خطبة جمعة بعنوان --- : " الراحمون يرحمهم الرحمن " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

سلسلة خطب الجمعة 2 139 مشاهدة 0 تحميل 0 مشاركة 00:45:33
يتم التشغيل من يوتيوب
فتح في يوتيوب

المقدمة

في هذه الخطبة المباركة بعنوان «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري خُلُق الرحمة. وهو من أعظم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، ومن أجلّ صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه في كتابه. ويستفتح الشيخ خطبته بالحديث المعروف عند أهل العلم بـ«الحديث المسلسل بالأوّليّة»، وهو أول حديث يسمعه طالب الحديث من شيخه، ويتسلسل كذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك تنبيه على منزلة الرحمة وأنها أساس العلم والتعامل.

تبيّن الخطبة أن الرحمة صفة من صفات رب العالمين، وصفة من صفات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وصفة من صفات المؤمنين المهتدين. وتبيّن كذلك أنها لا تُنزع إلا من قلب شقي. ثم تنتقل إلى ميادين الرحمة العملية: الرحمة بالمسلمين كافة، والرحمة بالخلق بدعوتهم إلى الهداية، والرحمة بالأبناء والصغار تربيةً وحنانًا وتوجيهًا إلى الصلاة والطاعة.

والهدف من هذا الدرس أن يعرف المستمع سعة رحمة الله تعالى، وأن يتخلّق بالرحمة في تعامله مع الناس، وأن يدرك مسؤوليته عن رعيته وأهله. ويتعلّم كذلك أن من أعظم الرحمة بالأبناء الأخذَ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الرحمة صفة من صفات الله تعالى وسعة رحمته

يبيّن الشيخ أن الرحمة من صفات الله جل وعلا، ومن أسمائه الحسنى «الرحمن» و«الرحيم». وهذان الاسمان أول ما يتعلّمه الأطفال في البسملة وفي سورة الفاتحة. وقد اقترن اسمه الرحيم بأسماء كثيرة في كتابه، فهو الغفور الرحيم، والتواب الرحيم، والعزيز الرحيم، وهو أرحم الراحمين سبحانه.

ومن الحديث الذي افتتح به الشيخ الخطبة ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه أبو داود والترمذي).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»، وفي رواية: «غَلَبَتْ غَضَبِي».

ومن عجائب رحمته تعالى أنه جعل الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا. ومن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، وحتى إن السباع المفترسة ترحم صغارها. وفي صحيح مسلم من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ... فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الْأَرْضِ رَحْمَةً، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ». وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156].

المحور الثاني: الرحمة صفة النبي ﷺ والمؤمنين، ولا تُنزع إلا من شقي

وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة واللين فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. والرحمة كذلك صفة المؤمنين فيما بينهم، يرحم بعضهم بعضًا ويتقي الله بعضهم في بعض. قال صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (متفق عليه).

ويحذّر الشيخ من قسوة القلب، فالرحمة لا تُنزع إلا من قلب شقي، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» (رواه أبو داود والترمذي). وفي حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ» (متفق عليه).

ومن أهل الجنة الرجل الرحيم، كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: «وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ».

ومن الرحمة بين المسلمين صلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، وكفّ الأذى، قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22].

المحور الثالث: الرحمة بالخلق كافة والتذكير بالمصير إلى الله

يبيّن الشيخ أن من أعظم رحمة الله بالخلق، مسلمهم وكافرهم، أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب. وأهل السنة أرحم الناس بالخلق، لأنهم يريدون لهم الهداية ويدعونهم إلى أن يُسلموا وجوههم لله. فمن مات على غير الإسلام بعد أن بلغته الرسالة فهو من أهل النار، كما في صحيح مسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».

ويذكّر الشيخ بقِصَر الحياة وحتمية الوقوف بين يدي الله. ويستشهد بقصة موسى عليه السلام مع ملك الموت الثابتة في الصحيح، وفيها أنه خُيّر أن يضع يده على متن ثور فله بكل شعرة سنة، فقال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34].

ودخول الجنة إنما يكون برحمة الله، ثم تتفاضل الدرجات بحسب الأعمال. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ». لكن هذا لا يعني ترك العمل والاتكال على الرحمة، فرحمة الله قريب من المحسنين الذين يتقون ويؤتون الزكاة.

المحور الرابع: الرحمة بالأبناء في التربية والأمر بالصلاة

يؤكد الشيخ أن الرحمة بالأبناء لا تقتصر على توفير المأكل والمشرب والملبس والمسكن، فهذا جزء من التربية. والأعظم منه أن نأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: 6]. وقال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [طه: 132].

وكل إنسان مسؤول عن رعيته، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». ومن الرحمة الحقيقية أمر الأبناء بالصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ».

وينتقد الشيخ بعض الأمهات اللواتي يمنعن إيقاظ أبنائهن لصلاة الفجر بدعوى الشفقة عليهم. ويبيّن أن هذه ليست رحمة، فالرحمة الحقيقية حملهم على طاعة الله.

ويستشهد بحديث عمر رضي الله عنه في المرأة من السبي التي وجدت صبيًّا فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قالوا: لا وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» (متفق عليه).

المحور الخامس: رحمة النبي ﷺ بالصغار

من الرحمة تقبيل الصغار والحنوّ عليهم. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقبّلون الصبيان؟ فما نقبّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ».

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما، وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».

ويفرّق الشيخ بين التقبيل للاحترام، والتقبيل للرحمة كتقبيل المحارم والأطفال، والتقبيل للشهوة الذي يكون بين الزوجين. وتقبيل أطفال المسلمين عامة من الرحمة.

وفي الخطبة الثانية يذكر الشيخ حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» (رواه البخاري).

ويستفيد الشيخ من هذا الحديث أمرين. الأول أن من حكمة الإمام التخفيف مراعاةً لأحوال الناس. والثاني أن على الآباء والأمهات تأديب أبنائهم على احترام بيوت الله، وأن يكون المسلم خفيف الروح لا يضيق بالأطفال في المساجد.

النقاط الرئيسية

  • حديث «الراحمون يرحمهم الرحمن» هو الحديث المسلسل بالأوّليّة، وهو أول ما يسمعه طالب الحديث من شيخه.
  • الرحمة صفة من صفات الله تعالى، ورحمته سبقت غضبه ووسعت كل شيء.
  • جعل الله الرحمة مائة جزء، أنزل منها جزءًا واحدًا تتراحم به الخلائق، وادّخر تسعة وتسعين ليوم القيامة.
  • الرحمة صفة النبي صلى الله عليه وسلم وصفة المؤمنين، والمؤمنون في تراحمهم كالجسد الواحد.
  • لا تُنزع الرحمة إلا من شقي، ومن لا يَرحم لا يُرحم.
  • دخول الجنة برحمة الله، وتفاضل الدرجات فيها بالأعمال.
  • الرحمة بالأبناء تكون بتربيتهم على طاعة الله وأمرهم بالصلاة، لا بمجرد توفير حاجاتهم المادية.

الفوائد والعبر

  • أن يجتهد المسلم في التخلّق بالرحمة مع الناس جميعًا رجاء أن يرحمه الله، فالجزاء من جنس العمل.
  • أن يكفّ المسلم أذاه عن إخوانه بلسانه ويده، وأن يصل رحمه، ويحسن إلى جاره، ويرقّ قلبه لكل ذي قربى ومسلم.
  • أن يأمر الوالدان أبناءهما بالصلاة من الصغر ويوقظاهم لصلاة الفجر، فذلك من أعظم الرحمة بهم.
  • أن يُظهر الآباء الحنان لأطفالهم بالتقبيل والاحتضان، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
  • أن يجمع المسلم بين رجاء رحمة الله والعمل الصالح، وأن يتذكّر قِصَر الدنيا والوقوف بين يدي الله فيستعد للقائه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات