سلسلة بعنوان " أسباب انشراح الصدور " (4) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,510 مشاهدة
29 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة «أسباب انشراح الصدور» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. يواصل الشيخ فيها الحديث عن أعظم أسباب طمأنينة القلب وسعة الصدر، وهو ذكر الله عز وجل. يبدأ الدرس بمراجعة أدعية الكرب الثابتة عن النبي ﷺ، ثم يشرح حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الهم والحزن، ثم ينتقل إلى فضل الإكثار من الذكر ومنزلة «المفرِّدين».

ويعرض الشيخ نماذج من أحوال السلف الصالح في ملازمة الذكر، من التابعين ومن بعدهم من الأئمة والعلماء، مرورًا بشيخ الإسلام ابن تيمية، وانتهاءً بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهم الله جميعًا. كما ينقل كلام الإمام ابن القيم في «مدارج السالكين» عن منزلة الذكر وآثاره في القلب والحياة.

ويهدف الدرس إلى أن يتعلم المشاهد أدعية الكرب والهم الصحيحة ويحفظها، وأن يدرك أن الذكر هو قوت القلب وروح الأعمال الصالحة. كما يعرّفه بعلامات قسوة القلب وكيف يتفقد حلاوة الإيمان في نفسه، ويحذّره من الذكر المبتدع ومن الأولياء المزعومين.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: أدعية الكرب والهم الثابتة عن النبي ﷺ

ذكّر الشيخ بما سبق شرحه في الحلقات الماضية من أحاديث دعاء الكرب. أولها حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».

والثاني حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عند أحمد وغيره في دعوة ذي النون: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»، وفيه أنه لم يدعُ بها مسلم في كربة إلا استجاب الله له. والثالث حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها: «اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

ثم شرح حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكرره مرارًا ليحفظه السامعون، ونبّه إلى قول النبي ﷺ: «يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا». فتعلّمه مطلوب لكل من بلغه، والحديث صحيح أخرجه الإمام أحمد وغيره:

«مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟ قَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا».

المحور الثاني: فضل الإكثار من الذكر ومنزلة المفرِّدين

استدل الشيخ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم في مدح الذاكرين، وبيّن أن «المفرِّدين» هم الذين تفرّدوا بكثرة ذكر الله جل وعلا، فسبقوا غيرهم إلى الخير:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».

وربط الشيخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ۝ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ۝ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 10-14].

وبيّن أن الذكر هو سر طمأنينة القلب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وأن الله أمر به حتى في أشد المواقف، وهو مقام القتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].

المحور الثالث: نماذج من أحوال السلف والعلماء مع الذكر

أبو مسلم الخولاني رحمه الله: ذكر الشيخ قصة إلقائه في النار، الواردة في «تاريخ دمشق» و«حلية الأولياء» و«سير أعلام النبلاء». ونبّه إلى أن في إسنادها ضعفًا، وإن تناقلها كثير من العلماء، وفضل الله لا يُمنع عن أوليائه. وكان أبو مسلم يُكثر من الذكر، فقال عنه رجل: أمجنون صاحبكم؟ فأجاب: «ليس هذا بالجنون، ولكن هذا دواء الجنون». ومن كلامه: «لو رأيت الجنة عيانًا ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عيانًا ما كان عندي مستزاد».

من التابعين وأهل الشام:

  • حسان بن عطية الدمشقي: كان إذا صلى العصر جلس يذكر الله في المسجد حتى تغيب الشمس. وقال عنه الأوزاعي: «ما أدركت أحدًا أشد اجتهادًا ولا أعمل منه».
  • خالد بن معدان الحمصي: كان يسبّح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن. وكانت مجالسه لا يجرؤ أحد فيها على ذكر الدنيا هيبةً له.
  • عمير بن هانئ العنسي: سُئل كم يسبّح، فقال: مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع.

ونبّه الشيخ إلى أن ذكرهم لم يكن كفعل الدراويش من الطرق المبتدعة بالتمايل والاهتزاز. بل كان ذكرًا لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وبما ورد في الكتاب والسنة.

عروة بن الزبير رحمه الله: ذكر الشيخ خبر قطع قدمه لما أصابها الداء، وأنه كان مستغرقًا في صلاته وذكره لربه، صابرًا محتسبًا. وقارن ذلك بحال كثير من الناس اليوم، ممن يشغلهم التفكير في الدنيا داخل الصلاة حتى لا يدري أحدهم ما قرأ الإمام في صلاة الفجر.

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟». وحكى ابن القيم أنه رآه صلى الفجر ثم جلس يذكر الله إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليه وقال: «هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ هذا الغداء سقطت قوتي».

سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: رأى منه الناس العجب في الإكثار من الذكر. فقد كان يُرى يسبّح وهو يرد على الهاتف، ويسبّح وهو في مجلسه يستمع إلى الأسئلة.

المحور الرابع: منزلة الذكر عند ابن القيم وعلامة الولاية الحقة

نقل الشيخ كلام ابن القيم في «مدارج السالكين» عن منزلة الذكر، ووصفها بأنها «منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون». والذكر منشور الولاية؛ فمن أُعطيه فقد اتصل، ومن مُنعه فقد عُزل.

ومن كلام ابن القيم في وصف الذكر أنه:

  • قوت القلوب الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا.
  • عمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا.
  • سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق.
  • دواء أسقامهم، به تُستدفع الآفات، وتُستكشف الكربات، وتهون المصيبات.
  • جلاء القلوب وصقالها.

وبيّن ابن القيم أن الذكر ليس له وقت محدد كسائر العبادات، فهو مطلوب في كل حال، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]. وكلما زاد الذاكر في ذكره استغراقًا، زاد محبةً إلى لقاء ربه واشتياقًا.

وحذّر الشيخ من الأولياء المزعومين الذين تُبنى على قبورهم القباب، ومن كتب الطرق المليئة بالخرافات، مثل «طبقات الأولياء» للشعراني. وبيّن أن الولي الحق هو من وصفه الله بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]. وأن من علامات أولياء الله كثرة ذكره، وأعظم الذكر تلاوة القرآن، وتعلّم العلم الشرعي من التوحيد والحديث والتفسير.

المحور الخامس: تفقّد حلاوة الإيمان وعلامات قسوة القلب

نقل الشيخ قول الحسن البصري رحمه الله: «تفقّدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وفي قراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق». ووجه ذلك أن الصلاة أعظم عبادة عملية، وهي صلة بين العبد وربه. والقرآن كلام الحي القيوم الذي لا يموت. فمن لم يجد حلاوة في هذه الثلاثة فليتّهم نفسه.

ومن علامات قسوة القلب أن يذكر الإنسان الله قليلًا ويذكر غيره كثيرًا، وأن يفرح بذكر غير الله. وهذا من صفات المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142].

وختم الشيخ ببيان أن العبد بالذكر يصرع الشيطان كما يصرع الشيطانُ أهلَ الغفلة والمعاصي. فالذكر روح الأعمال الصالحة، والعمل إذا خلا من الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه.

النقاط الرئيسية

  • أدعية الكرب الثابتة عن النبي ﷺ من أعظم أسباب تفريج الهموم، ومنها دعوة ذي النون: «لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ».
  • حديث ابن مسعود في دعاء الهم والحزن ينبغي لكل من سمعه أن يتعلمه، كما أرشد النبي ﷺ.
  • المفرِّدون هم الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، وهم السابقون إلى الخيرات.
  • كان السلف يملؤون أوقاتهم بالذكر، وكانت مجالسهم مجالس علم وذكر، لا غيبة فيها ولا نميمة ولا حديث دنيا.
  • الذكر المشروع يكون بما ورد في الكتاب والسنة، لا بالتمايل والاهتزاز وبدع الطرق الصوفية.
  • الذكر للقلب كالماء للسمك، وهو قوت القلوب وروح الأعمال، وعلامة الولاية الحقة.
  • فقدان الحلاوة في الصلاة والذكر وقراءة القرآن علامة على أن باب القلب مغلق، والإقلال من ذكر الله من علامات القسوة والنفاق.

الفوائد والعبر

  • احفظ أدعية الكرب والهم: احفظ دعاء ابن مسعود وأدعية الكرب الصحيحة، وردّدها عند كل ضيق، فهي سبب لذهاب الهم وإبداله فرحًا.
  • اجعل لنفسك وردًا يوميًا: خصّص وقتًا ثابتًا للذكر، كما بعد الفجر أو بعد العصر، اقتداءً بحسان بن عطية وابن تيمية، واجعله غذاءً لقلبك لا تستغني عنه.
  • املأ أوقات الانتظار والعمل بالتسبيح: اقتدِ بالشيخ ابن باز الذي كان يذكر الله حتى أثناء رده على الهاتف واستماعه للأسئلة.
  • طهّر مجالسك: اجعل مجالسك عامرة بذكر الله ومدارسة العلم، بدلًا من الغيبة والنميمة وكثرة الحديث عن الدنيا.
  • افحص قلبك باستمرار: ابحث عن الحلاوة في صلاتك وذكرك وتلاوتك، فإن فقدتها فبادر إلى التوبة وعلاج قسوة القلب، والتزم بالذكر المشروع وابتعد عن البدع والأولياء المزعومين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات