شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(8) للشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

4,618 مشاهدة
304 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثامن من سلسلة شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويلقيه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والكتاب من أهم ما كُتب في بيان طريقة الحكم وإدارة شؤون الناس على هدي الكتاب والسنة. وقد بناه مؤلفه على آيتين من سورة النساء: آية أداء الأمانات والحكم بالعدل، وآية طاعة الله ورسوله وأولي الأمر.

وتأتي أهمية هذا الكتاب من أن صلاح الأمة متوقف على صلاح الراعي والرعية معًا. فالولاية في الإسلام أمانة يُسأل عنها صاحبها يوم القيامة، وليست تشريفًا أو مغنمًا. وطاعة ولاة الأمر في المعروف من الدين، وهي سبيل لحفظ الجماعة ومنع الفرقة والفتن.

ويهدف هذا الدرس، وهو امتداد لما سبقه من دروس السلسلة، إلى ترسيخ فهم الأصول التي يقوم عليها الكتاب، وربط مسائله بالأدلة الشرعية، حتى يدرك طالب العلم مقاصد الشريعة في الولايات والأموال والحدود والحقوق، ويطبق هذه المعاني في حياته وفي مسؤوليته.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الأساس القرآني للسياسة الشرعية

أقام شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه على آيتين من سورة النساء. الأولى خطاب لولاة الأمور يأمرهم بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل. والثانية خطاب للرعية يأمرهم بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم، ورد ما يتنازعون فيه إلى الكتاب والسنة.

وبهذا يتبين أن السياسة الشرعية علاقة متبادلة: على الراعي أداء الأمانة والعدل، وعلى الرعية السمع والطاعة في المعروف. وتبقى المرجعية العليا عند التنازع لشرع الله تعالى.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58].

وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].

المحور الثاني: الولايات أمانة واختيار الأصلح

قرر المؤلف أن من أداء الأمانات أن يولي ولي الأمر على كل عمل أصلح من يجده له. فلا يقدم أحدًا لقرابة أو محاباة أو هوى، لأن ذلك خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين.

وبين أن الولاية تقوم على ركنين هما القوة والأمانة. والقوة في كل ولاية بحسبها: ففي الحرب شجاعة القلب والخبرة بالقتال، وفي الحكم بين الناس العلم بالعدل والقدرة على تنفيذه. فإن لم يجتمع الوصفان في شخص واحد قُدم الأنسب لمصلحة تلك الولاية.

قال رسول الله ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قِيلَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» [رواه البخاري].

المحور الثالث: الأموال العامة وحفظها

من أبواب الأمانة التي فصلها الكتاب أمانة الأموال، كالغنائم والصدقات والفيء. وعلى ولي الأمر أن يأخذها من وجوهها المشروعة ويصرفها في مصارفها التي حددها الشرع، دون ظلم أو استئثار.

والمال العام ليس ملكًا للحاكم يتصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه، وإنما هو فيه أمين ووكيل ونائب. والظلم في الأموال قد يقع من الولاة ومن الرعية، والواجب على الجميع العدل والتعاون على البر والتقوى.

المحور الرابع: المسؤولية المشتركة بين الراعي والرعية

عنوان الكتاب «إصلاح الراعي والرعية» يدل على أن الإصلاح لا يتم من طرف واحد. فكل مسلم راعٍ فيما استُرعي فيه، ومسؤول عنه أمام الله، من الإمام الأعظم إلى رب الأسرة.

قال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].

النقاط الرئيسية

  • كتاب «السياسة الشرعية» مبني على آيتي سورة النساء في أداء الأمانات وطاعة أولي الأمر.
  • الولاية أمانة ومسؤولية، وليست مغنمًا ولا تشريفًا.
  • الواجب تولية الأصلح لكل عمل، وتقديم غيره لقرابة أو هوى خيانة.
  • القوة والأمانة ركنا الولاية، والقوة في كل ولاية بحسبها.
  • الأموال العامة أمانة تؤخذ بحقها وتصرف في مصارفها الشرعية.
  • طاعة ولاة الأمر في المعروف واجبة، ويُرد التنازع إلى الكتاب والسنة.
  • إصلاح المجتمع مسؤولية مشتركة بين الراعي والرعية.

الفوائد والعبر

  • استشعار عظم الأمانة في كل مسؤولية يتولاها المسلم، صغيرة كانت أو كبيرة، في العمل أو الأسرة أو المجتمع.
  • اعتماد الكفاءة والأمانة عند اختيار الأشخاص للمهام، والبعد عن المحاباة والمجاملة.
  • الحرص على المال العام والتورع عنه، لأنه حق مشترك للمسلمين.
  • لزوم الجماعة والسمع والطاعة في المعروف، والبعد عن أسباب الفتنة والفرقة.
  • رد المسائل المختلف فيها إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، والعناية بكتب أهل العلم المحققين.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات