خطبة جمعة بعنوان :【الحكمة من العبادة】 لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
في هذه الخطبة المباركة من سلسلة خطب الجمعة، يتناول فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري سؤالًا يحتاجه كل مسلم: لماذا خلقنا الله تعالى؟ وما الحكمة من العبادة التي أمرنا بها؟ ينطلق الشيخ من اسم الله «الحكيم»، فيبيّن أن الله لم يخلق شيئًا في هذا الكون عبثًا. ثم يقرر أن الله غنيٌّ عن عباده، لا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم، وأن الغاية من خلق الثقلين هي إفراده سبحانه بالعبادة.
ويصحّح الشيخ مفهومًا شائعًا عند كثير من الناس، وهو قصر العبادة على الصلاة والشعائر الظاهرة. فيبيّن أن العبودية تشمل حياة المسلم كلها في السراء والضراء، وأن حقيقتها كمال الحب لله مع كمال الذل والخضوع له. ويستشهد على ذلك بسير الأنبياء والصحابة، وبقصة الخليل إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.
أهداف التعلم: أن يفهم المستمع حكمة الله في خلقه وأمره، وأن يدرك غنى الله المطلق وفقر العباد إليه، وأن يعرف المعنى الشامل للعبادة وحقيقتها القلبية، وأن يحرص على الخشوع والإخلاص، وأن يثبت على العبودية في جميع أحواله.
المحور الأول: الله هو الحكيم، ولا شيء في خلقه عبث
يبدأ الشيخ بتقرير أن الله تعالى وصف نفسه بالحكمة، وأن اسمه «الحكيم» ورد في كتابه في مواضع كثيرة، مقرونًا بأسماء أخرى كالعزيز والعليم والواسع والتوّاب. والحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها، فلا يخلق ولا يشرع إلا لحكمة بالغة.
ويؤكد الشيخ أن الخليقة كلها خُلقت لحكمة، حتى ما يراه الناس شرًّا محضًا كإبليس والحشرات المؤذية. فلكل مخلوق وظيفة في نظام هذا الكون الذي أحكمه رب العالمين، وإن خفيت على العباد بعض جوانب هذه الحكمة.
ويرى الشيخ أن فهم هذه الحكمة من الفقه في الدين الذي يوفّق الله إليه من أراد به خيرًا، ثم ينتقل إلى أعظم هذه الحِكَم: الحكمة من خلق الإنسان نفسه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]
وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]
وقال النبي ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [متفق عليه]
المحور الثاني: غنى الله عن عباده وعزته المطلقة
يبيّن الشيخ أن الله لم يخلق الخلق ليتعزّز بهم من ذلة، ولا ليتقوّى بهم من ضعف، ولا ليستكثر بهم من قلة. فهو العزيز الذي لا يعجزه شيء، والغني الذي أنفق على خلقه منذ خلقهم، وما نقص ذلك من ملكه شيئًا.
ويضرب الشيخ مثلًا بالأمم الطاغية كعاد وثمود وفرعون، وكيف أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. ففرعون الذي قال: «أنا ربكم الأعلى» أغرقه الله وجعله عبرة لمن بعده. فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لا لمن طغى وتجبّر.
ويستخلص الشيخ من ذلك أن كل ما يفعله العبد من خير إنما يعود نفعه عليه. فمن يتصدق أو يطيع لا يتفضّل على ربه، بل يُحسن إلى نفسه، ومن أساء فعلى نفسه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]
وقال سبحانه: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6]
وقال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]
وقال سبحانه: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 13-14]
المحور الثالث: الغاية من الخلق عبادة الله وحده، والعبادة شاملة للحياة كلها
إذا كان الله غنيًّا عن عباده، فما الحكمة من خلقهم؟ يجيب الشيخ بأن الله بيّن ذلك في كتابه: خلق الجن والإنس ليعبدوه وحده لا شريك له. وهذا هو حق الله على العباد كما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وعمارة الأرض داخلة في هذه العبودية، فالدنيا دار ممر، والآخرة خير للذين يتقون.
وينبّه الشيخ إلى خطأ كثير من الناس الذين يظنون أن العبادة هي الصلاة وحدها. فالمسلم الذي يصلي ثم يأكل الربا أو يعصي الله في معاملاته لم يحقق العبودية كما أرادها الله. العبادة تشمل البيع والشراء والعمل والمعاملة والفرح والحزن، فيقف العبد في كل شأن عند أمر ربه ونهيه.
ويحذّر الشيخ من صنف من الناس يجعلون العبادة موسمية، يقبلون على الطاعة في رمضان ويهجرونها بعده. ويذكّر بأن الله خفف الصلاة من خمسين إلى خمس رحمة بعباده، ومع ذلك يفرّط فيها كثير من الناس.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]
وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]
وقال النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه]
وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32]
المحور الرابع: حقيقة العبادة كمال الحب مع كمال الذل، والخشوع روحها
يعرّف الشيخ العبادة بأنها غاية الحب مع غاية الذل لله تعالى. ويبيّن أن المحب مطيع لمن يحب، يتلذّذ بذكره ويتعلق به ويلجأ إليه وحده. فإذا صار المال أو الجاه أو المنصب أحب إلى الإنسان من ربه، فقد صار عبدًا لما أحب. ومحبة الله الصادقة علامتها اتباع رسوله ﷺ.
ويوازن الشيخ بين حالنا وحال الصحابة رضي الله عنهم، ويرى أن الفرق في كمال الحب وكمال الذل لله. فعمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغ من قوة إيمانه أن الشيطان كان يفرّ من طريقه، وقد عاش الصحابة سعداء في الدنيا ولهم السعادة في الآخرة بتحقيقهم العبودية.
ويؤكد الشيخ أن العبرة في الصلاة ليست بكثرة الركعات، بل بحضور القلب والخشوع فيها. ويسأل المستمع: هل بكيت من خشية الله ولو مرة وأنت خالٍ في بيتك؟ ويحذّر من قسوة القلوب التي أصابت من قبلنا لما طال عليهم الأمد.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60-61]
وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]
وقال النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» [متفق عليه]
المحور الخامس: العبودية في السراء والضراء، وقصة الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل
يقرر الشيخ أن العبودية الحقة تظهر في السراء والضراء معًا. ويضرب لذلك أعظم مثل: خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام. رُزق بإسماعيل على كِبَر، وهو ولد يتعلق به قلب الأب أشد التعلق، فلما بلغ معه السعي أُمر بذبحه.
ويقف الشيخ عند جواب إسماعيل عليه السلام الذي فقه عن ربه حقيقة العبودية، فقال: «يا أبت افعل ما تؤمر». ويبيّن أن الابتلاء امتحان لتمحيص المحبة، حتى لا يكون في القلب شريك لمحبة الله، ولو كان الولد الحبيب.
ويختم الشيخ بالتحذير من بيع الدين بعرض من الدنيا، ومن التساهل في المحرمات طلبًا للمال والمظاهر. ويذكّر بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. ثم ينبّه إلى أن أعداء الله ينفقون أموالهم للصدّ عن سبيله، فأولى بالمسلم أن يبذل لربه ما يُرضيه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]
وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36]
النقاط الرئيسية
- الله تعالى هو الحكيم، ولم يخلق شيئًا في الكون عبثًا، حتى ما يبدو شرًّا في ظاهره.
- الله غنيٌّ عن خلقه، لا يتقوّى بهم ولا يتعزّز، والعباد هم الفقراء إليه.
- كل طاعة يعمل بها العبد يعود نفعها على نفسه، وكل معصية يعود ضررها عليه.
- الحكمة من خلق الجن والإنس عبادة الله وحده، وهي حق الله على العباد.
- العبادة شاملة لكل شؤون الحياة، وليست مقصورة على الصلاة أو على مواسم كرمضان.
- حقيقة العبادة كمال الحب لله مع كمال الذل له، وعلامة صدق المحبة اتباع النبي ﷺ.
- العبودية الصادقة تثبت في السراء والضراء، كما ظهر في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
الفوائد والعبر
- استحضار الغاية: أن يجعل المسلم عبادة الله غاية حياته، فيزن أعماله اليومية بميزان رضا الله، في عمله وبيعه وشرائه ومعاملته.
- الثبات على الطاعة: أن يداوم على العبادة طوال العام ولا يجعلها موسمية، وأن يحافظ على الصلوات الخمس التي خففها الله رحمة بعباده.
- العناية بالخشوع: أن يحرص على حضور القلب في الصلاة، وأن يخلو بربه في بيته ذاكرًا باكيًا من خشيته، فالعبرة بالخشوع لا بكثرة الركعات.
- تقديم محبة الله: ألا يقدّم على محبة الله مالًا ولا جاهًا ولا منصبًا ولا ولدًا، وألا يبيع دينه بعرض قليل من الدنيا.
- الصبر عند البلاء: أن يستقبل المصائب بالرضا والاسترجاع، مقتديًا بالخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وموقنًا أن وراء كل ابتلاء حكمة.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات