سلسلة الغزو الفكري " البهائية " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,652 مشاهدة
423 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

يتناول فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري في هذه الحلقة من سلسلة «الغزو الفكري» طائفة البهائية، وهي من أخطر الطوائف الباطنية المنحرفة التي نشأت في القرن التاسع عشر الميلادي. ويبيّن الشيخ أن أعداء الإسلام لما عجزوا عن هزيمة المسلمين بالسلاح لجؤوا إلى الغزو الفكري، فدعموا حركات تهدم الدين من داخله، وتغيّر عقائده وتشريعاته، وتُبعد المسلمين عن الجهاد ومقاومة المستعمر.

ويمهّد الشيخ للحديث عن البهائية بعرض الحركات التي سبقتها ومهّدت لها، كحركة أحمد خان في الهند ثم الحركة القاديانية. ثم يتتبع الجذور الأولى للبهائية في البيئة الشيعية الرافضية في إيران، ويعرّف بمؤسسيها، وبدعوى علي محمد الشيرازي أنه «الباب»، وبمؤتمر «بدشت» الذي أُعلن فيه نسخ الشريعة الإسلامية.

ويهدف هذا الدرس إلى تحصين المسلم من هذه الأفكار الهدّامة. فهو يعرّفه بأصولها ومناهجها وأهدافها، ويكشف القواسم المشتركة بين الفرق الباطنية، كالقول بالحلول، وإنكار الجهاد، وادعاء النبوة أو المهدية، والسعي إلى إسقاط الأحكام الشرعية، ليكون المسلم على بصيرة من دينه في زمن كثرت فيه الفتن.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة والتحذير من المحدثات

افتتح الشيخ درسه بخطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح بها خطبه. وفيها تقرير أصل عظيم هو أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كل محدثة في الدين بدعة وضلالة. وهذا الأصل هو الميزان الذي تُوزن به الفرق المنحرفة كلها، ومنها البهائية التي قامت على ادعاء نسخ الشريعة وتبديلها.

وقد تضمنت الخطبة آيات التقوى التي تأمر المؤمنين بالثبات على الإسلام حتى الممات، وبالقول السديد الذي يُصلح الله به الأعمال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

وقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».

المحور الثاني: الغزو الفكري بديلًا عن الغزو العسكري، وحركة أحمد خان في الهند

بيّن الشيخ أن القرن التاسع عشر شهد تعاونًا وثيقًا بين أعداء الإسلام لضربه من داخله. فلما عجزوا عن القضاء عليه بالقوة العسكرية لجؤوا إلى الغزو الفكري. ومن أوائل تلك الحركات حركة أحمد خان في الهند، التي استخدمها الإنجليز لترويج أفكار تُضعف روح الجهاد، وتدعو إلى قبول النفوذ الأجنبي في بلاد المسلمين.

ومن أبرز انحرافات أحمد خان محاولته إثبات أن التوراة والإنجيل غير محرّفين. وفسّر القرآن تفسيرًا ماديًا طبيعيًا ينكر المعجزات وخوارق العادات. وزعم أن النبوة أمر مكتسب ينال بالرياضة النفسية والتزهد، لا اصطفاء من الله تعالى. وقصر فرضية الجهاد على وقت محدد، ودعا إلى ما سماه «إنسانية الأديان»، وهي فكرة شبيهة بما يُروَّج له اليوم باسم «الدين العالمي» و«الدين الإبراهيمي».

واستشهد الشيخ بانتصار التتار عسكريًا على المسلمين، ثم دخولهم في الإسلام وذوبانهم في المجتمع المسلم. وهذا يدل على أن قوة الإيمان قد تغلب قوة السلاح، وهو ما أدركه الأعداء فسعوا إلى هدم الدين من داخله. ومع الدعم الكبير لهذه الحركة فإنها لم تؤتِ ثمارها في اقتلاع الإسلام من النفوس، وإن نجحت في تفريق المسلمين وإشغالهم عن قضية الاستعمار.

المحور الثالث: القاديانية وإبطال الجهاد

لما فشلت حركة أحمد خان في تحقيق أهدافها كاملة، نشأت الحركة القاديانية في البنجاب بقيادة الميرزا غلام أحمد، وألّف كتبًا منها «براهين الأحمدية» و«ترياق القلوب». ومن أبرز انحرافاتها زعمها أن عيسى عليه السلام هاجر إلى كشمير بعد نجاته من الصلب، وتوفي هناك، وأن قبره ما زال موجودًا فيها. وادعى الميرزا أنه المهدي، وأن عيسى ومحمدًا حلّا فيه، ثم ادعى النبوة، بل زعم أنه أفضل من الأنبياء، وأن تلاميذه كالصحابة.

ونبّه الشيخ إلى أن إنكار الجهاد قاسم مشترك بين الفرق المنحرفة عن الإسلام. فالجهاد عند القاديانية لا يعدو الإقناع بالوسائل السلمية، أما استخدام أدوات الحرب فقد حرّموه على المسلمين، تقريبًا بين النصرانية والإسلام، وخدمة للمستعمر.

وأيّد الشيخ ذلك بتصريح الميرزا نفسه في التماسه المرفوع إلى الحاكم الإنجليزي لمقاطعة البنجاب. فقد قال فيه إنه قضى معظم عمره في تأييد الحكومة الإنجليزية ونصرتها، وألّف كتبًا ونشرات كثيرة في إبطال الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر من الإنجليز. ثم أشار الشيخ إلى انشقاق فرع «الأحمدية» الذي يرى الميرزا مجددًا لا نبيًا.

المحور الرابع: نشأة البابية والبهائية في البيئة الشيعية بإيران

خرجت البهائية من رحم البيئة الشيعية في إيران، ومهّد لها ثلاثة رجال. أولهم أحمد زين الدين الأحسائي، ولا يزال له أتباع يُعرفون بـ«الشيخية». وثانيهم كاظم الرشتي. وثالثهم علي محمد الشيرازي الذي تأثر بهما. وهدف هذه الدعوة الباطنية تغيير عقائد الإسلام وتشريعاته ونظمه الاجتماعية. وتتلخص عقيدة البهائية في الغلو في «البهاء»، فيزعمون أنه مظهر صفات الله، وأنه المعنيّ بالقيامة والساعة، وهذا كفر صريح.

وعلي محمد الشيرازي وُلد سنة 1235هـ، واشتغل بالتجارة، وتديّن على طريقة العوام، وكان مغرورًا يظن أنه يستغني عن التعلم. فاستغل ملا حسين البشروئي سذاجته وغروره، وأوهمه أنه «الباب» الذي ينتظره الشيعة ليكون واسطة بينهم وبين المهدي الغائب، على أن يكون البشروئي نفسه «باب الباب». فأعلن الشيرازي دعوته سنة 1260هـ.

وأوضح الشيخ أن هذه الدعوى قامت على عقيدة الرافضة الاثني عشرية في غيبة محمد بن الحسن العسكري. ويقرر أهل العلم أن الحسن العسكري لم يُعقب، وأن هذه أكذوبة اختلقها الزنادقة لاستغلال سذاجة العامة والطعن في الإسلام. فكل من أراد التلاعب بالدين وجد في عقيدة الغيبة مدخلًا لادعاء الوساطة أو النيابة عن المهدي. كما أشار الشيخ إلى أن عدم تحكيم الشريعة في المدّعين يؤدي إلى استفحال الفتن وانتشارها.

المحور الخامس: مؤتمر بدشت وإعلان نسخ الشريعة

عُقد مؤتمر في صحراء «بدشت» سنة 1264هـ، والشيرازي معتقل. وكان التخطيط له من البشروئي، وحضره الملقب بـ«القدوس»، والمرأة التي سمَّوها «قرة العين» ولقّبوها بـ«الطاهرة»، والميرزا حسين علي المازندراني الذي لُقّب لاحقًا بـ«بهاء الله» وصار معبودهم. وكان الهدف المعلن للمؤتمر البحث في إخراج الباب من المعتقل، أما حقيقته فكانت إعلان نسخ أحكام الإسلام.

وقرر المؤتمر أمورًا خطيرة، منها القول بوجوب النسخ والتجديد. وزعموا أن كل ظهور لاحق أكمل من السابق، فيكون الباب عندهم أعظم مقامًا من جميع الأنبياء، وله أن يغيّر الأحكام ويبدّلها. ثم أعلنت «قرة العين» نسخ الشريعة وإسقاط الحلال والحرام، ودعت إلى الإباحية. ولذلك عُرفت البهائية بعدائها الشديد للحجاب وللعفة.

ولما انكشفت حقيقة المؤتمر لكثير ممن خُدعوا بشعاراته، انصرفوا عنه، وأغار الناس على المجتمعين فطردوهم وفرّقوا جمعهم. فتفرقوا ثلاث فرق، ذهبت إحداها مع المازندراني إلى طهران، وذهبت أخرى مع «القدوس» إلى مازندران. وفي هذا بيان أن الباطل مهما تزيّن فإنه ينكشف لأصحاب الفطر السليمة.

النقاط الرئيسية

  • لجأ أعداء الإسلام إلى الغزو الفكري لهدم الدين من داخله بعد عجزهم عن هزيمته عسكريًا.
  • مهّدت حركة أحمد خان في الهند ثم القاديانية لظهور البهائية، وكلها حظيت بدعم المستعمر الإنجليزي.
  • إنكار الجهاد أو تحريفه قاسم مشترك بين الفرق المنحرفة عن الإسلام.
  • القول بالحلول وادعاء المهدية والنبوة سمة متكررة في الطوائف الباطنية.
  • نشأت البهائية من البيئة الشيعية في إيران على يد الأحسائي والرشتي والشيرازي، واستغلت عقيدة الغيبة والمهدي المنتظر.
  • ادعى علي محمد الشيرازي أنه «الباب» سنة 1260هـ بإيعاز من ملا حسين البشروئي.
  • أُعلن في مؤتمر بدشت سنة 1264هـ نسخ الشريعة وإسقاط الحلال والحرام والدعوة إلى الإباحية.

الفوائد والعبر

  • لزوم الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، فهو الحصن الأول من كل فكر منحرف يدّعي التجديد ونسخ الشريعة.
  • الحذر من الدعوات التي تذيب الفوارق بين الأديان تحت شعارات «إنسانية الأديان» أو «الدين الإبراهيمي»، فهي امتداد لأفكار قديمة هدّامة.
  • قوة الإيمان أعظم من قوة السلاح، وثبات الأمة على دينها هو سرّ بقائها، فينبغي العناية بتقوية العقيدة في النفوس.
  • دراسة التاريخ وربطه بالواقع تعين المسلم على فهم مخططات الأعداء وتوقّع مآلات الأحداث في الغالب.
  • الجهل والغرور بابان يدخل منهما المضلّون، فطلب العلم الشرعي على أهله واجب لصيانة النفس من الانخداع بالأدعياء.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات