شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(3) للشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,839 مشاهدة
230 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثالث من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. أُلقي الدرس يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر رجب سنة 1439هـ، الموافق للعاشر من أبريل سنة 2018م. ويتناول بابًا من أهم أبواب الكتاب، وهو اجتماع القوة والأمانة في من يتولى أمور المسلمين، وكيف يُختار الأصلح لكل ولاية إذا لم يوجد الرجل الكامل الذي تجتمع فيه الصفتان.

وتأتي أهمية هذا الموضوع من أن إصلاح أحوال الأمة يقوم على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. فالولايات أمانات، ولكل ولاية صفات تناسبها. فما يُطلب في إمارة الحرب غير ما يُطلب في حفظ الأموال، وما يُطلب في القضاء غير ما يُطلب في جباية المال. ويستشهد الشيخ على ذلك بسيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين في اختيار الولاة والأمراء.

ومن أهداف الدرس أن يفهم المشاهد قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد في اختيار الولاة، وأن يعرف معنى «الضعف» الذي يمنع من الإمارة، وحكمة الجمع بين الشدة واللين في القيادة. كما يبيّن الدرس أن المقصود الأعظم من الولايات إصلاح دين الخلق، وأن الصلاة هي أهم ما يُعتنى به.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: قلة اجتماع القوة والأمانة وتقديم الأصلح لكل ولاية

يقرر شيخ الإسلام أن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل. فكثيرًا ما يكون الرجل قويًا غير أمين، أو أمينًا غير قوي، أما أن تجتمع الصفتان في شخص واحد فهذا عزيز نادر. ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «اللهم أشكو إليك جَلَدَ الفاجر وعجزَ الثقة». ومعنى ذلك أنه يشكو إلى الله قوة الفاجر وجرأته، وضعف الأمين التقي وعجزه.

والواجب في كل ولاية أن يُقدَّم الأصلح لها بحسبها. فإذا تعيّن رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررًا فيها. ففي إمارة الحروب يُقدَّم الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا، لأن قوته وشجاعته تعودان بالنفع على المسلمين، أما فجوره فيعود على نفسه.

وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: «أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر». ونبّه الشيخ إلى أن المراد بالفجور هنا ما يقع من المعاصي في خاصة النفس، وليس المراد الخيانة في الدين أو الكفر.

ومن الأدلة على ذلك قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (رواه البخاري)، وفي رواية: «وَبِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ». فإذا لم يكن الرجل فاجرًا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يقم ذاك مقامه.

المحور الثاني: هدي النبي ﷺ وخلفائه في تولية الأمراء

كان النبي ﷺ يستعمل خالد بن الوليد رضي الله عنه على الحرب منذ أسلم، وقال فيه: «إِنَّ خَالِدًا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ». ومع ذلك كان أحيانًا يعمل ما ينكره النبي ﷺ. فلما بعثه إلى بني جذيمة قالوا: «صبأنا صبأنا» ولم يحسنوا أن يقولوا «أسلمنا»، فقتلهم وأسرهم وأمر كل رجل بقتل أسيره، فامتنع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وبعض الصحابة عن ذلك. فرفع النبي ﷺ يديه إلى السماء وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ»، ثم ودى قتلاهم وضمن أموالهم. ومع هذا لم يزل يقدّمه في إمارة الحرب لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وكان فعله ذلك عن تأويل وشبهة في حال الحرب.

أما أبو ذر رضي الله عنه فكان أصلح من خالد في الأمانة والصدق، ومع هذا قال له النبي ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» (رواه مسلم). وبيّن الشيخ أن الضعف المقصود هنا ليس ضعفًا في الأمانة ولا في الدين، وإنما هو ضعف في الرأي والسياسة والدهاء ومداراة الناس على اختلاف عقولهم وطباعهم، وهي أمور تحتاج إليها الإمارة.

وأمّر النبي ﷺ عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل ليتألف أقاربه، مع أن في الجيش من هو أفضل منه، وأمّر أسامة بن زيد رضي الله عنهما ليأخذ بثأر أبيه. فكان ﷺ يولّي الرجل للمصلحة الراجحة وإن كان مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان. وكذلك استعمل أبو بكر الصديق رضي الله عنه خالدًا في حرب أهل الردة وفتوح العراق والشام، ولم يعزله مع ما وقع منه من هفوات كان له فيها تأويل، بل عاتبه عليها، لأن مصلحة بقائه كانت أرجح من مفسدة عزله.

المحور الثالث: الاعتدال بين الشدة واللين في الولاية

يقرر شيخ الإسلام أن المتولي الكبير إذا كان خُلُقه يميل إلى الشدة فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى اللين، وإذا كان خُلُقه يميل إلى اللين فينبغي أن يكون خُلُق نائبه يميل إلى الشدة، حتى يعتدل الأمر. ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه، وهو لين، يستنيب خالدًا وهو شديد. وكان عمر رضي الله عنه، وهو شديد، يستنيب أبا عبيدة بن الجراح وهو لين. فكان الأصلح لكل منهما أن يولّي من يكمّله، فيعتدل الأمر، وبذلك كانوا خلفاء رسول الله ﷺ الذي كان معتدلًا جامعًا للخير كله.

ومن ذلك قوله ﷺ: «أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَأَنَا نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ». فالأمير إذا كان لينًا فقط ضعفت هيبته، وإذا كان شديدًا فقط تضرر الناس به وأُهينوا. وقد وصف الله المؤمنين بالجمع بين الصفتين فقال: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، وقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. ونبّه الشيخ إلى مخالفة الخوارج لهذا الأصل، فهم شديدون على أهل السنة لينون مع أعداء الدين.

ولما تولى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما الخلافة صارا كاملين في الولاية معتدلين، بعد أن كان كل واحد منهما يميل إلى أحد الطرفين في حياة النبي ﷺ. وقد قال النبي ﷺ فيهما: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ». فظهر من أبي بكر بعد موت النبي ﷺ من الشدة والثبات ما لم يُعهد منه، ومن ذلك قتاله مانعي الزكاة، وإنفاذه جيش أسامة مع ارتداد العرب وخوف الناس. وظهر من عمر بعد ولايته من اللين والرحمة ما لم يُعهد منه.

المحور الرابع: معرفة الأصلح في الولايات المالية والقضائية

إذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قُدِّم الأمين، كما في حفظ الأموال. أما استخراج الأموال وحفظها معًا فلا بد فيه من القوة والأمانة. فيُولّى عليها شادٌّ قوي يستخرج المال بقوته، وكاتب أمين يحفظه بخبرته وأمانته. وإذا لم تتم المصلحة برجل واحد جُمع بين عدد من الرجال، فيُعطى لكل واحد ما يحسنه.

وفي ولاية القضاء يُقدَّم الأعلم الأورع الأكفأ. فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قُدِّم الأورع فيما قد يظهر حكمه ويُخاف فيه الهوى، وقُدِّم الأعلم فيما يدق حكمه ويُخاف فيه الاشتباه. وذكر الشيخ حديث «إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات»، ونبّه إلى أنه حديث ضعيف. ويُقدَّم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من حاجته إلى مزيد العلم والورع. فالقاضي المطلوب أن يكون عالمًا عادلًا قادرًا.

ويجوز عند الضرورة تولية غير الأهل إذا كان أصلح الموجودين، ويجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه. وهذا كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه وإن لم يُطالب به في الحال، وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة في وقت العجز عنه، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

المحور الخامس: مقصود الولايات إصلاح دين الخلق، وأعظمه الصلاة

المهم في هذا الباب معرفة الأصلح، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق تحقيقه. وكانت السنة أن الذي يصلي بالمسلمين هو أمير الحرب. فكان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا على حرب كان هو الذي يؤم أصحابه في الصلاة، وكذلك من استعمله على البلاد، كعتّاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، ومعاذ بن جبل وأبي موسى على اليمن. وكان ﷺ إذا عاد مريضًا قال: «اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَشْهَدُ لَكَ صَلَاةً، وَيَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا».

ولما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: «يا معاذ، إن أهم أمرك عندي الصلاة». وكان عمر رضي الله عنه يكتب إلى عماله: «إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها من عمله أشد إضاعة». وذلك لقوله ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ». والصلاة هي التي تعين الناس على ما سواها، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132].

والمقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق، الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا. ويدخل في ذلك إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر الدنيا، وهو نوعان: قسم المال بين مستحقيه، وعقوبة المعتدين. فمن لم يعتدِ صلح له دينه ودنياه. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58].

النقاط الرئيسية

  • اجتماع القوة والأمانة في شخص واحد قليل، والواجب تقديم الأصلح لكل ولاية بحسبها، وهو أنفعهما وأقلهما ضررًا.
  • في إمارة الحرب يُقدَّم القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الصالح الضعيف، لأن قوته للمسلمين وفجوره على نفسه.
  • الضعف الذي يمنع من الإمارة هو ضعف الرأي والسياسة والتدبير، لا ضعف الدين والأمانة، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه.
  • كان النبي ﷺ يولّي الرجل للمصلحة الراجحة وإن وُجد من هو أفضل منه في العلم والإيمان.
  • الاعتدال بين الشدة واللين أصل في الولاية، ويُكمَّل الأمير بنائب يخالفه في طبعه حتى يعتدل الأمر.
  • في القضاء يُقدَّم الأورع فيما يُخاف فيه الهوى، والأعلم فيما يُخاف فيه الاشتباه، والأكفأ فيما يحتاج إلى القوة والتنفيذ.
  • المقصود الأعظم من الولايات إصلاح دين الخلق، وأهم ذلك إقامة الصلاة، ثم إصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من قسم المال وعقوبة المعتدين.

الفوائد والعبر

  • عند تكليف أحد بمسؤولية في عمل أو مؤسسة أو جماعة، يُنظر إلى ما يناسب تلك المسؤولية بعينها، لا إلى الصلاح العام وحده.
  • الصالح الذي لا يحسن التدبير ينبغي أن يعرف حدّه فلا يطلب ما لا يحسنه، اقتداءً بنصيحة النبي ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه.
  • على المسؤول أن يختار من الأعوان من يكمّل نقصه، فإن كان شديدًا استعان باللين، وإن كان لينًا استعان بالحازم.
  • الضرورة لا تُسقط واجب السعي إلى الكمال، فيُعمل بالموجود مع الاجتهاد في إعداد الأكفاء وإصلاح الأحوال.
  • ينبغي أن تكون الصلاة أهم أمور المسلم في نفسه وأهله ومن تحت يده، فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات