خطبة جمعة بعنوان --- : " الرحمة " لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذه خطبة جمعة بعنوان «الرحمة» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري، وهي من «سلسلة خطب الجمعة 2». تتناول الخطبة خُلُقًا عظيمًا تقوم عليه حياة الناس، وهو الرحمة. والرحمة صفة من صفات الله جل وعلا، وقد اشتقّ منها اسمين من أسمائه الحسنى هما «الرحمن» و«الرحيم». وبها أرسل نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وبها يتراحم الخلق في الأرض. ولذلك يحتاج المسلم إلى أن يفهم معناها، وأن يجعلها ظاهرة في تعامله مع الناس ومع سائر المخلوقات.
بدأ الشيخ خطبته بخطبة الحاجة، ثم وعظ الحاضرين بتقوى الله والاستعداد للآخرة، وذكّرهم بأن الدنيا دار فناء. وانتقل بعد ذلك إلى الموضوع، فشرح حديث «الراحمين» المعروف عند أهل الحديث بالحديث المسلسل بالأولية. ثم تحدث عن سعة رحمة الله تعالى، وعن الجزء الواحد من الرحمة الذي أنزله الله إلى الأرض، وعن أثر الرحمة في معاملة الأهل والأولاد والضعفاء، بل والحيوان أيضًا.
ومن أهداف هذه الخطبة: أن يعرف المستمع منزلة صفة الرحمة في أسماء الله وصفاته، وأن يدرك أن رحمة الخلق سبب لنيل رحمة الخالق، وأن قسوة القلب ونزع الرحمة منه علامة على الشقاء، وأن يحمل هذا الخُلُق معه في بيته ومجتمعه.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الوصية بالتقوى والتذكير بالدار الآخرة
افتتح الشيخ خطبته بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح بها خطبه. وفيها الأمر بتقوى الله والقول السديد، والتذكير بأن أصدق الحديث كتاب الله، وأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كل محدثة بدعة.
ثم ذكّر الحاضرين بأن الدنيا دار فناء وأن الآخرة هي دار البقاء، وحثّهم على أن ينظر كل واحد منهم فيما قدّم لغده. وبيّن أن أهل الجنة وأهل النار لا يستوون، وأن هذا القرآن العظيم لو أُنزل على جبل لخشع وتصدّع من خشية الله، فقلب المؤمن أحقّ بالخشوع منه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
وقال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 20-21].
المحور الثاني: حديث «الراحمون يرحمهم الرحمن» والحديث المسلسل بالأولية
جعل الشيخ هذا الحديث أصل الخطبة، وهو حديث عظيم يجمع معنى الرحمة كله: من رحم الخلق رحمه الخالق، والجزاء من جنس العمل.
ونبّه الشيخ على أن هذا الحديث يُعرف عند المحدّثين بـ«الحديث المسلسل بالأولية». ومعنى ذلك أن كل راوٍ من رواته يقول: «حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه». وقد حافظ أهل الحديث على هذه العادة إلى يومنا هذا، فيبدؤون به تعليم طلابهم، تنبيهًا على أن الرحمة أول ما ينبغي أن يتعلمه طالب العلم ويتخلّق به.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رواه أبو داود والترمذي].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» [رواه أبو داود والترمذي].
المحور الثالث: الرحمة من أسماء الله وصفاته
بيّن الشيخ أن «الرحمن» و«الرحيم» اسمان من أسماء الله الحسنى، وأن الرحمة صفة من صفاته جل وعلا. ويتكرر هذان الاسمان على لسان المسلم في كل يوم، فهو يبدأ أعماله بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، ويقرأ في كل ركعة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
وذكر أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن الله كتب ذلك في كتاب عنده فوق العرش. وذكر أيضًا أن رحمة الله تأتي في القرآن مقرونة بالتحذير من عذابه، حتى يعيش المؤمن بين الرجاء والخوف.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» [متفق عليه].
قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]. وقال سبحانه في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159].
المحور الرابع: الرحمة مائة جزء وسعة رحمة الله يوم القيامة
شرح الشيخ أن الله جعل الرحمة مائة جزء، وأنزل منها جزءًا واحدًا إلى الأرض، وأبقى عنده تسعة وتسعين جزءًا. وبهذا الجزء الواحد يتراحم الخلق كلهم: تعطف الأم على ولدها، ويعطف الوحش والطير بعضها على بعض، حتى إن الفرس ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.
فإذا كان يوم القيامة أكمل الله هذا الجزء بالتسعة والتسعين، فرحم بها عباده الموحّدين. وفي هذا بشارة عظيمة لأهل التوحيد، وتنبيه لهم إلى سعة رحمة الله التي لا يحيط بها عقل.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» [رواه البخاري].
وفي صحيح مسلم: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ».
المحور الخامس: صور الرحمة في واقع المسلم
ضرب الشيخ أمثلة من الواقع على هذه الرحمة، ومنها رحمة الأم بأولادها، فهي تحنو عليهم وترعى صغارهم. وحثّ على رحمة الأبناء ومحبتهم والعطف عليهم، فهم مستقبل الأمة.
وذكر أن الرحمة تشمل الحيوانات والمخلوقات الضعيفة أيضًا، وأن الإساءة إليها وتعذيبها من قسوة القلب التي يُخشى على صاحبها. وبيّن أن الرحمة في الإسلام عامة وشاملة، وأنها لا تعني التهاون في دين الله ولا ترك حدوده. فهي رحمة منضبطة بالشرع، تقوم على الإحسان إلى الخلق ودعوتهم إلى الخير.
النقاط الرئيسية
- تقوى الله والاستعداد للآخرة أساس صلاح الأعمال، والدنيا دار فناء.
- الرحمن والرحيم من أسماء الله الحسنى، والرحمة صفة ثابتة له سبحانه على ما يليق بجلاله.
- حديث «الراحمون يرحمهم الرحمن» هو الحديث المسلسل بالأولية، وقد اعتنى به المحدّثون وبدؤوا به تعليم طلابهم.
- رحمة الله سبقت غضبه، وقد كتب ذلك في كتاب عنده فوق العرش.
- جعل الله الرحمة مائة جزء، أنزل منها جزءًا واحدًا إلى الأرض، وادّخر تسعة وتسعين لعباده يوم القيامة.
- نزع الرحمة من القلب علامة على الشقاء، ومن رحم الخلق رحمه الله.
- الرحمة تشمل الأهل والأولاد والضعفاء والحيوان، وهي منضبطة بأحكام الشرع.
الفوائد والعبر
- أن يجعل المسلم الرحمة خُلُقًا ظاهرًا في تعامله مع والديه وزوجه وأولاده، طمعًا في رحمة الله.
- أن يعيش المؤمن بين الخوف والرجاء، فلا ييأس من رحمة الله الواسعة، ولا يأمن عذابه.
- أن يتفقّد قلبه ويحذر من قسوته، فقسوة القلب ونزع الرحمة منه علامة على الشقاء.
- أن يرفق بالحيوان والمخلوقات الضعيفة، ويبتعد عن إيذائها، فذلك من شُعَب الرحمة التي يحبها الله.
- أن يتأمّل معاني أسماء الله «الرحمن الرحيم» كلما قرأها في البسملة والفاتحة، فيزيد ذلك إيمانه ومحبته لربه.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات