شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(7) للشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

2,721 مشاهدة
145 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس بابًا عظيمًا من أبواب الولاية والحكم، وهو باب «الحدود والحقوق» الذي يتفرّع عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. ويركّز على القسم الأول منه، وهو حدود الله وحقوقه التي ليست لقوم معيّنين بل منفعتها لعموم المسلمين.

ويبيّن الشيخ أن إقامة الحدود واجبة على ولاة الأمر يبحثون عنها ويقيمونها ولو لم يطالب بها أحد. ولا يحلّ تعطيلها بشفاعة ولا هدية ولا مال. ويشرح خطورة الشفاعة في الحدود، وفداحة أخذ الأموال لإسقاطها، وأثر ذلك في فساد المجتمعات وسقوط هيبة الولاة.

ويهدف هذا الدرس إلى أن يعرف المشاهد منزلة الحدود في الشريعة، والفرق بين العفو عن الحد قبل بلوغه السلطان وبعده، وضوابط الشفاعة الحسنة والسيئة. كما يبيّن صلة إقامة الحدود بأمن البلاد وصلاح العباد ونزول البركات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الحكم بالعدل وأقسام الحدود والحقوق

ينطلق الشرح من الأمر الإلهي بالعدل لكل من يحكم بين الناس، قاضيًا كان أو واليًا أو حتى حكَمًا بين اثنين. فالعدل فريضة على كل من تولّى الحكم في أي شأن.

ثم يقسّم شيخ الإسلام هذا الباب إلى قسمين: الأول الحدود والحقوق التي ليست لقوم معيّنين، وهي «حدود الله» و«حقوق الله»، كحدّ قطّاع الطريق والسرّاق والزناة ونحوهم، وكالحكم في الأموال السلطانية والوقوف والوصايا التي ليست لمعيّن. والثاني الحقوق التي لآحاد الناس. فالقسم الأول من أهم أمور الولايات، به تأمن البلاد ويُجاهد العدو وتُقسم الأموال بالحق.

وهذا القسم يجب على الولاة أن يبحثوا عنه ويقيموه من غير دعوى أحد. فلا ينتظرون مطالبة صاحب حق، لأن الحق فيه لله ولعموم المسلمين.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

المحور الثاني: تحريم الشفاعة في الحدود والمساواة في إقامتها

يقرّر الشيخ أن الحد إذا ثبت وجبت إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف. ولا يحلّ تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما. ومن عطّله لذلك وهو قادر على إقامته فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا.

واستدلّ بقصة المرأة المخزومية التي سرقت، فأهمّ قريشًا شأنها، فشفع فيها أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله ﷺ. فغضب النبي ﷺ وأنكر عليه، وبيّن أن هلاك الأمم السابقة كان بالمحاباة في إقامة الحدود. ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين فاطمة رضي الله عنها، وقد برّأها الله من ذلك، ليبيّن أن الحد لا يحابي أحدًا كائنًا من كان.

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ حُبِسَ فِي رَدْغَةِ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» [رواه أبو داود].

وقال ﷺ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟! إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [متفق عليه].

المحور الثالث: العفو قبل بلوغ الحد إلى السلطان، والشفاعة الحسنة والسيئة

يبيّن الشيخ أن الناس يجوز لهم أن يتعافوا الحدود فيما بينهم قبل أن تُرفع إلى ولي الأمر. فإذا بلغته وجبت إقامتها ولم يجز العفو عنها. ودليل ذلك قصة صفوان بن أمية لمّا سُرق رداؤه، ثم أراد أن يهبه للسارق بعد رفعه إلى النبي ﷺ.

ويقرّر أن الشفاعة نوعان. فالشفاعة الحسنة ما كانت إعانة على البر والتقوى ومصلحة مشروعة، ولصاحبها نصيب منها. والشفاعة السيئة ما كانت في إسقاط حق أو تعطيل حد أو إعانة على إثم، ولصاحبها كِفْل منها. والميزان في ذلك موافقة أمر الله ونهيه.

وتعرّض أيضًا لآية المحاربة. فالمحاربون الذين يتوبون قبل القدرة عليهم يسقط عنهم الحد، أما بعد القدرة عليهم فلا يسقط عنهم. ومن تمام التوبة ردّ الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين.

قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ۖ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: 85].

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 33-34].

وقال ﷺ لصفوان: «فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» [رواه أبو داود والنسائي]. وقال ﷺ: «تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» [رواه أبو داود والنسائي].

المحور الرابع: بركة إقامة الحدود وأثرها في صلاح المجتمع

يوضّح الشيخ أن المعاصي سبب لنقص الأرزاق وتسلّط الأعداء، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة. فإذا أُقيمت الحدود ظهرت طاعة الله وقلّت المعاصي، فحصل الرزق والنصر، وارتفع شأن الطاعة وانقمع أهل الفساد والفجور.

ولهذا كان حدٌّ واحد يُقام في الأرض خيرًا لأهلها من مطر يدوم أربعين صباحًا. وإقامة الحدود رحمة بالعباد وحفظ لدينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

قال رسول الله ﷺ: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» [رواه النسائي وابن ماجه].

المحور الخامس: تحريم أخذ المال لتعطيل الحدود، وأنه من السُّحت

يقرّر شيخ الإسلام أن أخذ المال من السارق أو الزاني أو شارب الخمر أو قاطع الطريق ونحوهم لإسقاط الحد سحتٌ خبيث. ومن فعل ذلك جمع بين فسادين عظيمين: تعطيل حدّ الله، وأكل المال الحرام.

واستدل بحديث العسيف الذي زنى بامرأة مستأجِره، فافتدى أبوه منه بمائة شاة وخادم. فقضى النبي ﷺ بردّ المال وإقامة الحد، ولم يأخذ المال لبيت مال المسلمين. ونقل إجماع المسلمين على أن تعطيل الحد بمال لا يجوز، وأن المال المأخوذ لذلك سحت خبيث.

وبيّن أن هذا من أعظم أسباب فساد البوادي والقرى والأمصار، وسقوط هيبة الولاة وحرمتهم في القلوب. فإذا ارتشى الوالي في تعطيل حدّ ضعفت نفسه عن إقامة حدّ آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين. ويدخل في هذا اللعن أيضًا من حمى المعتدين وآواهم، أو أعان على فتح أماكن الفجور والخمور مقابل المال.

قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63]. وقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42].

وقال ﷺ في حديث العسيف: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» [متفق عليه].

وقال ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» [رواه مسلم]. و«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» [رواه أبو داود والترمذي]. و«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» [متفق عليه].

النقاط الرئيسية

  • الحكم بالعدل فريضة على كل من حكم بين الناس، في الولايات العامة والخاصة.
  • حدود الله وحقوقه العامة يجب على ولاة الأمر البحث عنها وإقامتها ولو لم يدّعها أحد.
  • الحد إذا بلغ السلطان وجبت إقامته، ولا يجوز العفو عنه ولا الشفاعة فيه.
  • يُقام الحد على الشريف والوضيع سواء، والمحاباة فيه سبب لهلاك الأمم.
  • الشفاعة الحسنة ما أعانت على الحق، والشفاعة السيئة ما عطّلت حدًّا أو أسقطت حقًّا.
  • أخذ المال لتعطيل الحد سحت محرّم بالإجماع، يجمع بين تعطيل حكم الله وأكل الحرام.
  • إقامة الحدود سبب للأمن والرزق والنصر، وتعطيلها سبب للفساد وسقوط هيبة الولاة.

الفوائد والعبر

  • ليحذر المسلم أن يكون سببًا في تعطيل حكم من أحكام الله بجاهه أو ماله أو شفاعته، فمن فعل ذلك فقد ضادّ الله في أمره.
  • ليعرض شفاعته على ميزان الشرع قبل أن يبذلها، فيشفع في الخير وينأى عن الشفاعة في الباطل.
  • العدل والمساواة أساس صلاح المجتمعات، والمحاباة للأقوياء والوجهاء طريق الهلاك.
  • الكسب الحرام من رشوة وسحت سبب للعنة وزوال البركة، فليتحرَّ المسلم الحلال في كسبه.
  • الستر والتعافي فيما بين الناس مشروع قبل رفع الأمر إلى السلطان، وفيه باب للتوبة والإصلاح.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات