شرح كتاب " الصيام " من كتاب سبل السلام "(3) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الثالث من شرح «كتاب الصيام» من كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام الصنعاني رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ضمن الملف الخاص بشهر رمضان المبارك. يتناول الدرس ثلاث سنن نبوية يحتاجها كل صائم في كل يوم يصومه، وهي: تعجيل الفطر، والسحور وتأخيره، والإفطار على التمر أو الماء.
ويشرح الشيخ الأحاديث التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر من الباب، فيبيّن درجتها ومن خرّجها، ويترجم لبعض رواتها من الصحابة رضي الله عنهم، ويذكر أقوال العلماء في الحكم الفقهي لكل مسألة. ويربط الشيخ هذه السنن بقاعدة عامة في الشريعة، وهي أنها شريعة يسر، وأن الخير كله في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وأهداف الدرس أن يعرف المشاهد حكم تعجيل الإفطار والحكمة منه، وأن يفهم معنى البركة في السحور وأن يحرص عليه، وأن يتعلم السنة فيما يُفطَر عليه، وأن يعرف الفرق بين ما خُصّ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوصال وبين ما شُرع لعامة الأمة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعجيل الفطر وأنه علامة على بقاء الخير في الناس
بدأ الشيخ بحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بقاء الخير في الناس مرتبطًا بتعجيلهم الفطر. فالمستحب للصائم، سواء صام رمضان أو تطوّع بصيام الاثنين والخميس، أن يفطر أول ما تغرب الشمس، ولا حاجة لأن ينتظر انتهاء الأذان. فالأذان علامة على دخول وقت المغرب، وإذا دخل الوقت فالسنة المبادرة إلى الفطر.
وذكر الشيخ زيادة أحمد «وأخّروا السحور»، وزيادة أبي داود في التعليل، وهي أن اليهود والنصارى يؤخرون الفطر إلى أن تشتبك النجوم، أي تكثر في السماء حتى كأنها تتداخل. ونقل عن البغوي في «شرح السنة» أن تأخير الفطر صار في هذه الأمة شعارًا لأهل البدعة من الرافضة. فتعجيل الفطر فيه مخالفة لأهل الكتاب ولأهل البدع معًا.
ونقل الشيخ قول المهلّب في الحكمة من ذلك: ألا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة، كصلاة التراويح في رمضان، والعمل والدراسة وطلب العلم في غيره. وذكر قول الشافعي رحمه الله إن تعجيل الفطر مستحب، ولا يُكره تأخيره إلا لمن تعمّده ورأى الفضل فيه. ثم بيّن الشيخ أن من رأى الخير في مخالفة السنة فقد يصل فعله إلى التحريم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (متفق عليه).
وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147].
المحور الثاني: ترجمة الصحابي سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه
سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري الخزرجي، كنيته أبو العباس. كان اسمه «حَزْن» فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم «سهلًا». وكان عمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين على الأصح، وقيل سنة إحدى وتسعين، وقد بلغ نحو مئة سنة.
وذكر الشيخ أن سهلًا هو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وأن آخرهم موتًا بالبصرة أنس بن مالك رضي الله عنه. أما آخر الصحابة موتًا على الإطلاق فهو أبو الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه، وبموته انقضى جيل الصحابة.
المحور الثالث: الوصال من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر الشيخ قول الصنعاني إن إباحة النبي صلى الله عليه وسلم الوصال إلى السحر تدل على أنه لا كراهة في تأخير الفطر إذا كان المقصود ترويض النفس ودفع شهوتها. ثم ناقش الشيخ هذا القول وبيّن أن الوصال من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لما واصل بأصحابه كان قصده تأديبهم لما أصرّوا على مواصلته. فلا يؤخذ من ذلك حكم عام، ويبقى الأصل أن تأخير الفطر لغير غرض شرعي مكروه.
وأوضح الشيخ معنى قوله صلى الله عليه وسلم «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». فالمراد ليس الطعام والشراب الحسي، وإنما ما يجده من القرب من الله تعالى والأنس به ولذة الإيمان والمناجاة، فيجد من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام المحسوس. ثم ذكر حديث الترمذي: «أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرًا»، وبيّن أن إسناده ضعيف ولكن له شواهد تدل على أن تعجيل الفطر أحب إلى الله من تأخيره.
قال صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» (متفق عليه).
وفي الحديث القدسي: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (رواه الترمذي).
المحور الرابع: السحور وما فيه من البركة
شرح الشيخ حديث أنس بن مالك رضي الله عنه «تسحّروا فإن في السحور بركة». و«السَّحور» بفتح السين اسم لما يُؤكل في السحر، و«السُّحور» بضمها مصدر بمعنى التسحّر. والأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّله بالبركة، ولأنه واصل وترك السحور. وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن السحور مندوب.
ونبّه الشيخ من يصوم بلا سحور ويرى ذلك أمرًا محمودًا إلى أنه قد فاتته البركة. فمن لا يستطيع الأكل في آخر الليل يكفيه أن يتسحّر بتمرات، أو بشربة ماء أو لبن أو عصير، ينوي بها السحور لينال البركة. ومن قدر على أكثر من ذلك فلا حرج عليه. ثم ذكر الشيخ صورًا من البركة: البركة في الصحة والقوة والعافية، وفي المال والأولاد، والتقوّي على العبادة، والتصدّق على من لا يجد سحورًا، والاستيقاظ في وقت نزول الرب سبحانه في الثلث الأخير من الليل.
وذكر الشيخ زيادة الإمام أحمد التي فيها النهي عن ترك السحور ولو بجرعة ماء، وأن الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين. وفسّر صلاة الله على عبده بأنها ثناؤه عليه، ولازمها الرحمة، وصلاة الملائكة استغفار، وصلاة العباد دعاء. واستدل على أن الصلاة غير الرحمة بقوله تعالى ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، لأن العطف يقتضي المغايرة. وحذّر الشيخ بشدة ممن يفطر أو يتسحّر على الدخان، وبيّن أن التدخين حرام وأنه يضر صاحبه في نفسه وماله وصحته ومجتمعه، وأن رمضان فرصة للإقلاع عنه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» (رواه أحمد).
وقال صلى الله عليه وسلم: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» (رواه مسلم).
وقال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 157].
المحور الخامس: الإفطار على التمر ثم الماء
ختم الشيخ الدرس بحديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله عنه، وقد رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وذكر أن في إسناده ضعفًا لكن له شواهد يتقوّى بها. ونقل قول ابن عبد البر في «الاستيعاب» إنه ليس في الصحابة ضبّيّ غير سلمان هذا.
ثم بيّن الحكمة من الإفطار على التمر، وهي تهيئة البدن والمعدة بعد الجوع الطويل. فالصائم يشعر قرب المغرب بدوار وضعف بسبب نقص السكر، والتمر يعيد إليه ما فقده من السكريات. ونصح الشيخ بأن يفطر الصائم على تمرات ثم يصلي المغرب ثم يعود إلى طعامه، لتتهيأ المعدة لما بعد ذلك. فإن لم يجد تمرًا أفطر على الماء، لأنه طهور.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (رواه الخمسة).
النقاط الرئيسية
- يُستحب تعجيل الفطر أول ما تغرب الشمس، والأذان علامة على دخول الوقت، فلا يلزم انتظار انتهائه.
- تأخير الفطر إلى ظهور النجوم فيه تشبّه باليهود والنصارى، وقد صار شعارًا لأهل البدعة.
- تأخير الفطر لغير غرض شرعي مكروه، ومن أخّره لأنه يرى الفضل في مخالفة السنة فقد يقع في التحريم.
- الوصال من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخذ منه حكم عام للأمة.
- السحور سنة مستحبة بالإجماع، وفيه بركة عظيمة، ويحصل ولو بتمرة أو جرعة ماء مع نية السحور.
- الله وملائكته يصلّون على المتسحّرين، والسحور هو ما يفصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب.
- السنة أن يفطر الصائم على تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، لأنه طهور.
الفوائد والعبر
- الشريعة مبنية على التيسير، والتشديد على النفس أو على الناس بما يخالف السنة لا خير فيه.
- احرص على السحور ولو بشيء يسير تنوي به السحور، ولا تفوّت على نفسك بركته.
- وقت السحور فرصة للدعاء والاستغفار، لأنه وقت نزول الرب سبحانه. فأيقظ أهلك وأولادك قبل الفجر بوقت كافٍ ليكون لكم نصيب من الدعاء والمناجاة.
- رمضان فرصة لترك العادات الضارة كالتدخين، فلا تجعل فطرك أو سحورك على ما حرّم الله.
- ابدأ فطرك بتمرات ثم صلِّ المغرب ثم عُد إلى طعامك، ففي ذلك اتباع للسنة ورفق بالمعدة والبدن.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات