شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية (176) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,592 مشاهدة
66 مشاركة
منذ 4 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والسبعون بعد المائة من مجالس شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس جانبًا مهمًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الأسرة والأنساب، وهو حكم الاستبراء. ويقصد به التحقق من براءة الرحم قبل الوطء، صيانةً للأنساب من الاختلاط، وحفظًا للأعراض والحقوق.

ويعرض الشيخ في هذا الدرس كلام ابن القيم في حِكَم تحريم وطء الحامل من غير الواطئ، وحكم نكاح الزانية قبل توبتها واستبرائها، ومسألة زواج المسلم من الكتابية وما فيه من مقاصد دعوية. ثم يعرض مسألة فقهية خلافية مشهورة هي: هل تحيض المرأة الحامل؟ ويذكر أقوال أهل العلم فيها وأدلة كل فريق.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف المتعلم مقاصد الشريعة في حفظ النسل والنسب، وأن يفهم وجوه الاستدلال بالنصوص النبوية، وأن يتأمل طريقة العلماء في عرض الخلاف وموازنة الأدلة، وأن يدرك عظمة هذه الشريعة الربانية التي جاءت بالطهر والعفاف.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: تحريم سقي الماء زرعَ الغير ووجوب الاستبراء

قرر الشيخ أن المسلم مأمور بتقوى الله في نفسه وعرضه وأعراض الآخرين. فلا يجوز له أن يطأ امرأة حاملًا من غيره، سواء كان حملها من نكاح صحيح انتهى بطلاق أو وفاة، أو كان من سفاح. بل يجب عليه أن ينتظر حتى تضع حملها، لأن الوطء يؤثر في الجنين وفي تكوّن خلقه ونموه في بطن أمه.

ونقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن ماء الواطئ يزيد في خلق الجنين. فلو استلحقه الواطئ وورّثه لكان ذلك ظلمًا، لأنه ليس ولده. ولو استعبده واستخدمه لكان ذلك ظلمًا أيضًا، لأن فيه شيئًا من مائه. ولهذا شدّد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أشد التشديد.

وأشار الشيخ إلى أن جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ذهبوا إلى أن الرجل إذا ملك زوجته الأمة لم يطأها حتى يستبرئها، خشية أن تكون حاملًا منه في زمن النكاح، فيختلف حكم الولد من حيث الحرية والولاء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (رواه أبو داود).

وقال صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (رواه أبو داود).

ومرّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة مُجِحٍّ، أي قريبة الولادة، فقال: «لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟» قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟» (رواه مسلم).

المحور الثاني: حكم نكاح الزانية قبل التوبة والاستبراء

عرض الشيخ تعجّب ابن القيم رحمه الله ممن أجاز من الفقهاء العقد على الزانية قبل استبرائها ووطأها عقب العقد. فقد تكون ليلةً عند الزاني وقد علقت منه، ثم تكون في الليلة التي تليها فراشًا للزوج. وبيّن ابن القيم أن من تأمل محاسن الشريعة علم أنها تأبى ذلك وتمنع منه.

ورجّح ابن القيم مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو أنه لا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب، فيرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة، وحتى تُستبرأ. واحتج لهذا القول بالنصوص والآثار والقياس والمصلحة والحكمة، وبمقصد الشريعة في تمييز الخبيث من الطيب، وإلحاق كل شكل بشكله.

ونبّه الشيخ إلى أن ثبوت هذه الأحكام وإقامة الحدود إنما يكون في ظل سلطان شرعي يقيم شريعة الرحمن. أما إذا لم يثبت الأمر ببينة، فإن الستر مطلوب، وحسابها على الله.

قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3].

وقال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: 26].

المحور الثالث: نكاح الكتابية ومقاصده والفرق بينها وبين المشركة

استطرد الشيخ إلى بيان الحكمة من إباحة زواج المسلم بالكتابية مع تحريم زواج المسلمة بالكافر. ومن ذلك أن الرجل في الغالب هو القيّم على الأسرة وصاحب السلطة فيها، فإذا كان مسلمًا صالحًا كان ذلك سببًا لدخول كثير من الكتابيات في دين الله عز وجل.

أما المشركة فلا تحل للمسلم، لخبث معتقدها، ولما في الاقتران بها من مخالفة سنة الله في التمييز بين الخبيث والطيب. ويبقى المقصد الدعوي حاضرًا في هذا الباب، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على هداية غير المسلمين حتى في عيادتهم.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221].

وقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5].

وعاد النبي صلى الله عليه وسلم غلامًا يهوديًا وعرض عليه الإسلام، فأسلم، فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه البخاري).

المحور الرابع: هل تحيض المرأة الحامل؟ عرض الخلاف وأدلته

استنبط ابن القيم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» أن الحامل لا تحيض. ثم ذكر أن هذه المسألة خلافية بين أهل العلم على قولين:

القول الأول: أن الدم الذي تراه الحامل دم فساد واستحاضة، فتصلي وتصوم وتطوف بالبيت وتقرأ القرآن. وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وجابر بن زيد والشعبي والنخعي والحكم وحماد والزهري، وقول أبي حنيفة وأصحابه، والأوزاعي وأبي عبيد وأبي ثور، والإمام أحمد في المشهور من مذهبه، والشافعي في أحد قوليه.

القول الثاني: أنه دم حيض. وهو قول قتادة وربيعة ومالك والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه. وذكر إسحاق أن الإمام أحمد رجع إلى هذا القول لمّا بلغه أثر عائشة رضي الله عنها من رواية أهل المدينة.

واستدل أصحاب القول الأول بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحيض علامة على براءة الرحم في الاستبراء. فلو كان الحيض يجامع الحمل لما صح أن يكون علامة على عدمه. وكذلك جعل الشارع عدة المطلقة ثلاثة قروء ليُستدل بها على براءة الرحم.

واستدلوا كذلك بحديث ابن عمر رضي الله عنهما حين طلّق امرأته وهي حائض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» (رواه مسلم). ووجه الدلالة أنه جعل الحمل قسيمًا للطهر في جواز الطلاق، فدلّ ذلك على أن الحامل لا تكون حائضًا.

واستدلوا أيضًا بالأثر المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله رفع الحيض عن الحبلى، وجعل الدم رزقًا للولد.

النقاط الرئيسية

  • يحرم وطء الحامل من غير الواطئ حتى تضع حملها، ويجب استبراء غير الحامل بحيضة.
  • وطء الحامل من الغير يؤثر في خلق الجنين ونموه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟».
  • رجّح ابن القيم مذهب الإمام أحمد في تحريم نكاح الزانية حتى تتوب وتُستبرأ، وأنكر إجازة العقد عليها ووطئها قبل الاستبراء.
  • من حِكَم إباحة نكاح الكتابية أن الرجل قيّم على الأسرة، فيكون ذلك سببًا في هداية زوجته إلى الإسلام.
  • اختلف العلماء في دم الحامل: فالجمهور يرونه دم استحاضة، وذهب مالك والليث وإسحاق وغيرهم إلى أنه دم حيض.
  • جعل الشارع الحيض علامة على براءة الرحم، وهذا من أقوى أدلة من قال إن الحامل لا تحيض.
  • حديث ابن عمر: «طاهرًا أو حاملًا» يدل على أن الحمل حال تختلف عن حال الحيض في باب الطلاق.

الفوائد والعبر

  • الشريعة الإسلامية تعتني بحفظ الأنساب والأعراض عناية بالغة، وأحكامها كلها حكمة ورحمة وطهر.
  • ينبغي للمسلم أن يختار الزوجة الصالحة العفيفة، وأن يجتنب ما يخالف سنة الله في الجمع بين الطيبين.
  • يحسن بطالب العلم أن يتعلم أدب الخلاف، وأن يعرض الأقوال بأدلتها، كما فعل ابن القيم والإمام أحمد الذي رجع إلى الدليل حين بلغه.
  • المسلم داعية إلى الله في بيته وفي تعاملاته، ويفرح بهداية الناس كما فرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام الغلام اليهودي.
  • التوبة باب مفتوح، ومن تاب صادقًا ارتفع عنه وصف المعصية، وأصبح أهلًا للحياة الكريمة الطيبة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات