شرح كتاب " التوحيد " من الجامع الصحيح للإمام البخاري (20) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,606 مشاهدة
106 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العشرون من شرح كتاب «التوحيد» من الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويواصل فيه الشيخ شرح باب المشيئة والإرادة، وهو الباب الذي عقده الإمام البخاري لإثبات أن مشيئة الله تعالى نافذة، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وهذا أصل عظيم من أصول الإيمان بالقدر، يقوم عليه اعتقاد المسلم في ربه وفي أفعاله وأحوال الكون من حوله.

ويتناول المجلس حديثين جليلين أوردهما الإمام البخاري في هذا الباب. الأول حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الدعوة المستجابة التي ادّخرها النبي صلى الله عليه وسلم شفاعةً لأمته يوم القيامة. والثاني حديث رؤيا القليب التي تضمنت إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ويقف الشيخ مع رجال الإسناد، ثم يبين معاني الحديثين، ثم يستخرج منهما الفوائد العقدية والتربوية.

ويهدف هذا الدرس إلى ترسيخ الإيمان بمشيئة الله النافذة، وبيان منزلة الدعاء وأنه من العبادة، وتقرير عقيدة أهل السنة في الشفاعة وأنواعها. كما يعرّف بفضل هذه الأمة ومكانة نبيها صلى الله عليه وسلم، ويبرز فضائل الخليفتين الراشدين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما وأثرهما في حفظ الدين ونشره.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: مشيئة الله تعالى نافذة وكل شيء بقدر

يذكّر الشيخ في بداية المجلس بموضوع الباب، وهو إثبات مشيئة الله تعالى وإرادته. فالله سبحانه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، وإذا أراده هيّأ أسبابه. وما يقع في الكون من صغير وكبير فهو بقدر الله ومشيئته، فلا يخرج شيء عن إرادته سبحانه.

ويضرب الشيخ مثالًا من الحياة اليومية: قد يأتي المرء إلى المسجد فيجد الطرق ميسّرة مفتوحة، وقد يجدها مغلقة. وكل ذلك من قدر الله ومشيئته. فعلى المؤمن أن يعتقد أن الأمور كلها بيد الله، وأن يفوّض أمره إليه، مع أخذه بالأسباب المشروعة.

ويستشهد الشيخ بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في مراحل خلق الإنسان وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته. وفي الحديث دلالة على أن مشيئة الله سابقة، وأن مقادير الخلق مكتوبة قبل وجودهم.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: 49-50]

وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [متفق عليه]

المحور الثاني: الدعوة المستجابة وادّخار النبي صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته

يبدأ الشيخ بالتعريف برجال إسناد الحديث: أبي اليمان الحكم بن نافع الحمصي، وشعيب بن أبي حمزة، والإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ويذكر شيئًا من تراجمهم ووفياتهم. ثم يشرح الحديث: فقد أعطى الله كل نبي دعوة مستجابة قطعًا، وهي عطاء من الله وتكريم منه لأنبيائه.

ويبيّن الشيخ أن الأنبياء عليهم السلام تعجّلوا دعواتهم في الدنيا، أما النبي صلى الله عليه وسلم فاختبأ دعوته وادّخرها شفاعةً لأمته يوم القيامة. وهذا من كمال رحمته ورأفته بأمته، فقد أرسله الله رحمة للعالمين، وكان حريصًا على أمته في الدنيا والآخرة.

ويقرر الشيخ أن الدعاء هو العبادة، وأن الله أمر عباده بدعائه ووعدهم بالإجابة. فينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء، وأن يجعله عبادة خالصة لله وحده.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري]

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]

وقال صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» [رواه أبو داود والترمذي]

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

المحور الثالث: الشفاعة العظمى وأنواع الشفاعة يوم القيامة

يعرض الشيخ مشهد الشفاعة العظمى يوم القيامة. يشتد الكرب على الناس في الموقف، فيأتون الأنبياء واحدًا بعد واحد يطلبون منهم الشفاعة، فيقول كل واحد منهم: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري. حتى يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها». فيسجد تحت العرش، ويفتح الله عليه من المحامد ما لم يفتحه على أحد قبله، ثم يقال له: ارفع رأسك، وسَلْ تُعطَ، واشفع تُشفَّع.

ويبين الشيخ أن للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات متعددة، منها:

  • الشفاعة العظمى في أهل الموقف ليُقضى بينهم.
  • الشفاعة في دخول طائفة من أمته الجنة.
  • الشفاعة في أهل الكبائر من الموحدين الذين خطفتهم الكلاليب على الصراط فسقطوا في النار، فيخرجون منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين.

ويقرر الشيخ أن الموحّد لا يخلد في النار، وأن الذي يخلد فيها هو الكافر والمنافق نفاقًا اعتقاديًا. ويذكر أن المؤمنين في الجنة يفتقدون إخوانهم الذين كانوا يصلّون معهم ويصومون معهم، فيشفعون فيهم بإذن الله. وفي ذلك بيان لبركة الصحبة الصالحة ومجالس العلم والصلاة في الجماعة.

ويؤكد الشيخ أن دخول الجنة برحمة الله لا بمجرد العمل، وأن الدرجات فيها تتفاضل بحسب الأعمال. ولذلك أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالتسديد والمقاربة.

قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72]

وقال صلى الله عليه وسلم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» [متفق عليه]

المحور الرابع: فضل هذه الأمة وشرفها بين الأمم

يبيّن الشيخ أن من أعظم نعم الله علينا أن جعلنا مسلمين موحّدين، وأن جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فهذه الأمة هي الآخِرة في الزمان، السابقة يوم القيامة، وأول من يدخل الجنة.

ومن شرف هذه الأمة أنها تشهد يوم القيامة للأنبياء بأنهم بلّغوا أممهم الرسالة، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم عليها شهيدًا. ومن شرفها أيضًا أن الله تكفّل بحفظ كتابها من التحريف والتبديل، بخلاف الكتب السابقة التي وُكل حفظها إلى أهلها فحرّفوها. وقد حفظ الله الوحي بقسميه: القرآن المتلوّ، والسنة المطهرة.

ويحث الشيخ على أن تكون هذه النعمة دافعًا للاتباع والتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم علمًا وعملًا ودعوة، والصبر على ما يلقاه المرء في سبيل ذلك، حتى نكون أهلًا لشفاعته عليه الصلاة والسلام.

قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

المحور الخامس: رؤيا القليب وفضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

يشرح الشيخ الحديث الثاني في الباب، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أنه على قليب، والقليب هو البئر، ينزع منه الماء ويسقي الناس. ثم أخذ الدلو أبو بكر رضي الله عنه فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، ثم أخذه عمر رضي الله عنه فاستحال غَرْبًا، أي دلوًا عظيمًا.

ويبين الشيخ أن قوله «وفي نزعه ضعف» ليس طعنًا في أبي بكر رضي الله عنه، وإنما هو إشارة إلى قصر مدة خلافته. فقد انشغل فيها بإصلاح الجبهة الداخلية وقتال المرتدين ومانعي الزكاة، وثبت ثباتًا عظيمًا حتى أعاد الناس إلى الإسلام وحفظ الله به الدين.

أما عمر رضي الله عنه فطالت خلافته واتسعت فيها الفتوحات، فزالت في عهده دولة فارس، وانتشر الإسلام في الآفاق. ويتطرق الشيخ إلى عبقرية خالد بن الوليد رضي الله عنه العسكرية، وأن خططه في المعارك ما زالت تُدرَّس في الكليات الحربية إلى اليوم. ويحذّر من محاولات تشويه صورة الصحابة رضي الله عنهم والطعن فيهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، فَنَزَعْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَنْزِعَ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ حَوْلَهُ بِعَطَنٍ» [رواه البخاري]

النقاط الرئيسية

  • مشيئة الله تعالى نافذة في كل شيء، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
  • الدعاء هو العبادة، ولا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
  • لكل نبي دعوة مستجابة، وقد ادّخر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة، رحمةً بها.
  • للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات متعددة: الشفاعة العظمى، والشفاعة في دخول الجنة، والشفاعة في إخراج أهل الكبائر من الموحدين من النار.
  • دخول الجنة برحمة الله تعالى، وتفاوت الدرجات فيها بحسب الأعمال.
  • هذه الأمة أمة وسط، تشهد على الأمم يوم القيامة، وقد تكفّل الله بحفظ كتابها وسنة نبيها.
  • رؤيا القليب تتضمن إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيها بيان فضلهما وعظيم أثرهما في الإسلام.

الفوائد والعبر

  • تفويض الأمور كلها إلى الله، مع الأخذ بالأسباب، والرضا بما قدّره الله، فإن ذلك يورث الطمأنينة وراحة القلب.
  • الحرص على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته، ليكون المسلم أهلًا لشفاعته يوم القيامة.
  • ملازمة الصحبة الصالحة ومجالس العلم وصلاة الجماعة، فإن المؤمنين يشفع بعضهم في بعض يوم القيامة بإذن الله.
  • عدم الاغترار بالعمل والاتكال عليه، بل التسديد والمقاربة، مع رجاء رحمة الله وخوف عقابه.
  • محبة الصحابة رضي الله عنهم، ومعرفة فضل الخلفاء الراشدين، والدفاع عنهم، ومعرفة جهودهم في حفظ الدين ونشره.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات