سلسلة بعنوان " أسباب انشراح الصدور " (1) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

2,307 مشاهدة
292 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

يفتتح فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري هذه السلسلة المباركة «أسباب انشراح الصدور» بحقيقة يشترك فيها البشر جميعًا. فكل إنسان على وجه الأرض يطلب السعادة وانشراح الصدر وراحة البال، مؤمنًا كان أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، طائعًا أو عاصيًا، ويتمنى أن يعيش حياته منشرح الصدر. غير أن الناس اختلفوا اختلافًا كبيرًا في طريق الوصول إلى هذه الغاية. فمنهم من التمسها في غير موضعها فشقي، ومنهم من وفقه الله إلى بابها الصحيح فسعد في الدنيا والآخرة.

في هذا الدرس الأول يبيّن الشيخ أن السعادة الحقيقية لا تُنال بالملك ولا بالمال ولا بالمنصب ولا بالجاه. إنما تُنال بالإيمان بالله واتباع شرعه والاستقامة على منهج رسول الله ﷺ. ويقرر أن أعظم أسباب انشراح الصدر وأساسها هو توحيد الله جل وعلا، ويستدل لذلك بأحوال الأنبياء عليهم السلام. فقد كانوا أشد الناس بلاءً، ومع ذلك كانوا أعظم الناس انشراحًا وطمأنينة.

أهداف الدرس: أن يعرف المشاهد المواطن الخاطئة التي يطلب فيها كثير من الناس السعادة وعاقبة أصحابها، وأن يدرك أن التوحيد والاتباع هما أصل انشراح الصدر. كما يتعلم من دعوة الرسل عليهم السلام أن الاستغفار والتوبة من أسباب سعة الرزق والقوة، وأن الرزق أوسع من أن يُحصر في المال.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: البحث عن السعادة بعيدًا عن شرع الله، ونماذج من الهالكين

يبيّن الشيخ أن من الناس من طلب السعادة في الملك والرئاسة وانحرف عن منهج الله وشريعته، وإمامهم في ذلك فرعون. فقد علا في الأرض وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾، وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾. فكان قائدًا لقومه إلى النار.

ومنهم من طلبها في المال والدنيا، وإمامهم قارون الذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾. فكانت النتيجة: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾.

ومنهم من طلبها في الوزارة والمنصب، كهامان الذي شارك فرعون في طغيانه وإجرامه، فقال له فرعون: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. فكانت النهاية: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.

ومنهم من طلبها في الكبر ومخالفة أمر الله، وإمامهم إبليس الذي قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. ومنهم من طلبها في الجاه والحسب والنسب، كأبي جهل وأبي لهب ومن كان على شاكلتهم. وكل من التمس السعادة بعيدًا عن شرع الله وسنة رسوله ﷺ فإنه يعيش في ضنك وضيق صدر، وإن ظهر للناس أنه في نعيم. ويشير الشيخ إلى ما هو مشاهد من كثرة القلق والهموم والانتحار في المجتمعات التي أعرضت عن دين الله، مع ما تملكه من أسباب الرفاهية.

المحور الثاني: انشراح الصدر ثمرة الإيمان والاستقامة على منهج النبي ﷺ

يقرر الشيخ أن الجزاء من جنس العمل. فمن استقام على أمر الله كان جزاؤه السعادة وانشراح الصدر وراحة البال، ومن أعرض عن الله كان جزاؤه الضيق والهم والحزن والقلق من كل شيء. فالسعادة التامة وانشراح الصدر الكامل إنما يكونان للمؤمنين بالله إيمانًا يقينيًا، المستقيمين على نهج رسول الله ﷺ.

ويجد الإنسان من السعادة والانشراح بحسب إيمانه وإخلاصه وطاعته واتباعه للنبي ﷺ. فكلما زاد الاتباع زاد الانشراح، وكلما نقص الاتباع نقص من ذلك بقدره. قال تعالى:

﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22]

المحور الثالث: التوحيد أعظم أسباب انشراح الصدر، والأنبياء أعظم الناس انشراحًا

يؤكد الشيخ أن أعظم الأمور الجالبة لانشراح الصدر بعد الاتباع، بل أساسها وأصلها، هو توحيد الله جل وعلا. وهو الأمر الذي دعا إليه الأنبياء جميعًا. وإذا تأملنا حياة الأنبياء عليهم السلام وجدنا أن دنياهم كانت في شدة، وأن أعداءهم حاربوهم بكل سبيل. ومع ذلك كانوا أعظم الناس سعادة وانشراحًا وأمنًا وراحة بال، وذلك لشدة وثوقهم بالله جل وعلا وعظيم توكلهم عليه. قال النبي ﷺ:

«أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ»

ومن الأمثلة على ذلك ثبات النبي ﷺ أمام أذى قريش، حتى قال لهم كما في مسند الإمام أحمد: «أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ». ومنها ما في الصحيحين من خبر الغار، حين قال أبو بكر رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا»، فقال ﷺ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا». وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

ويستشهد الشيخ بقوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107]، وبقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]. وينقل عن أهل العلم أن كفاية الله لعبده تكون بقدر توحيده وعبوديته واتباعه. ثم يذكر مثالًا من حال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في محنته، إذ قال: «مَا يَصْنَعُ أَعْدَائِي بِي؟ أَنَا جَنَّتِي وَبُسْتَانِي فِي صَدْرِي، إِنَّ حَبْسِي خَلْوَةٌ، وَقَتْلِي شَهَادَةٌ، وَإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سِيَاحَةٌ». وهذا من أعظم مظاهر الانشراح الناتج عن قوة التوحيد والتوكل.

المحور الرابع: دعوة الرسل إلى التوحيد وحاجة الأمة إليه اليوم

يبيّن الشيخ أن دعوة الرسل جميعًا قامت على عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. ويضرب لذلك مثلًا بنبي الله هود عليه السلام الذي قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ۝ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

ويقف الشيخ مع موقف هود عليه السلام الذي يجسد قوة التوحيد والتوكل، حين تحدى قومه وحده فقال: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝ مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ۝ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 54-56]. فهو لم يتقوَّ بقوته ولا بعشيرته، وإنما تقوّى بالله على قومه. ومثله إبراهيم عليه السلام والذين معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: 4].

ثم ينبّه الشيخ إلى أن الأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى تحقيق التوحيد. فقد تسللت إلى قلوب كثير من أبنائها صور من الشرك، كالتعلق بغير الله، والاستغاثة بغيره، والطواف حول القبور. ويرد على من يزعم أن الحديث عن التوحيد لم يعد ضروريًا، ويبيّن أن النبي ﷺ مكث ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى التوحيد، فلا غنى للمسلمين عنه في أي زمان.

المحور الخامس: الاستغفار والتوبة سبب للقوة وسعة الرزق، والرزق أعم من المال

يستنبط الشيخ من دعوة هود عليه السلام أن الاستغفار من أعظم أسباب سعة الرزق والقوة، قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 52]. وفي المقابل فالمعاصي سبب لحرمان الرزق، كما في الحديث: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (رواه أحمد وابن ماجه). ويبيّن أن الطاعة تورث قوة الأبدان، مستشهدًا بما أعطاه الله لنبيه ﷺ وما كان لسليمان عليه السلام من القوة. وفي المقابل فإن الإدمان على مشاهدة الفواحش والمحرمات يورث الضعف والوهن، وهذا أمر مشاهد.

ثم ينتقل إلى دعوة شعيب عليه السلام لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾ [هود: 84]. ويقف عند قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].

ويقرر الشيخ أن الرزق لا ينحصر في المال كما يظن كثير من الناس. فالهداية رزق، والدعوة رزق، والأبناء رزق، والصحة رزق، وانشراح الصدر رزق، والتوحيد رزق، والتمسك بالسنة رزق. ويختم بتكرار شعيب عليه السلام الدعوة إلى الاستغفار: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90]. ويبيّن أن مخالفة الناصح بالحق لا ينبغي أن تحمل الإنسان على رد الحق، كما فعل قوم شعيب حين قالوا: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.

النقاط الرئيسية

  • جميع الناس يطلبون السعادة وانشراح الصدر، لكنهم يختلفون في الطريق إليها.
  • من طلب السعادة في الملك كفرعون، أو المال كقارون، أو المنصب كهامان، أو الكبر كإبليس، أو الجاه كأبي جهل، بعيدًا عن شرع الله، كانت عاقبته الهلاك والشقاء.
  • الجزاء من جنس العمل: الاستقامة تورث الانشراح، والإعراض يورث الضيق والضنك.
  • ينال العبد من انشراح الصدر بقدر إيمانه وإخلاصه واتباعه للنبي ﷺ.
  • التوحيد هو أساس انشراح الصدر وأعظم أسبابه، ولذلك كان الأنبياء أعظم الناس انشراحًا مع أنهم أشد الناس بلاءً.
  • الأمة اليوم بحاجة ماسة إلى تجديد الدعوة إلى التوحيد وتطهير القلوب من التعلق بغير الله.
  • الاستغفار والتوبة سبب لنزول الغيث وزيادة القوة وسعة الرزق، والرزق يشمل الهداية والصحة والأبناء وانشراح الصدر لا المال وحده.

الفوائد والعبر

  • تصحيح مقياس السعادة: لا تغترّ بمظاهر الرفاهية عند المعرضين عن الله، فالسعادة الحقيقية في القلب، ومفتاحها طاعة الله واتباع رسوله ﷺ.
  • العناية بالتوحيد: اجعل تعلّم التوحيد وتحقيقه أولوية في حياتك، وطهّر قلبك من التعلق بغير الله، فبقدر توحيدك تكون كفاية الله لك وانشراح صدرك.
  • التوكل في الشدائد: تأسَّ بالأنبياء عليهم السلام وبالنبي ﷺ في الغار، واستحضر معية الله عند المحن، فإن ذلك يُذهب الخوف والحزن.
  • الإكثار من الاستغفار: اجعل الاستغفار والتوبة وِردًا يوميًا، فهما سبب لسعة الرزق والقوة، واجتنب المعاصي فإنها تحرم الرزق وتورث الضعف والوهن.
  • شكر الأرزاق كلها: انظر إلى ما أنعم الله به عليك من هداية وصحة وأولاد وسُنّة، واعلم أنها كلها أرزاق تستحق الشكر، ولا تحصر نظرك في المال وحده.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات