سلسلة بعنوان " أسباب انشراح الصدور " (3) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,355 مشاهدة
378 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث من سلسلة «أسباب انشراح الصدور» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يواصل فيه الشيخ ما نقله الإمام ابن القيم رحمه الله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ومحور الدرس أن في الدنيا جنةً معجَّلة هي جنة الطاعة وذكر الله والأنس بقربه، وأن من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.

ويعرض الشيخ نموذجًا حيًّا من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد حوّل السجن إلى خلوة، والمحنة إلى منحة، والنقمة إلى نعمة، بقوة تعلّقه بالله سبحانه. ويبيّن الشيخ أن السجين الحقيقي هو من حُبس قلبه عن ربه وأسره هواه، لا من حُبس بدنه. ثم يذكر صفات العلماء الربانيين الذين يثبتون وقت الشدائد، فيكونون مصدر طمأنينة للناس.

ويختم الشيخ بثلاثة أحاديث صحيحة في أدعية الكرب والهمّ. وأهداف هذا الدرس:

  • أن يعرف المسلم الطريق إلى السعادة الحقيقية.
  • أن يتعلّم كيف يتعامل مع المحن بإيمان ويقين.
  • أن يحفظ أدعية الكرب النبوية ويعمل بها.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: جنة الدنيا عند شيخ الإسلام ابن تيمية

نقل ابن القيم عن شيخه قوله: «إنّ في الدنيا جنةً من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة». وفسّرها الشيخ بأنها جنة الطاعة وذكر الله، والأنس بقربه، والسعادة بتلاوة كتابه، واستشعار القرب منه جلّ وعلا.

وكان شيخ الإسلام يقول: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أنّى رحتُ فهي معي لا تفارقني. إنّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة». وكان يقول في محبسه بالقلعة: «لو بذلتُ ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة». وكان يقول: «ما جزيتُهم على ما تسبّبوا لي فيه من الخير».

وبيّن الشيخ أن الله فتح على ابن تيمية في السجن من معاني كتابه، ومن العبودية والتقرّب إليه، أضعاف ما كان له خارجه؛ لأنه تفرّغ لعبادة ربه. وله في ذلك أسوة بنبي الله يوسف عليه السلام.

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾

[يوسف: 33]

ونبّه الشيخ إلى أن المسلم لا يتمنّى البلاء، بل يسأل الله العافية. فإن ابتُلي فله أسوة في الأنبياء والصالحين والعلماء.

«لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ»

[متفق عليه]

المحور الثاني: حقيقة السجن والأسر

قال شيخ الإسلام: «المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه». وهذا خلاف المتعارف عليه بين الناس. فالعاصي هو السجين الحقيقي: سجين المعصية، وسجين البعد عن الله، وسجين الهوى الذي يصدّه عن طاعة الله والدار الآخرة.

ولما دخل ابن تيمية القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه وتلا قول الله تعالى:

﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾

[الحديد: 13]

يعني: نحن في رحمة وإن كان ظاهر الأمر عذابًا، وفي منحة وإن كان ظاهرها محنة، وفي نعمة وإن كان ظاهرها نقمة. فقد بلغ به الإيمان أن جعل المحنة منحة بطاعة الله والأنس به وكثرة ذكره.

المحور الثالث: طيب العيش ونضرة أهل العلم

قال ابن القيم: «وعلم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط». وكان ذلك مع ضيق عيشه، وخلاف الرفاهية، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق. وكان مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه.

فقد كان من أفقر الناس في الدنيا، ومع ذلك كان أطيبهم عيشًا؛ لأن قلبه لم يتعلّق إلا بالله سبحانه. وأهل العلم الصادقون يُرى في وجوههم نضرة ونور، تصديقًا لدعاء النبي ﷺ لهم. وقد روى هذا الحديث جمع من الصحابة، وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم:

«نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا»

[حديث صحيح]

وأورد الشيخ في هذا المعنى أبياتًا عن الشيخ عبد الحي الكتاني رحمه الله، يقول فيها: «أهلُ الحديثِ طويلةٌ أعمارُهم، ووجوهُهم بدعا النبيّ منضّرة».

المحور الرابع: العلماء الربانيون مصدر طمأنينة الأمة

قال ابن القيم: «وكنّا إذا اشتدّ بنا الخوف، وساءت منّا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه. فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة».

وبيّن الشيخ أن هذا حال العلماء الحقيقيين. فهم وقت الخوف كالجبال الشامخة: لا يهتزّون، ولا يلينون، ولا يداهنون في دين الله، ولا يبيعونه. ويتحمّلون أعظم المشاقّ في سبيل نصرته، فيثبّت الله بهم إخوانهم ويقوّي إيمانهم. وليس الأمر مجرد خطب رنّانة أو دروس، وإنما هي المواقف عند الشدة.

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾

[السجدة: 24]

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾

[الأحزاب: 39]

فالعالم لا يخاف إلا الله. إن قُتل فقتله شهادة، وإن سُجن فسجنه خلوة مع ربه، وإن عُذّب زاده العذاب إيمانًا. وهو يعلم يقينًا أن ما يصيبه إنما هو بأمر الله وإذنه.

﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾

[الشورى: 30]

وختم ابن القيم كلامه بقوله: «فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من رَوحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها».

وأكّد الشيخ أن جنة الأرض ليست ما يعيش فيه الملوك والزعماء من أموال وقصور. ونقل قول بعض العارفين: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف». ونقل قول آخر: «مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها». قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: «محبة الله تعالى ومعرفته وذكره».

وذكر الشيخ ما يُروى عن أحد الخلفاء الملقّب بالناصر، أنه حكم أكثر من خمسين سنة، ولم يَصفُ له منها إلا نحو ثلاثة عشر يومًا. فقارِن ذلك بابن تيمية الذي كان يخرج من سجن إلى سجن، ومع ذلك كان عيشه هنيئًا طيبًا مباركًا.

المحور الخامس: أدعية الكرب والهمّ من السنة النبوية

بيّن الشيخ أن الإسلام لم يترك المسلم حائرًا عند الشدائد. قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. ثم ذكر ثلاثة أحاديث صحيحة.

الحديث الأول: حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين، أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب:

«لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»

[متفق عليه]

الحديث الثاني: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أخرجه أحمد والنسائي في «عمل اليوم والليلة» والترمذي وأبو يعلى والحاكم، وهو صحيح:

«دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ»

[حديث صحيح]

وقد دعا بها يونس عليه السلام وهو في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل.

الحديث الثالث: حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي في «عمل اليوم والليلة» وابن ماجه، قالت: علّمني رسول الله ﷺ كلماتٍ أقولهنّ عند الكرب:

«اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»

[حديث صحيح]

ووجّه الشيخ إلى قاعدة مهمة: «لا تختبر ربك، ولكن اختبر نفسك وإيمانك». فإذا قلت هذه الأدعية بقلب حاضر فانشرح صدرك واطمأنّت نفسك، فاحمد الله على هذه النعمة. وإن لم تجد لها أثرًا في قلبك فراجع إيمانك، فإن ذلك علامة على مرض القلب.

وبيّن أن الدنيا دار بلاء واختبار، لا دار نعيم وقرار، وأن النعيم الكامل إنما هو في الآخرة.

«الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»

[رواه مسلم]

النقاط الرئيسية

  • في الدنيا جنةٌ هي جنة الطاعة والذكر والأنس بالله، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
  • المحبوس حقًّا من حُبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، لا من حُبس بدنه.
  • المؤمن المتعلّق بربه يحوّل المحنة إلى منحة والنقمة إلى نعمة، كما فعل ابن تيمية في سجنه.
  • طيب العيش لا يرتبط بالمال والرفاهية، بل بتعلّق القلب بالله وحده.
  • العلماء الربانيون يثبتون وقت الشدائد كالجبال، ولا يخشون أحدًا إلا الله، فيكونون سببًا لتثبيت الأمة.
  • أطيب ما في الدنيا: محبة الله ومعرفته وذكره، وقد حُرمها كثير من أهل الدنيا.
  • أدعية الكرب الثلاثة الصحيحة: دعاء ابن عباس، ودعوة ذي النون، ودعاء أسماء بنت عميس.

الفوائد والعبر

  • احفظ أدعية الكرب وردّدها: اجعلها وِردك عند كل همّ أو ضيق أو مصيبة، وقلها بقلب حاضر.
  • اختبر إيمانك لا ربك: راقب أثر الذكر والدعاء في قلبك، فهو مقياس صحة إيمانك.
  • انظر إلى البلاء بعين الإيمان: قد تكون المحنة بابًا من القرب من الله والتفرّغ لعبادته.
  • ابحث عن السعادة في القرب من الله: اطلبها في الطاعة والذكر وتلاوة القرآن، لا في كثرة المال والمتاع.
  • الزم العلماء الربانيين: استمع لكلامهم واقتدِ بثباتهم عند الفتن والشدائد، فهم سبب لطمأنينة القلوب.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات