سلسلة بعنوان " أسباب انشراح الصدور " (2) لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري.

3,404 مشاهدة
240 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذه هي الحلقة الثانية من سلسلة «أسباب انشراح الصدور» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. تحدّث الشيخ في الحلقة الأولى عن التوحيد بوصفه أعظم أسباب انشراح الصدر، ويتناول في هذه الحلقة سببًا عظيمًا آخر هو ذكر الله تعالى على كل حال وفي كل موطن. ويبيّن الشيخ أثر الذكر العجيب في طمأنينة القلب وسعادته، ويقابله بأثر الغفلة في ضيق الصدر وقسوته وعذابه.

يبدأ الشيخ بأن كل الناس يحرصون على أن يعيشوا منشرحي الصدور مرتاحي البال. لكن كثيرًا منهم طلبوا السعادة في غير موضعها، فطلبوها في المُلك والرئاسة والمال والجاه والحسب، فأهلكوا أنفسهم ومن تبعهم. أما أهل الإيمان والتقوى، وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام، فقد عاشوا في انشراح وطمأنينة بسبب قربهم من الله جل وعلا.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المسلم منزلة الذكر وفضله، ويدرك خطر الغفلة والإعراض عن ذكر الله، ويستشعر ثمار مجالس الذكر والعلم. ويعرض الشيخ في ذلك نصوصًا من القرآن والسنة، ونقولًا نفيسة عن الإمام ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله.

المحور الأول: الذكر سبب لطمأنينة القلب وانشراح الصدر

يقرر الشيخ أن للذكر تأثيرًا عجيبًا في انشراح الصدر ونعيم القلب. والسبب أن الذاكر قريب من الله وبعيد عن الشيطان، وقريب من الجنة وبعيد عن النار. أما الغافل فيعيش ضيقًا وهمًّا وحسرة لأنه ابتعد عن ربه، فلا يمكن أن يتحقق انشراح الصدر لمن هو بعيد عن الله.

ونقل الشيخ قول الإمام ابن القيم رحمه الله إن من أحب شيئًا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه. وهذا أمر مشاهد: فأهل الدنيا لا يتحدثون إلا عن التجارة والمكسب والخسارة والسلع، وأهل العشق لا يتحدثون إلا عن محبوباتهم. ولهذا أمر الله عباده بذكره على جميع الأحوال، حتى في أشدها خوفًا، وهو مقام القتال والتقاء الصفوف. وضرب ابن القيم مثلًا بعنترة الذي كان يتذكر محبوبته عبلة في قمة المعركة، فالمؤمن أولى أن يذكر ربه في كل حال.

ومن أبلغ ما نقله الشيخ قول ابن القيم: «الذكر للقلب مثل الماء للسمك». فكما يموت السمك إذا فارق الماء، يموت القلب إذا فارق ذكر الله عز وجل.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45].

المحور الثاني: الذكر باب المحبة ولين القلوب

يبيّن الشيخ أن الله جعل لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر. فكلما أكثر العبد من ذكر شيء ازداد حبه له، ولا أحب إلى المؤمن من الله. فمن أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره. وكما أن الدرس والمذاكرة باب العلم، فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم. فهو سبب لمحبة العبد لربه ومحبة الله لعبده.

ومن آثار الذكر أنه يُلين القلوب ويرققها. وقد أنكر الله على من لم يخشع قلبه لذكره، وبيّن أن قسوة قلوب أهل الكتاب كانت بسبب طول الأمد وقلة الذكر. وتوعّد سبحانه القاسية قلوبهم من ذكره بالويل.

قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [الزمر: 23].

وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].

وقال عز وجل: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22].

المحور الثالث: خطر الغفلة والإعراض عن ذكر الله

يحذّر الشيخ من الغفلة عن ذكر الله، ويبيّن عواقبها كما وردت في القرآن الكريم:

  • توعّد الله المعرض عن ذكره بالعذاب الشديد.
  • جعل الله المعرضين عن ذكره من إخوان الشياطين وقرنائهم.
  • الذين يصدّون الناس عن ذكر الله هم الشياطين، ومن وسائلهم في ذلك الخمر والميسر.
  • من نسي ذكر الله فقد استحوذ عليه الشيطان وسيطر عليه.

وجعل الله الغافل عن ذكره من الخاسرين. ونقل الشيخ قول الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير آية سورة المنافقون: إن الله أمر عباده المؤمنين بكثرة ذكره، ونهاهم أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك. وأخبر أن من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خُلق له من طاعة ربه وذكره، فهو من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: 17].

وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36].

وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].

وقال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: 19].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].

المحور الرابع: الذكر من صفات أهل الجنة وفضل مجالس الذكر

جعل الله الذكر من صفات المؤمنين أهل الجنة، ووعد الذاكرين والذاكرات بالمغفرة والأجر العظيم. ووصف المخبتين بأنهم إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، أي خشعت وذلّت وخافت.

وبيّن الشيخ أن لمن يجلس مجالس الذكر أربع جوائز عظيمة: أن تحفّهم الملائكة، وتغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله فيمن عنده. ومجالس الذكر تشمل تلاوة القرآن وحلقات العلم وذكر الله باللسان والقلب. ونبّه الشيخ إلى أنها ليست كحلقات بعض المتصوفة التي لا أدب فيها مع الله. ونبّه كذلك إلى أن قوله ﷺ «في بيت من بيوت الله» خرج مخرج الغالب، لأن حلق العلم تكون غالبًا في المساجد، فلا يشترط أن يكون المجلس في المسجد. ثم تعجّب الشيخ من فضل الله: فماذا يساوي العبد الضعيف حتى يباهي الله به ملائكته إذا جلس يذكره؟

قال الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].

وقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الحج: 34-35].

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» [رواه مسلم].

وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ...». وفي آخر الحديث يقول الله تعالى: «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ». فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. فيقول الله: «هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» [رواه البخاري]. ويُفهم من هذا أن مجالسة أهل العلم والذكر نور ورحمة وبركة.

المحور الخامس: صدأ القلب وجلاؤه، وجنة الدنيا

نقل الشيخ قول ابن القيم رحمه الله إن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة، وجلاؤه بالذكر. فالذكر يجلو القلب حتى يصير كالمرآة البيضاء. وذكّر الشيخ بالنحّاسين قديمًا الذين كانوا يجلون أواني النحاس فيزيلون عنها الوسخ والصدأ حتى تعود إلى لونها وبهائها، وكذلك القلب يُجلى بذكر الله.

ولصدأ القلب سببان، ولجلائه علاجان:

  • الغفلة، وعلاجها الذكر.
  • الذنوب، وعلاجها الاستغفار.

وبيّن ابن القيم أن المحسن يُجازى في الدنيا بانشراح الصدر وانفساح القلب ولذة مناجاة ربه وطاعته وذكره. وفرحه بربه أعظم من فرح القريب من السلطان الكريم بسلطانه. أما المسيء فيُجازى بضيق الصدر وقسوة القلب وتشتته وظلمته وهمه وغمه وحزنه وخوفه. فهذه عقوبات عاجلة ونار دنيوية، والإقبال على الله جنة عاجلة لا نسبة لعيش الملوك إليها.

ونقل الشيخ قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إِنَّ فِي الدُّنْيَا جَنَّةً مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ»، وهي جنة طاعة الله وذكره والأنس بقربه. وكان يقول: «مَا يَصْنَعُ أَعْدَائِي بِي؟ أَنَا جَنَّتِي وَبُسْتَانِي فِي صَدْرِي، إِنْ رُحْتُ فَهِيَ مَعِي لَا تُفَارِقُنِي. إِنَّ حَبْسِي خَلْوَةٌ، وَقَتْلِي شَهَادَةٌ، وَإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سِيَاحَةٌ». وكان يقول في سجنه بالقلعة: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». وقال: «الْمَحْبُوسُ مَنْ حُبِسَ قَلْبُهُ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى، وَالْمَأْسُورُ مَنْ أَسَرَهُ هَوَاهُ».

وعلّق الشيخ بأن ابن تيمية توفي سنة 728هـ، ومات الملوك والسلاطين الذين كانوا في عصره، وأبقى الله ذكر المتقين وأخمل ذكر العصاة والمجرمين. وختم بأن السجن الحقيقي ليس الجدران الأربعة، بل حجب القلب عن طاعة الله، والأسير الحقيقي من صار عبدًا لهواه.

النقاط الرئيسية

  • ذكر الله تعالى على كل حال وفي كل موطن من أعظم أسباب انشراح الصدور وطمأنينة القلوب.
  • السعادة لا تُنال بالمال والجاه والرئاسة، وإنما بالقرب من الله كما عاشها الأنبياء وأهل الإيمان.
  • الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فإذا فارق القلبُ ذكر الله مات.
  • دوام الذكر سبب لمحبة العبد لربه ومحبة الله لعبده، وهو باب المحبة وشارعها الأعظم.
  • الغفلة عن الذكر سبب لقسوة القلب وتسلط الشيطان والعذاب والخسران.
  • في مجالس الذكر أربع جوائز: حفّ الملائكة، وغشيان الرحمة، ونزول السكينة، وذكر الله لأهلها فيمن عنده.
  • يصدأ القلب بالغفلة والذنوب، ويُجلى بالذكر والاستغفار.

الفوائد والعبر

  • المحافظة على أذكار الصباح والمساء والأذكار بعد الصلوات وفي سائر الأحوال، لتبقى حياة القلب وطمأنينته.
  • الحرص على حضور مجالس العلم وتلاوة القرآن ومجالسة الصالحين، فهم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم.
  • علاج الهم وضيق الصدر يكون بالرجوع إلى الله والإكثار من ذكره واستغفاره، لا باللهث وراء متاع الدنيا.
  • الحذر من أن تُلهي الأموال والأولاد والانشغالات عن ذكر الله، حتى لا يكون العبد من الخاسرين.
  • الحرية الحقيقية هي حرية القلب من أسر الهوى والشهوات، والسعادة الحقيقية جنة الطاعة والأنس بالله، كما عاشها شيخ الإسلام ابن تيمية في سجنه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات