شرح كتاب "زاد المعاد "للإمام ابن القيم الجوزية (182والأخير) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري
المقدمة
هذا هو المجلس الثاني والثمانون بعد المائة من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وفي هذا المجلس يختم الشيخ الكتاب كاملًا. افتتح الشيخ المجلس بخطبة الحاجة، وتلا فيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ثم سأل الله أن يختم للجميع بخاتمة حسنة، وأن يتقبل صالح الأعمال ويتجاوز عن سيئها، بعد هذه الرحلة الطويلة مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
موضوع هذا المجلس حكم النبي صلى الله عليه وسلم في البيوع التي فيها غرر وجهالة. ومنها بيع الحصاة وبيع الغرر والملامسة والمنابذة، وبيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة. ويبين الشيخ فيه الضابط الذي يفرّق به العلماء بين الغرر اليسير الذي يُعفى عنه والغرر الكثير الذي يُبطل العقد. ويتناول أيضًا مسائل تمس حياة الناس اليومية، مثل بيع ما يُخفى في الأرض من المزروعات، وبيع المسك في فأرته، وبيع اللبن في الضرع، واستئجار الحيوان للانتفاع بلبنه.
ويهدف هذا الدرس إلى أن يفهم طالب العلم مقاصد الشريعة في المعاملات المالية. فالشريعة تحفظ أموال الناس وتمنع أسباب النزاع والخصومة، وفي الوقت نفسه ترفع الحرج وتراعي المصلحة العامة التي لا يستغني عنها الناس.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: النهي عن بيع الحصاة وبيع الغرر
بدأ الشيخ بما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ». ثم بيّن أن هذه الإضافة من إضافة المصدر إلى نوعه، مثل قولهم: بيع الخيار وبيع النسيئة. وذكر أن البيوع المنهي عنها ترجع إلى قواعد كلية، أبرزها الربا والغرر والجهالة.
وعرض الشيخ تفسيرات العلماء لبيع الحصاة، ومنها:
- أن يقول البائع: ارمِ هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا.
- أن يبيعه من الأرض قدر ما تنتهي إليه رمية الحصاة.
- أن يقبض قبضة من الحصى ويقول: لك بعدد ما خرج في القبضة.
- أن يقول: إذا سقطت الحصاة من يدي وجب البيع.
- أن يعترض قطيعًا من الغنم ويرمي الحصاة، فأيّ شاة أصابتها فهي له بكذا.
وكل هذه الصور فاسدة لما فيها من أكل المال بالباطل، ومن الغرر والخطر الذي يشبه القمار. أما الغرر فهو المبيع المجهول العاقبة، مثل بيع العبد الآبق والبعير الشارد الذي لا يُقدر على تسليمه، وبيع ما في بطون الأنعام.
المحور الثاني: بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة والمجر
ثبت في الحديث عن سعيد بن المسيب رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ». والملاقيح ما في بطون الإناث من الأجنة. والمضامين ما في أصلاب الفحول من الماء. وكانوا في الجاهلية يبيعون الجنين في بطن الناقة، ويبيعون ما يضربه الفحل في عام أو أعوام.
ومنه أيضًا بيع حبل الحبلة. فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ». وفسره العلماء بتفسيرين: الأول أنه بيع نتاج النتاج، والثاني أنه البيع إلى أجل هو أن تلد الناقة ثم يلد ولدها. وكلاهما بيع مجهول. ومنه كذلك بيع المجر، وهو ما في بطن الناقة. وكل ذلك داخل في الغرر والجهالة.
المحور الثالث: النهي عن الملامسة والمنابذة
جاء تفسير الملامسة والمنابذة في نفس الحديث. ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَلِبْسَتَيْنِ، نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ. وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ. وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ، وَيَنْبِذَ الْآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ».
ومن صورها أيضًا أن يقول: أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا، أو أي ثوب نبذته إليك فهو عليك بكذا. ونبّه الشيخ إلى أن علة الفساد ليست مجرد تعليق البيع على شرط. العلة هي ما يتضمنه البيع من الخطر والغرر والجهالة، ولذلك كان من جنس بيع الحصاة.
المحور الرابع: الغرر اليسير المعفوّ عنه وبيع المغيبات في الأرض
قرر ابن القيم رحمه الله أن بيع ما يُخفى في الأرض، كاللفت والجزر والفجل والقلقاس والبصل، ليس من الغرر المنهي عنه. فهذه أشياء معلومة بالعادة، ويعرفها أهل الخبرة، وظاهرها يدل على باطنها. وإن كان فيها شيء من الغرر فهو غرر يسير يُغتفر في جانب المصلحة العامة. وبيّن الشيخ أن الحقل الكبير لو اشتُرط قلعه كله قبل بيعه لوقع الناس في مشقة عظيمة ولفسدت الأموال.
وذكر الشيخ أمثلة كثيرة على الغرر اليسير الذي تسامحت فيه الشريعة:
- أساسات الجدران في البيت المبيع.
- ما في بطون الحيوان المبيع.
- أجزاء الثمار التي بدا صلاح بعضها دون بعض.
- إجارة الدار والدابة مدة معلومة، كشهر أو سنة.
- دخول الحمّام مع اختلاف قدر ما يستهلكه كل واحد من الماء.
- الشرب من إناء السقاء مع اختلاف الناس في قدر الشرب.
- بيع البطيخ والرمان والجوز واللوز والفستق في قشره.
والقاعدة في ذلك أنه ليس كل غرر سببًا للتحريم. الغرر إذا كان يسيرًا، أو لا يمكن الاحتراز منه إلا بمشقة، لم يمنع صحة العقد. أما الغرر الكثير الذي يمكن الاحتراز منه فهو المذكور في الأنواع التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المحور الخامس: بيع المسك في فأرته، واللبن في الضرع، وإجارة الحيوان للبنه
رجّح ابن القيم جواز بيع المسك في فأرته (وعائه)، وقال إنه ليس من الغرر في شيء. فالفأرة تحفظ المسك وتصونه من الغش والفساد، وقد جرت عادة التجار ببيعه كذلك، وأهل الخبرة يعرفونه. وفرّق بينه وبين اللبن في الضرع والنوى في التمر والبيض في الدجاج. فهذه يختلف ما في داخلها جنسًا ونوعًا وصفة، ولا يُعرف قدره.
وأما بيع اللبن في الضرع فاستدل الشيخ بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ»، وهو عند الطبراني والدارقطني. وبيّن أن بيع اللبن في الضرع منفردًا لا يجوز، لأنه مجهول القدر ولأنه يختلط بغيره عند الحلب. ويجوز بيعه تبعًا للحيوان. ويجوز أيضًا بيع لبن معلوم موصوف في الذمة على وجه السلم، أو لبن أيام معلومة من شاة معينة قياسًا على الثمار بعد بدوّ صلاحها.
ثم ذكر الشيخ منيحة العنز، وهي أن يعطي الرجل أخاه شاة ينتفع بلبنها ثم يردها، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ»، رواه البخاري. وأما استئجار البقرة أو الشاة للانتفاع بلبنها فالجمهور على منعه. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جوازه، إذا كان المستأجر هو الذي يعلفها ويقوم عليها، وشبّه ذلك باستئجار الشجر للثمر.
النقاط الرئيسية
- هذا المجلس هو الثاني والثمانون بعد المائة، وبه يُختم شرح كتاب «زاد المعاد» للإمام ابن القيم رحمه الله.
- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وبيع الغرر لما فيهما من أكل المال بالباطل والمخاطرة التي تشبه القمار.
- بيع الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة والمجر بيوع محرمة، لأنها بيع لمعدوم أو مجهول لا يُقدر على تسليمه.
- الملامسة والمنابذة بيعتان جاهليتان يقع فيهما البيع من غير نظر ولا تراضٍ، وقد فسّرهما الحديث نفسه.
- ليس كل غرر محرمًا. الغرر اليسير والغرر الذي لا يمكن الاحتراز منه مغتفر لأجل المصلحة العامة.
- بيع المغيبات في الأرض وبيع المسك في فأرته جائزان على ما رجّحه ابن القيم، لأن أهل الخبرة يعرفونهما.
- بيع اللبن في الضرع منفردًا ممنوع، ويجوز تبعًا للحيوان أو موصوفًا في الذمة. واختار ابن تيمية جواز إجارة الحيوان للبنه بشروطها.
الفوائد والعبر
- على المسلم أن يتحرى الوضوح والعلم بالمبيع والثمن في معاملاته، حتى يسلم من الغرر والجهالة اللذين يجرّان إلى الخصومة والنزاع.
- الشريعة الإسلامية شريعة رحمة ويسر. فهي تمنع الظلم وأكل المال بالباطل، وتعفو عن اليسير الذي لا ينفك عنه الناس، رفعًا للحرج.
- يحسن الرجوع إلى أهل الخبرة والعرف التجاري في تقدير ما يُعدّ غررًا وما لا يُعدّ، فالعادة معتبرة في كثير من أحكام المعاملات.
- يُستحب الإحسان والتكافل بين المسلمين، ومنه منيحة العنز التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم أعلى خصال البر الموعود عليها بالجنة.
- ختم الكتب العلمية الكبيرة يدل على قيمة الصبر والمداومة في طلب العلم، ويُسنّ عند الختام سؤال الله حسن الخاتمة وقبول العمل.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات