شرح كتاب " زاد المعاد " للإمام ابن القيم الجوزية(82) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,284 مشاهدة
62 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني والثمانون من شرح كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس هدي النبي ﷺ في عمرة القضاء التي اعتمرها في السنة السابعة من الهجرة، وفاءً بما اتفق عليه مع قريش في صلح الحديبية. والمجلس يجمع بين وقائع السيرة وأحكام الفقه، فيعرض الأحداث ثم يستخرج منها الأحكام كما هي طريقة ابن القيم في كتابه.

وأهمية الموضوع أن عمرة القضاء جاءت مصداقًا لوعد الله لنبيه ﷺ بدخول المسجد الحرام آمنين، وأن فيها جملة من السنن والأحكام: الرَّمَل في الطواف وسببه، وحكم نكاح المحرم من خلال زواج النبي ﷺ بأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وأحكام الحضانة من خلال قصة ابنة حمزة رضي الله عنه.

ومن أهداف هذا الدرس: معرفة معنى «القضاء» في تسمية هذه العمرة، وفهم حكمة التشريع في إظهار قوة المسلمين أمام عدوهم، والتعرف على منهج العلماء في الجمع بين الروايات التي يظهر بينها تعارض، وتقرير أن الخالة تقوم مقام الأم في الحضانة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: عمرة القضاء ومعنى تسميتها

سُمِّيت هذه العمرة «عمرة القضاء» أو «عمرة القضية»، واختلف العلماء في سبب التسمية. فقال بعضهم: هي قضاء للعمرة التي صُدَّ عنها النبي ﷺ عام الحديبية. وقال آخرون: «القضاء» هنا بمعنى المقاضاة والمصالحة، أي العمرة التي وقع عليها الاتفاق بين النبي ﷺ وقريش. وعلى هذا المعنى الثاني يكون القضاء بمعنى الأداء وإتمام ما تم الاتفاق عليه، لا بمعنى قضاء عبادة فاتت.

خرج النبي ﷺ في ذي القعدة من السنة السابعة ومعه من شهد الحديبية، وتحقق بذلك وعد الله الذي أخبر به نبيه ﷺ في سورة الفتح. وكان دخولهم في الشهر الحرام نفسه الذي صُدّوا فيه في العام الماضي.

قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]

وقال سبحانه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]

المحور الثاني: دخول مكة والاحتياط بالسلاح

من بنود صلح الحديبية ألا يدخل المسلمون مكة إلا بسلاح الراكب، أي السيوف في أغمادها وقُرُبها. ومع ذلك احتاط النبي ﷺ فحمل السلاح ووضعه في بطن يأجج قريبًا من الحرم، وترك عنده جماعة من أصحابه يحرسونه، حتى إذا غدرت قريش كان السلاح قريبًا منهم. ثم دخل ﷺ مكة بسلاح الراكب كما شُرط عليه.

وفي هذا جمع بين أمرين: الوفاء بالعهد والتزام ما اتُّفق عليه، والأخذ بالأسباب والحذر من العدو. فالتوكل على الله لا ينافي الاستعداد، والوفاء بالشروط لا يمنع الحيطة.

المحور الثالث: الرَّمَل في الطواف وحكمته

كان المشركون يقولون إن المسلمين أضعفتهم حُمَّى يثرب، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى. والرَّمَل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى. وأمرهم أن يمشوا ما بين الركنين اليمانيين حيث لا يراهم المشركون، رفقًا بهم وإبقاءً عليهم. وشُرع معه الاضطباع، وهو أن يجعل الطائف وسط ردائه تحت إبطه الأيمن ويضع طرفيه على عاتقه الأيسر.

ومن الفوائد أن الرَّمَل بقي سنة بعد زوال سببه، فقد رمل النبي ﷺ في حجة الوداع من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة كلها. فالحكم قد يُشرع لسبب ثم يبقى بعد زواله تذكيرًا بنعمة الله على المسلمين واقتداءً بالنبي ﷺ.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» [متفق عليه]

المحور الرابع: زواج النبي ﷺ بميمونة وحكم نكاح المحرم

في هذه العمرة تزوج النبي ﷺ أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها، وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد، وأختها أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وقد تولى العباس أمر زواجها. ولما مضت الأيام الثلاثة التي نص عليها الصلح جاءت قريش تطلب من النبي ﷺ أن يخرج، فعرض عليهم أن يبقى حتى يُولِم لهم، فأبوا. فخرج ﷺ وبنى بها في سَرِف.

واختلفت الروايات في حال النبي ﷺ عند العقد عليها. فروى ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم، وروت ميمونة نفسها وأبو رافع، وكان الرسول بينهما، أنه تزوجها وهو حلال. ورجّح أهل العلم، ومنهم ابن القيم، رواية ميمونة وأبي رافع. فصاحب القصة أعلم بما وقع له، والرسول بين الطرفين أدرى بما جرى، وهذه الرواية توافق النهي الصريح عن نكاح المحرم. أما ابن عباس فكان صغير السن يومئذ، وربما وقع له اشتباه.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ» [رواه مسلم]

وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» [رواه أحمد والترمذي]

المحور الخامس: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقصة ابنة حمزة في الحضانة

عرض الشيخ القاعدة الشرعية في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها. وضابطها أن كل امرأتين لو قُدِّرت إحداهما ذكرًا لم يحلّ له نكاح الأخرى، فلا يجوز الجمع بينهما. والحكمة من ذلك حفظ صلة الرحم، ومنع ما تجلبه الضرّة من القطيعة والتنافر بين القريبات.

ولما خرج النبي ﷺ من مكة تبعته ابنة حمزة رضي الله عنه تنادي: يا عم، يا عم. فأخذها علي رضي الله عنه، ثم اختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة. قال علي: هي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي، لأن النبي ﷺ آخى بينه وبين حمزة. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، زوجة جعفر، وطيّب نفوس الثلاثة بكلمات كريمة.

ويؤخذ من القصة أن الخالة تُقدَّم في الحضانة على العم والعصبات، وأن زوجها رضي بحضانتها فلم يسقط حقها، وأن الحاكم ينبغي أن يجبر خاطر من لم يُقضَ له.

قال رسول الله ﷺ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» [متفق عليه]

وقال ﷺ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»، وقال لعلي: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ»، وقال لجعفر: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، وقال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» [رواه البخاري]

النقاط الرئيسية

  • عمرة القضاء كانت في ذي القعدة من السنة السابعة، تنفيذًا لصلح الحديبية، وتحقيقًا لوعد الله بدخول المسجد الحرام آمنين.
  • «القضاء» في اسمها بمعنى المقاضاة والصلح وأداء ما اتُّفق عليه، على أرجح القولين.
  • ترك النبي ﷺ السلاح في بطن يأجج قريبًا من الحرم احتياطًا، مع الوفاء بشرط الدخول بسلاح الراكب.
  • شُرع الرَّمَل والاضطباع لإظهار قوة المسلمين أمام المشركين، وبقيا سنة بعد زوال سببهما.
  • الراجح أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، لأن صاحبة القصة والرسول بينهما أعلم بما وقع، ولموافقة ذلك للنهي عن نكاح المحرم.
  • يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، حفظًا لصلة الرحم.
  • الخالة بمنزلة الأم في الحضانة، فقد قضى النبي ﷺ بابنة حمزة لخالتها زوجة جعفر.

الفوائد والعبر

  • الوفاء بالعهود ولو مع المخالفين من أخلاق الإسلام، ولا يمنع ذلك من الحذر والأخذ بالأسباب.
  • على المسلم أن يُظهر عزة الإسلام وقوة أهله، وأن يكون مع ذلك رفيقًا بإخوانه لا يحمّلهم فوق طاقتهم.
  • اتباع السنة مطلوب حتى لو زال السبب الذي شُرعت لأجله، ففي ذلك تذكير بنعم الله وتعظيم لهدي النبي ﷺ.
  • من المنهج العلمي عند تعارض الروايات تقديمُ رواية صاحب القصة ومن باشرها، وتقديمُ ما يوافق النص الصريح.
  • العناية بصلة الرحم ورعاية الأيتام، وأن الحاكم يقضي بالحق مع جبر خواطر الجميع بالكلمة الطيبة، كما فعل النبي ﷺ مع علي وجعفر وزيد رضي الله عنهم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات