سلسلة الغزو الفكري " الاستشراق " لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
يأتي هذا الدرس ضمن «سلسلة الغزو الفكري» لفضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله، ويتناول ظاهرة الاستشراق. ويعدّه الشيخ من أعظم أساليب الغزو الفكري وأخطرها في عصرنا، فهو تيار منظّم يدرس الشرق الإسلامي دراسة دقيقة تشمل حضارته وديانته وآدابه ولغاته وثقافته. وقد أسهم هذا التيار إسهامًا كبيرًا في تشكيل التصورات الغربية عن الإسلام وأهله، وكان تعبيرًا عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بين أهل الإسلام وأهل الكفر.
يبيّن الشيخ أن كثيرًا من المستشرقين لم يدرسوا العربية وعلوم الإسلام حبًّا في المعرفة المجردة، وإنما ليعرفوا كيف يفكر المسلمون وكيف يُتعامل معهم. وقد عمل كثير منهم في السفارات ووزارات الخارجية والمستعمرات وأجهزة الاستخبارات الغربية، ووضعوا خططًا مرحلية للسيطرة على العالم الإسلامي بناءً على معرفتهم بعقلية أهله.
أهداف الدرس: أن يعرف المشاهد حقيقة الاستشراق ونشأته، وأبرز أعلامه ومدارسه، وأن يعي أهدافه الدينية والسياسية والاقتصادية وأساليبه في التشكيك في القرآن والسنة والفقه واللغة العربية. والغاية من ذلك أن يتحصّن طالب العلم بالعلم الراسخ، فلا ينبهر بمظاهر «البحث العلمي المتجرد» التي يتستّر بها كثير منهم.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف الاستشراق وحقيقته الخفية
الاستشراق هو التيار الفكري الذي تمثّل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي. يقوم به غربيون وغيرهم من غير المسلمين، فيتعلمون لغة العرب ويدرسون دينهم وثقافتهم وقيمهم وأنماط حياتهم، حتى يصير الواحد منهم كأنه عربيّ يعيش بين العرب. ويذكّر الشيخ في هذا السياق بشخصية «لورنس العرب» الذي عاش بينهم ولبس لباسهم.
ويقرر الشيخ قاعدة مهمة: من أراد أن يقاوم عدوه فلا بد أن يعرف كيف يفكر. وبهذه القاعدة عمل القوم، ومن أمثلة ذلك ما يذكره الشيخ من وجود متخصصين في بعض السفارات الغربية في بلاد المسلمين يتقمّصون شخصية حاكم البلد. فيتوقعون ردة فعله على القرارات قبل صدورها، ويُعدّون الرد على ردة الفعل سلفًا. ولهذا جاءت كثير من قراراتهم مؤثرة لصالحهم وعلى حساب مصالح المسلمين.
المحور الثاني: نشأة الاستشراق وأبرز أعلامه
يصعب تحديد بداية دقيقة للاستشراق. فمن المؤرخين من يردّه إلى أيام الدولة الإسلامية في الأندلس، ومنهم من يربطه بالحروب الصليبية. أما وجوده الرسمي فارتبط بإنشاء كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية. ولم يظهر مصطلح «الاستشراق» في أوروبا إلا في أواخر القرن الثامن عشر، في إنجلترا ثم في فرنسا، ثم أُدرج في قاموس الأكاديمية الفرنسية.
ومن الأسماء المبكرة التي ذكرها الشيخ:
- الراهب جربرت دي أورلياك: قصد الأندلس وأخذ عن علمائها، ثم صار بابا باسم سلفستر الثاني.
- جيرار الكريموني: ترجم في طليطلة عددًا كبيرًا من كتب الفلسفة والطب والفلك.
- بطرس المبجّل رئيس دير كلوني: كان وراء أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللاتينية، وقام بها روبرت الكيتوني.
ثم عرض الشيخ أسماء طائفة من المستشرقين المتأخرين، وفرّق بينهم: فمنهم من قد يتّسم بشيء من الإنصاف في بعض المسائل، وهؤلاء لا يُوثق بكتاباتهم جملةً مع الحذر التام. ومنهم المتعصبون ضد الإسلام، وهم الذين يعنينا التحذير منهم، وعلى رأسهم:
- اليهودي المجري جولدتسيهر، وقد تأثر به طه حسين.
- الإنجليزي مرجليوث، ومن مدرسته طه حسين وأحمد أمين صاحب «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام».
- زويمر.
- فنسنك المشرف على «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث».
- ماسينيون مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية لشؤون شمال إفريقيا.
- جب، ونيكلسون، ولامانس، وشاخت، وآربري، وكارادي فو، وألفرد جيوم وغيرهم.
ونبّه الشيخ على أن «دائرة المعارف الإسلامية» التي حرّرها كثير منهم فيها ضلال وانحراف عظيم، وإن تظاهر كتّابها بالإنصاف في بعض المسائل.
المحور الثالث: الأهداف الدينية للاستشراق ووسائل التشكيك
يبيّن الشيخ أن الدين هو مصدر عزة الأمة وكرامتها، فلا تعتزّ الأمة إلا بدينها، وإذا اختلّ دينها ضاعت هيبتها. ولذلك كان الهدف الديني في مقدمة أهداف الاستشراق، وصاحبه في مراحله الطويلة. ومن صوره:
- التشكيك في صحة رسالة النبي ﷺ.
- الزعم بأن الأحاديث النبوية من وضع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى.
- الطعن في القرآن الكريم، وهو ظاهر جدًّا في كتابات جولدتسيهر ومرجليوث.
- الزعم بأن الفقه الإسلامي مستمد من الفقه الروماني.
- الدعوة إلى إحلال اللهجات العامية محل العربية الفصحى، ووصفها بالصعوبة وأنها جديرة بالإلقاء في «مزابل النسيان». وهذا في حقيقته طعن في القرآن والسنة لأنهما نزلا بلغة العرب.
ومن شبهاتهم كذلك إرجاع الإسلام إلى مصادر يهودية ونصرانية. وقد ضرب الشيخ مثالًا على طريقتهم بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، فيقول المستشرق: هذا من عند اليهود. وبقوله تعالى: ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، فيقول: هذا من عند النصارى. والحق أن الإسلام ناسخ لما قبله، أبقى على ما كان من الحق والفضائل كالشجاعة والكرم وهذّبها، وجاء بالدين الكامل الخالد الباقي.
ومن الأمثلة التي ذكرها الشيخ «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي»، فقد كان القصد من ورائه تتبّع أحاديث رسول الله ﷺ لإثبات التعارض فيها، لا الانتفاع بها. فأرادوه نقمة، وجعله الله تعالى نعمة لطلبة علم الحديث، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ» [متفق عليه].
المحور الرابع: أثر الاستشراق في أبناء المسلمين «المستغربين»
يشرح الشيخ كيف يقع الانبهار في نفوس الطلاب المبتعثين. فالشاب في العشرينات يذهب إلى بلاد الغرب، فيجد أمامه رجلًا يحفظ شيئًا من القرآن والحديث، ويتكلم بفصاحة، ويتظاهر بمظهر المحقق المتجرد للمنهج العلمي. فيقع الانبهار لما في نفوس كثير من المستغربين من شعور بالنقص. وإذا لم يكن عند المتلقي علم راسخ تأثر بشبهات الطعن في القرآن والسنة والفقه واللغة، ثم عاد إلى بلاده يحمل أعلى الشهادات من السوربون أو كامبريدج أو غيرهما، ويردد ما قاله أساتذته بلسان عربي.
وذكر الشيخ أن من الطلاب المبتعثين من كان يسكن في بيوت النصارى، فيعيش في بيئة تحيطه بالرعاية والرحلات وشعارات «الحرية والإخاء والمساواة»، فيتأثر بها. وذكر كذلك رفاعة الطهطاوي الذي تتلمذ على المستشرق سلفستر دي ساسي ورجع متأثرًا به.
ومن أخطر آثار الاستشراق تلميع الفلسفة والتصوف الفلسفي والأدب. فقد صنعوا حجابًا بين بعض الدارسين وبين كتب أئمة السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفتحوا لهم المجال لابن عربي وابن الفارض وابن سبعين وإخوان الصفا. وضرب الشيخ مثالًا بأحد كبار مشايخ الأزهر ممن درسوا في السوربون، إذ كان يجهل تراث ابن تيمية في الزهد والرقائق.
المحور الخامس: الاعتماد على الضعيف والموضوع، والطعن من الداخل، وسائر الأهداف
من أساليب المستشرقين الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة لتدعيم آرائهم وبناء نظرياتهم، واستغلال قلة المتخصصين في علم الحديث. ويذكر الشيخ أن سوق الحديث كان كاسدًا في مصر قبل عقود، حتى إن كتب الرجال كانت عزيزة نادرة. ثم أحيا الله هذا العلم بجهود أئمة كالشيخ أحمد شاكر والشيخ الألباني رحمهما الله.
ومن أساليبهم أيضًا الطعن في الدين من داخله، كما يفعل بعض القساوسة في غرف المحادثة على الشبكة. فيلقون الشبهات على الشباب غير المتحصّن بالعلم، عن طريق آية يفسّرونها بتفسير باطل، أو حديث موضوع يظنه الشاب صحيحًا، فتثبت الشبهة في قلبه. والكذب على النبي ﷺ من أعظم الذنوب، قال ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [متفق عليه].
ومن أهداف الاستشراق كذلك:
- خدمة التنصير «التبشير»: فإن لم يتنصّر المسلم، فالمقصود أن يقف على الأقل موقف المحايد أو المدافع عن قضايا النصارى في بلاد المسلمين.
- الأهداف التجارية والاقتصادية: فقد موّلت المؤسسات والشركات الكبرى والملوك هذه الدراسات بسخاء.
وختم الشيخ هذا المحور بدعوة أهل اليسار من المسلمين إلى إنفاق أموالهم في كفالة طلبة العلم وتفريغهم عند العلماء الراسخين، بدلًا من إنفاقها في العبث.
النقاط الرئيسية
- الاستشراق تيار فكري منظّم لدراسة الشرق الإسلامي، وهو من أعظم أساليب الغزو الفكري المعاصر، وارتبط كثير من رجاله بالسفارات والاستخبارات والمستعمرات.
- يصعب تحديد بدايته، فقد رُبط بالأندلس وبالحروب الصليبية، وظهر مصطلحه في أوروبا أواخر القرن الثامن عشر، ومن أوائل ثماره ترجمة معاني القرآن إلى اللاتينية بإشراف دير كلوني.
- المستشرقون صنفان: من قد يُبدي شيئًا من الإنصاف في بعض المسائل ولا يُوثق به مطلقًا، والمتعصبون ضد الإسلام كجولدتسيهر ومرجليوث وزويمر وماسينيون.
- الهدف الديني في مقدمة أهدافهم: التشكيك في الرسالة والسنة والقرآن، ونسبة الفقه إلى القانون الروماني، والدعوة إلى العامية بدل الفصحى.
- من شبهاتهم إرجاع الإسلام إلى مصادر يهودية ونصرانية، والإسلام دين ناسخ كامل أقرّ الحق وهذّبه.
- أثّروا تأثيرًا بالغًا في المستغربين من أبناء المسلمين كطه حسين وأحمد أمين، ولمّعوا الفلسفة والتصوف الفلسفي، وصرفوا الدارسين عن كتب أئمة السنة.
- يعتمدون على الضعيف والموضوع من الحديث، ويخدمون التنصير، وتقف خلفهم أهداف سياسية واقتصادية وتمويل ضخم.
الفوائد والعبر
- العلم الراسخ هو الحصن الأول: لا يقف الشاب أمام الشبهات إلا بتأصيل علمي متين في العقيدة والقرآن والسنة، فمن لم يتحصّن تسرّبت الشبهة إلى قلبه.
- الحذر من الانبهار بالمظاهر: لا يغترّ المسلم بمن يتظاهر بالموضوعية والمنهج العلمي من الكفار، فكثير منهم يدسّ السمّ في العسل، ولا تُؤخذ أحكام الدين وتصوراته إلا من علمائه الثقات.
- العناية بعلم الحديث والتثبت من الأخبار: ينبغي التمييز بين الصحيح والضعيف والموضوع، فلا يُنسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، وهذا يسدّ بابًا عظيمًا من أبواب الشبهات.
- الاعتزاز باللغة العربية: صيانة الفصحى صيانة لفهم القرآن والسنة، والتهوين منها مدخل للطعن في الوحي.
- توجيه المال إلى نصرة العلم: يحسن بأهل اليسار كفالة طلبة العلم وتفريغهم عند العلماء الراسخين، فهذا من أعظم وسائل التصدي للغزو الفكري.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات