شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية(11) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي عشر من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس بابين من أبواب الهدي النبوي: الأول هديه ﷺ في قص الشارب، وهي سنة يخالفها كثير من الناس اليوم. والثاني هديه ﷺ في الكلام والسكوت والضحك والبكاء، وهي أمور يمارسها المسلم كل يوم، ويحتاج فيها إلى الاقتداء بالنبي ﷺ.
يعرض الشيخ الأحاديث الواردة في الشارب، وينبّه على ما صح منها وما ضعف. ثم يذكر أقوال الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في المفاضلة بين القص والإحفاء والحلق، ويبيّن أن الراجح هو القص أو الإحفاء بالمقص، وأن الحلق بالموسى لا دليل عليه. وينتقل بعد ذلك إلى صفة كلامه ﷺ وسكوته وضحكه وبكائه، ويربطها بواقع الناس، وينبّه على أخطاء شائعة في الضحك ورفع الصوت والبكاء في الصلاة.
والهدف من المجلس أن يعرف المسلم السنة في الشارب ووقتها المحدد، وأن يقتدي بالنبي ﷺ في كلامه وصمته وضحكه وبكائه، وأن يفهم أن السلفية منهج حياة واتباع في العقيدة والسلوك والأخلاق، لا مظهر خارجي فقط.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: هديه ﷺ في قص الشارب
يقرر الشيخ أن الأصل في الشارب هو القص وليس الحلق، وأن السنة تخالَف من جهتين. الجهة الأولى ترك الشارب حتى يطول وينزل على الشفة. والجهة الثانية حلقه بالموسى. والصواب أن يؤخذ منه بالمقص قصًّا أو إحفاءً.
ويبيّن الشيخ أن حديث ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله ﷺ كان يقص شاربه، وأن إبراهيم عليه السلام كان يقص شاربه» إسناده ضعيف، لأن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، وقد وقفه بعضهم على ابن عباس. أما الأحاديث الصحيحة في الباب فكثيرة. ومعنى الإحفاء أن يُبالغ في الأخذ بالمقص حتى يظهر بياض الجلد.
ومن السنة ألا يُترك الشارب ولا الأظافر أكثر من أربعين ليلة. فلا بأس أن يأخذ منهما المسلم كل أسبوعين أو ثلاثة أو شهر، بشرط ألا يتجاوز الأربعين.
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه الترمذي وصححه).
وقال ﷺ: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ» (رواه مسلم).
وقال ﷺ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» (متفق عليه).
وعن أنس رضي الله عنه قال: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (رواه مسلم).
المحور الثاني: أقوال الأئمة في القص والإحفاء والحلق
اشتد الإمام مالك رحمه الله في هذه المسألة. فقد قال: يؤخذ من الشارب حتى تبدو أطراف الشفة، وهو الإطار، ولا يُجَزّ فيمثّل الرجل بنفسه. وقال: حلق الشارب بدعة، ورأى أن يؤدَّب من فعله. ويرى الشيخ أن مالكًا ورث هذا الفقه عن أهل المدينة، وهم أقرب الناس عهدًا بالسنة، فبينه وبين الصحابة راوٍ أو راويان، كروايته عن نافع عن ابن عمر.
ومن الآثار في الباب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا اشتد عليه أمر نفخ وفتل شاربه، وهذا يدل على أن شاربه كان كبيرًا مع أخذه منه. وقال عمر بن عبد العزيز: السنة في الشارب الإطار. أما الإمام أحمد فكان يحفي شاربه إحفاءً شديدًا، وقال: إن أحفاه فلا بأس، وإن قصّه فلا بأس. وذكر ابن قدامة في «المغني» أن المسلم مخيّر بين الإحفاء والقص. ونقل الطحاوي أن المزني والربيع من أصحاب الشافعي كانا يحفيان شواربهما.
ونقل الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أن الإحفاء أفضل من التقصير، وأنهم قاسوا ذلك على تفضيل الحلق على التقصير في الحج والعمرة. وانتقد الشيخ هذا القياس بشدة ووصفه بالفاسد، لأنه قياس في مقابلة النص. فالنص ورد بالقص والإحفاء ولم يرد بالحلق، والأخذ من الشارب ليس من مناسك الحج والعمرة أصلًا. وخلص الشيخ إلى أن السنة هي القص أو الإحفاء بالمقص، وأن الحلق بالموسى لا يجوز.
قال ﷺ في الحج: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال في الثالثة: «وَالْمُقَصِّرِينَ» (متفق عليه)، وهذا الحديث في شعر الرأس لا في الشارب.
وقال ﷺ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْآبَاطِ» (متفق عليه).
المحور الثالث: هديه ﷺ في الكلام والسكوت
كان النبي ﷺ أفصح الخلق وأعذبهم كلامًا وأحلاهم منطقًا، وقد أوتي جوامع الكلم، وكان كلامه يأخذ بالقلوب ويشهد له بذلك أعداؤه. ومثّل الشيخ لذلك بقوله ﷺ لسفيان الثقفي: «قل آمنت بالله ثم استقم»، وقال: لو شرحنا هذا الحديث عشرين سنة ما أدّينا حقه.
وكان كلامه ﷺ واضحًا مفصَّلًا، لو أراد العادّ أن يعدّه لعدّه. لم يكن سريعًا لا يُحفظ، ولا متقطعًا تتخلله السكتات، بل كان وسطًا. وكان يعيد الكلمة ثلاثًا لتُفهم عنه، وإذا سلّم سلّم ثلاثًا. وكان طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، ولا فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه. وكان صمته ذكرًا وتفكرًا في آلاء الله ونعمه.
وانتقد الشيخ صنفًا من الناس يتكلم في كل شيء ويدّعي العلم بكل شيء وهو لا يعرف شيئًا. أما النبي ﷺ فكان، وهو سيد الخلق، لا يتدخل فيما لا يعنيه. ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخّابًا، وإذا كره شيئًا عُرف ذلك في وجهه.
قال ﷺ: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» (رواه مسلم).
وقال ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ» (رواه الترمذي).
وقالت عائشة رضي الله عنها: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ» (رواه الترمذي).
وقال ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (متفق عليه).
وقال ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (رواه الترمذي).
المحور الرابع: هديه ﷺ في الضحك
كان أكثر ضحكه ﷺ التبسم، وكان أقصى ضحكه أن تبدو نواجذه. ولم يكن يقهقه ولا يرفع صوته. وكان يضحك مما يُضحك منه عادة، ومما يُتعجب من مثله ويُستغرب وقوعه، فلم يكن متكلّفًا يمتنع عن الضحك تعاليًا. فالحياة ليست ضحكًا دائمًا، وليست تشددًا وغلظة، والمطلوب التوسط بلا إفراط ولا تفريط.
وذكر الشيخ أن للضحك أسبابًا. أولها التعجب. وثانيها الفرح، كالفرح بنصر الإسلام وعزة المسلمين، أو بعودة غائب، أو بمولود. وثالثها ضحك الغضبان إذا اشتد غضبه، فيضحك تعجبًا مما أغضبه أو شعورًا بقدرته على خصمه، وقد يضحك لأنه يملك نفسه عند الغضب، فيمنعه ضحكه من إنفاذ غضبه، ويُعرض بذلك عمن أغضبه ولا يكترث به.
ونبّه الشيخ على من يظهر بمظهر أهل السنة ثم يرفع صوته بالضحك ويصفق في الطرقات، وقال إن السلفية ليست قميصًا قصيرًا ولا نقابًا، بل هي منهج حياة واتباع للنبي ﷺ في العقيدة والسلوك والأخلاق.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
وقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].
وقال ﷺ لرجل استوصاه: «لَا تَغْضَبْ» (رواه البخاري).
وقال ﷺ لفاطمة رضي الله عنها: «فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ» (رواه مسلم).
المحور الخامس: هديه ﷺ في البكاء
كان بكاؤه ﷺ من جنس ضحكه. فلم يكن بشهيق ولا رفع صوت، كما لم يكن ضحكه قهقهة. وإنما كانت عيناه تدمعان حتى تسيل الدموع، ويُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، أي كصوت غليان الماء في القدر، لأنه يكتم بكاءه.
ونبّه الشيخ على ما يفعله بعض المصلين في التراويح من رفع الأصوات بالبكاء والنحيب، وذكر أن بعض الفقهاء يرى أن ذلك يبطل الصلاة. والمطلوب خشوع القلب والجوارح والجلود، لا خشوع الأصوات.
ولبكائه ﷺ أسباب ثلاثة. فكان يبكي رحمة للميت، كما بكى حين مات ابنه إبراهيم، وحين أرسلت إليه ابنته في ابنها. وكان يبكي خوفًا على أمته وشفقة عليها من عذاب الله. وكان يبكي من خشية الله تعالى.
عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ» (رواه أبو داود والنسائي، وفي رواية: «كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ»).
النقاط الرئيسية
- السنة في الشارب القص أو الإحفاء بالمقص. وتركه حتى يطول مخالف للسنة، وحلقه بالموسى كذلك.
- لا يُترك الشارب ولا الأظافر ولا شعر الإبط والعانة أكثر من أربعين ليلة.
- اشتد الإمام مالك في المسألة، فعدّ حلق الشارب بدعة ومُثلة، ورأى تأديب فاعله. وخيّر الإمام أحمد بين القص والإحفاء.
- قياس حلق الشارب على حلق الرأس في النسك قياس فاسد، لأنه في مقابلة النص.
- كان كلامه ﷺ فصلًا بيّنًا يحفظه من سمعه، وكان طويل السكوت لا يتكلم فيما لا يعنيه.
- كان أكثر ضحكه ﷺ التبسم، وأقصاه أن تبدو نواجذه، ولم يكن يقهقه.
- كان بكاؤه ﷺ دمعًا وأزيزًا في الصدر بلا شهيق ولا رفع صوت، وكان يبكي رحمةً للميت، وشفقةً على أمته، ومن خشية الله.
الفوائد والعبر
- أن يتعاهد المسلم شاربه وأظافره بانتظام قبل تمام الأربعين، ويستعمل المقص لا الموسى، اتباعًا للسنة ومخالفةً للمجوس والمشركين.
- أن يزن المسلم كلامه قبل أن يتكلم، فيقول خيرًا أو يصمت، ويترك ما لا يعنيه، ويجعل صمته ذكرًا وتفكرًا.
- أن يكون الضحك تبسمًا في الغالب، وأن يتجنب المسلم القهقهة ورفع الصوت في الطرقات، خاصة من يظهر بمظهر أهل الدين، لأنه قدوة لغيره.
- أن يكون الخشوع في الصلاة خشوع قلب وجوارح، وأن يكتم المصلي بكاءه ولا يرفع صوته بالنحيب فيشوّش على المصلين.
- أن يعلم المسلم أن السلفية الحقة اتباع شامل للنبي ﷺ في العقيدة والعبادة والأخلاق والسلوك، وليست مظهرًا ولا ادعاءً ولا طعنًا في الناس.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات