفار، ولا تيأس.
  • سلامة الصدر: طهّر قلبك من الحسد، وإذا طُلب منك الاغتسال لأخيك فلا تأنف ولا تتكبّر، بل بادر إليه امتثالًا لأمر النبي ﷺ: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا».
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات