خطبة جمعة بعنوان :【 التحذير من الكذب】لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 116 مشاهدة 1 تحميل 0 مشاركة 00:35:51
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب
```html

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة يحذّر فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري -حفظه الله- من آفة الكذب. فهو من أخطر أمراض اللسان، وأشدها فتكًا بدين المرء وأخلاقه، وأعظمها إفسادًا لروابط المجتمع. والكذب ليس زلةً عابرة كما يظنه كثير من الناس، بل هو خصلة من خصال النفاق، وطريق يهدي إلى الفجور ثم إلى النار. وقد صحّت في التحذير منه نصوص الكتاب والسنة، ورُتّب عليه عذاب شديد في القبر ويوم القيامة.

وتأتي أهمية هذا الموضوع من انتشار الكذب في زماننا بصور كثيرة. فمنه الكذب في الحديث والمعاملات، ومنه إخلاف الوعود، ومنه نقل الأخبار دون تثبّت. وقد زادت وسائل التواصل الحديثة من خطره، حتى صارت الكذبة الواحدة تبلغ الآفاق في لحظات، كما وصف النبي ﷺ حال الكذاب الذي يُعذَّب في قبره.

وتهدف هذه الخطبة إلى تعريف المستمع بحقيقة الكذب وحكمه، وبيان صلته بالنفاق، وعرض صور من عقوبته في البرزخ. كما تحث على التثبت في نقل الأخبار، وترغّب في الصدق الذي يهدي إلى البر والجنة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الصدق طريق البر، والكذب طريق الفجور

يبيّن الشيخ أن الصدق والكذب ليسا مجرد أقوال، بل هما طريقان يسلكهما العبد فيوصلانه إلى منتهاهما. فالصادق يتحرى الصدق حتى يصير سجيةً له، فيُكتب عند الله صدّيقًا. والكاذب يتساهل في الكذبة الأولى ثم يعتادها حتى يُكتب عند الله كذابًا.

وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالتقوى ولزوم الصادقين، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. وجعل افتراء الكذب من صفات من لا يؤمن بآياته، فقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [متفق عليه].

المحور الثاني: الكذب وإخلاف الوعد من علامات النفاق

يوضّح الشيخ أن النبي ﷺ جعل الكذب في الحديث وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة علاماتٍ للمنافق. وهذه الخصال من النفاق العملي الذي يُخشى على صاحبه أن يجرّه إلى ما هو أعظم منه. ومن هنا يتبين خطر التهاون بها في الحياة اليومية.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه]. وفي رواية لمسلم زيادة: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».

ويستفاد من هذه الزيادة أن الصلاة والصيام لا تشفعان لصاحب هذه الخصال ما دام مصرًّا عليها. فالعبادة الصحيحة تثمر خُلقًا مستقيمًا، وصدقًا في القول، ووفاءً بالعهد، وأداءً للأمانة.

المحور الثالث: عقوبة الكذاب في البرزخ (حديث الرؤيا)

يعرض الشيخ حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه في رؤيا النبي ﷺ الطويلة، ورؤيا الأنبياء حق. وفيه أن النبي ﷺ رأى ألوانًا من الأهوال والعذاب لأصناف من العصاة، ومنها مشهد الرجال والنساء العراة في مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع. ومن أشد تلك المشاهد عذاب الكذاب الذي تبلغ كذبته الآفاق.

قال ﷺ: «فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ». ثم بيّن له الملكان حاله فقالا: «فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ» [رواه البخاري].

وينبّه الشيخ إلى أن هذا الوصف ينطبق في زماننا انطباقًا واضحًا على من ينشر الأكاذيب والشائعات عبر وسائل الإعلام والتواصل. فالكلمة الكاذبة تسري في العالم كله في ساعات، فيعظم إثمها بقدر انتشارها وأثرها.

المحور الرابع: التثبت في نقل الأخبار وصور من الكذب المتساهَل فيه

يحذّر الشيخ من أن ينقل المرء كل ما يسمع دون تمحيص، فيقع في الكذب وهو لا يشعر. وقد قال النبي ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رواه مسلم في مقدمة صحيحه].

ومن صور الكذب التي يتساهل فيها الناس الكذب لإضحاك الآخرين، وقد قال ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه].

وأعظم الكذب وأشنعه الكذب على الله ورسوله ﷺ، قال ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه]. فيجب على المسلم أن يتحرى صحة ما ينسبه إلى الدين، وألا ينشر الأحاديث المكذوبة والقصص الموضوعة.

النقاط الرئيسية

  • الكذب من كبائر الذنوب، وهو طريق يهدي إلى الفجور ثم إلى النار.
  • الصدق يهدي إلى البر والجنة، ومن تحرّاه كُتب عند الله صدّيقًا.
  • الكذب في الحديث وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة من علامات النفاق، ولو صام صاحبها وصلى.
  • الكذاب الذي تبلغ كذبته الآفاق يُعذَّب في البرزخ بتشريح شدقه ومنخره وعينه إلى قفاه.
  • من حدّث بكل ما سمع فقد وقع في الكذب، فالتثبت في نقل الأخبار واجب.
  • الكذب لإضحاك الناس ليس رخصة، بل توعّد النبي ﷺ صاحبه بالويل.
  • أشد الكذب وأخطره الكذب على الله ورسوله ﷺ.

الفوائد والعبر

  • أن يجاهد المسلم نفسه على تحري الصدق في كل أقواله، في الجد والمزاح، حتى يصير الصدق خُلقًا ثابتًا له.
  • أن يتوقف قبل نشر أي خبر أو مقطع أو منشور حتى يتثبت من صحته، خشية أن يكون ممن تبلغ كذبته الآفاق.
  • أن يفي بوعوده ويحفظ أماناته، فلا يعد إلا بما يقدر عليه، تبرؤًا من خصال النفاق.
  • أن يجعل عبادته من صلاة وصيام ثمرةً لحسن الخلق وصدق المعاملة، لا مجرد مظهر خارجي.
  • أن يستحضر أهوال البرزخ وعذاب الكذابين كلما دعته نفسه إلى كذبة صغيرة يظنها هيّنة وهي عند الله عظيمة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات