شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(12) للشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,524 مشاهدة
248 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس الثاني عشر من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والكتاب من أهم ما صُنِّف في بيان واجبات ولاة الأمر تجاه الرعية، وواجبات الرعية تجاه دينها وولاتها، على ضوء الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.

يتناول هذا الدرس فصلًا من فصول الحدود والحقوق التي لله تعالى، وهو باب الجهاد في سبيل الله: منزلته في الدين، وفضائله، وضوابطه الشرعية التي تحكمه، وبيان من يُقاتَل ومن لا يجوز قتاله، وحكم الطوائف الممتنعة عن شرائع الإسلام الظاهرة كمانعي الزكاة والخوارج، ثم ينتقل إلى واجب ولي الأمر في إلزام الرعية بالواجبات، وفي مقدمتها الصلاة.

ومن أهداف هذا الدرس: فهم الجهاد فهمًا شرعيًا منضبطًا بعيدًا عن التفريط الذي يُسقِط هذه الشعيرة، والإفراط الذي يمارسه الغلاة والخوارج. ويتبيّن من خلاله أن هذه الأحكام منوطة بولاة الأمر ومحكومة بقيود الشريعة، ومنها تحريم قتل غير المقاتلين، والتحذير من الخروج على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: منزلة الجهاد في الدين ووجوبه وذم المتخلّفين عنه

يبيّن شيخ الإسلام أن الله تعالى مكّن لأهل الإيمان ليقيموا دينه، فوصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن خالف شريعة الله وامتنع عنها، وجب على المسلمين، ممثَّلين في ولاة أمرهم، أن يقوموا بما شرعه الله في حقه.

وقد أكّد الله تعالى الأمر بالجهاد في السور المدنية، وذمّ التاركين له ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب، وجعل تقديم محبة الأهل والأموال والتجارات والمساكن على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله سببًا للوعيد.

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]

المحور الثاني: فضائل الجهاد والرباط في الكتاب والسنة

ينقل الشيخ عن ابن تيمية أن الأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من أن يُحصى، ولهذا كان باتفاق العلماء من أفضل ما تطوّع به الإنسان، وفضّلوه على الحج والعمرة وصلاة التطوع وصوم التطوع، وجعله النبي ﷺ ذروة سنام الإسلام.

ويعلّل شيخ الإسلام هذا التفضيل بأن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، وأنه مشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة من محبة الله والإخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد. والقائم به دائر بين إحدى الحسنيين: النصر والظفر، أو الشهادة والجنة.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 10-11]

قال ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» [رواه الترمذي]

وقال ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [رواه البخاري]

وقال ﷺ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» [رواه البخاري]

وقال ﷺ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» [رواه مسلم]

وقال ﷺ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [رواه الترمذي]

المحور الثالث: مقصود الجهاد وضوابطه: من يُقاتَل ومن لا يُقاتَل

يقرّر شيخ الإسلام أن مقصود القتال المشروع أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا. ولذلك فالقتال إنما يكون لمن يقاتل المسلمين ويصدّ عن دين الله. أما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان والرهبان والشيخ الكبير والأعمى والزَّمِن ونحوهم، فلا يُقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله. ورجّح شيخ الإسلام هذا القول وعدّه الصواب.

ويبيّن أن الله أباح من القتل ما يُحتاج إليه لصلاح الخلق، لأن فتنة الكفر والصدّ عن سبيل الله أعظم فسادًا من القتل. فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم يكن ضرر كفره إلا على نفسه. ومن هذا الباب قال الفقهاء: إن الداعية إلى البدعة يُعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت، لأن الخطيئة إذا ظهرت ولم تُنكَر ضرّت العامة. أما أهل الكتاب والمجوس فيُقاتَلون حتى يُسلموا أو يعطوا الجزية، والأسير يُخيَّر فيه الإمام بما هو أصلح من المنّ أو الفداء أو غير ذلك.

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]

ومرّ النبي ﷺ على امرأة مقتولة فقال: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ»، ثم قال لأحدهم: «الْحَقْ خَالِدًا فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلُوا ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا» [رواه أبو داود]

وفي الحديث: «إِنَّ الْخَطِيئَةَ إِذَا أُخْفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا، وَلَكِنْ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ»

المحور الرابع: قتال الطوائف الممتنعة عن الشرائع الظاهرة والتحذير من الخوارج

يبيّن شيخ الإسلام أن كل طائفة ممتنعة ذات شوكة، منتسبة إلى الإسلام، تمتنع عن بعض شرائعه الظاهرة المتواترة، يجب على ولي الأمر قتالها باتفاق المسلمين حتى يكون الدين كله لله. والأصل في ذلك قتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه والصحابة لمانعي الزكاة، بعد مناظرة عمر رضي الله عنه له، حتى شرح الله صدر عمر لما شرح له صدر أبي بكر.

ويستشهد بالأحاديث المتواترة في الخوارج الذين وصفهم النبي ﷺ بأنهم حُدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. وقد قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين خرجوا عن الجماعة واستحلّوا دماء المسلمين وأموالهم. وفي هذا تحذير بالغ من منهج الغلو والتكفير الذي يستبيح دماء المسلمين باسم الدين.

ثم يقسّم الجهاد إلى نوعين: جهاد الطلب الذي يأمر به ولي الأمر ابتداءً، وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين. وجهاد الدفع إذا هجم العدو على بلاد المسلمين، وهو دفع عن الدين والحرمة والأنفس، فيجب على المقصودين وعلى من يستطيع نصرتهم بحسب الإمكان، كما كان الحال يوم الخندق.

قال ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [متفق عليه]

وقال أبو بكر رضي الله عنه: «وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا» [متفق عليه]

وقال ﷺ في الخوارج: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» [متفق عليه]

وقال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95]

وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72]

المحور الخامس: واجب ولي الأمر في إلزام الرعية بالواجبات وعلى رأسها الصلاة

ينتقل شيخ الإسلام إلى غير الممتنعين من أهل ديار الإسلام، فيقرّر أنه يجب إلزامهم بالواجبات التي هي مباني الإسلام الخمس، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود في المعاملات. فمن كان لا يصلي من الرجال والنساء أُمِر بالصلاة، فإن امتنع عوقب بإجماع العلماء حتى يصلي، وأكثرهم يوجبون قتله بعد الاستتابة إذا أصرّ، وهذه عقوبة من شأن القضاء وولي الأمر لا من شأن آحاد الناس.

واختلف العلماء: هل يُقتل تارك الصلاة كافرًا أو فاسقًا؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد وغيره، والمنقول عن أكثر السلف يقتضي الكفر، وهذا مع إقراره بوجوبها. أما الجاحد لوجوبها فكافر باتفاق. ويجب على أولياء الأمور أمر الصبيان بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر، وتعليمهم ما تحتاج إليه الصلاة من الطهارة، وتعاهد المساجد وأئمتها، وأمرهم بأن يصلوا بالناس صلاة رسول الله ﷺ.

قال ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» [رواه أبو داود]

وقال ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [رواه البخاري]

النقاط الرئيسية

  • الجهاد ذروة سنام الإسلام، وفضّله العلماء على نوافل الحج والعمرة والصلاة والصيام لعموم نفعه.
  • مقصود الجهاد الشرعي أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، لا العدوان ولا الأهواء.
  • لا يجوز قتل غير المقاتلين كالنساء والصبيان والرهبان والشيوخ والعجزة إلا إذا قاتلوا بقول أو فعل.
  • الطوائف الممتنعة عن الشرائع الظاهرة يقاتلها ولي الأمر، كما قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة.
  • الخوارج طائفة مارقة تستحل دماء المسلمين، وقد حذّر منهم النبي ﷺ وقاتلهم علي رضي الله عنه.
  • جهاد الطلب فرض كفاية يأمر به ولي الأمر، وجهاد الدفع واجب على المقصودين بحسب الإمكان.
  • يجب على ولاة الأمور إلزام الرعية بالصلاة وسائر الواجبات، وتعليم الصبيان الصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر.

الفوائد والعبر

  • التوازن في فهم الجهاد: الجهاد عبادة عظيمة لها أحكامها وضوابطها، فلا يُسقَط بالتفريط ولا يُحرَّف بالغلو، ومردّه إلى العلماء الراسخين وولاة الأمر لا إلى اجتهادات الأفراد والجماعات.
  • الحذر من فكر الخوارج: كثرة العبادة وقراءة القرآن لا تعصم صاحبها إذا فارق الجماعة واستحلّ دماء المسلمين، فالعبرة بالعلم الصحيح ومنهج السلف.
  • تعظيم الصلاة: الصلاة عمود الدين، وتركها من أعظم الذنوب حتى عدّه أكثر السلف كفرًا، فليحرص المسلم على المحافظة عليها وأدائها كما صلّاها رسول الله ﷺ.
  • مسؤولية التربية: على الآباء والأمهات أمر أولادهم بالصلاة منذ السابعة وتعليمهم الطهارة وأحكامها، فهذا من تمام الرعاية التي يُسأل عنها كل راعٍ.
  • إصلاح النفس طريق إصلاح المجتمع: الخطيئة إذا ظهرت ولم تُنكر عمّ ضررها، فعلى المسلم أن يستتر بذنبه ويتوب منه، وأن يتعاون مع غيره على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات