شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(2) للشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

3,606 مشاهدة
203 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدّمه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس أصلًا عظيمًا من أصول الحكم في الإسلام، وهو أن الولايات أمانة يجب أن تُؤدّى إلى أهلها، وأن على ولي الأمر أن يختار لكل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده له. ويقوم هذا الأصل على قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾.

يبيّن الشيخ أن هذا الواجب لا يقتصر على الحاكم الأعلى، بل يشمل كل من وُلِّي شيئًا من أمور الناس، من الوزراء والقضاة والأمراء والمديرين إلى أئمة المساجد والمؤذنين والمعلمين. ويحذّر من تقديم الناس بسبب القرابة أو الصداقة أو الحزبية أو المجاملة أو الرشوة، فذلك من خيانة الله ورسوله والمؤمنين.

ويهدف الدرس إلى أن يدرك المشاهد أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن يعرف ضوابط الشرع في اختيار الأكفأ، وحكم طلب الولاية، وصفتَي القوة والأمانة اللتين هما ركنا الولاية الصالحة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: وجوب تولية الأصلح ونزول آية الأمانات

يذكر شيخ الإسلام أن النبي ﷺ لما فتح مكة أخذ مفتاح الكعبة من بني شيبة، فطلبه منه عمه العباس رضي الله عنه ليجمع بين سقاية الحاج وسدانة البيت. فأنزل الله آية الأمانات، فردّ النبي ﷺ المفتاح إلى بني شيبة، وهم أهل هذه الولاية من قبل. فلم يقدّم ﷺ قرابته على أهل الحق.

ومن هنا وجب على ولي الأمر أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب. فالمدير يكون صالحًا للإدارة، والوزير صالحًا للوزارة، والمعلم صالحًا للتعليم، والمفتي صالحًا للفتوى. وكل من دونهم من المسؤولين عليه الواجب نفسه، فيختار أصلح الناس وأتقاهم لما تحت يده.

وأورد المصنف حديث: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ». وبيّن الشيخ أن رفعه إلى النبي ﷺ لا يصح، وأنه ثابت من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ».

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

المحور الثاني: النهي عن طلب الولاية والحرص عليها

لا يُقدَّم الرجل لأنه طلب الولاية أو سبق إلى طلبها، بل يكون طلبه سببًا لمنعه منها. فقد سأل قومٌ النبيَّ ﷺ الولاية فقال: «إِنَّا لَا نُوَلِّي أَمْرَنَا هَذَا مَنْ طَلَبَهُ». ونبّه الشيخ إلى أن طلب يوسف عليه السلام الولاية في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ كان في شريعة من قبلنا، ولحال خاصة به.

وقال ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا» (متفق عليه). وقال ﷺ: «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبِ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» (رواه أهل السنن).

وعلّق الشيخ على حال من يلهث وراء المناصب، فيتنازل عن دينه وقيمه في سبيلها. فإذا زال المنصب انصرف عنه الناس، وانقطعت عنه الاتصالات التي كانت تحيط به.

المحور الثالث: صور الخيانة في الولايات وعاقبتها

من عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره خان الله ورسوله والمؤمنين. ومن أسباب هذا العدول: القرابة، والولاء، والصداقة، والموافقة في البلد أو المذهب أو الطريقة أو الجنس، والرشوة، والضغينة على الأحق أو العداوة له. وهذا داخل فيما نهى الله عنه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 27-28].

فقد يحمل حبُّ الولد الرجلَ على أن يؤثره بالولايات بغير حق، وقد يحمله حبُّ المال على أخذ ما لا يستحق، أو على محاباة من يداهنه. ومن خان الأمانة رغبةً في أهله وماله عاقبه الله بنقيض قصده، فأذلّ أهله وأذهب ماله. ومن أدّى الأمانة وخالف هواه حفظه الله في أهله وماله.

وأورد المصنف قصة عمر بن عبد العزيز رحمه الله. قيل له في مرض موته: أفقرتَ أولادك وتركتهم بلا مال. فدعاهم، وكانوا بضعة عشر ذكرًا، فبكى ثم قال: «يا بَنِيَّ، والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم. وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فلا أُخلِّف له ما يستعين به على معصية الله». ثم رُئي بعضُ أولاده بعد ذلك يجهّز مائة فرس في سبيل الله. أما بعض أولاد خليفة آخر، فقد اقتسموا تركة أبيهم وأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ثم رُئي بعضهم يتكفّف الناس.

المحور الرابع: الولاية أمانة والراعي أجير ووكيل

دلّت السنة على أن الولاية أمانة يجب أداؤها. قال ﷺ لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا» (رواه مسلم). وقال ﷺ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» (رواه البخاري).

ونقل الشيخ عن العلامة ابن عثيمين رحمه الله أن تولي الولايات يقوم على أمرين: أمر سابق، وهو أن يكون المتولي أهلًا لها. وأمر لاحق، وهو أن يؤدي ما أوجب الله عليه فيها. فمن لم يكن أهلًا لم يحلّ له أن يتولاها. ومن كان أهلًا لكنه خاف ألا يعدل فلا ينبغي له أن يتولاها. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].

والوالي على الناس بمنزلة راعي الغنم والوصيّ على اليتيم، فعليه أن يتصرف بالأصلح فالأصلح، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. وقال ﷺ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه). وقال ﷺ: «مَا مِنْ رَاعٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».

ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية رضي الله عنه فقال: السلام عليك أيها الأجير. فلما أُنكر عليه قال: «إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت داويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وفّاك سيدها أجرك. وإن لم تفعل عاقبك سيدها». فالحكام ليسوا سادة والرعية ليسوا عبيدًا، وإنما هم رعاة لمصالح دين الناس ودنياهم. والولاة كذلك بمنزلة الوكلاء، فالوكيل الذي يبيع السلعة بأقل من ثمنها وهو يجد من يشتريها بأكثر قد خان صاحبها.

المحور الخامس: اختيار الأمثل فالأمثل وركنا الولاية: القوة والأمانة

إذا لم يوجد الأصلح الكامل لولايةٍ ما، اختير الأمثل فالأمثل بحسب كل منصب. فإن لم يوجد العالم المجتهد للفتوى قُدِّم أفضل الموجودين. وإن لم يكن في جماعة المصلين حافظٌ قُدِّم أحسنهم قراءة، ولو كان أقلّ ما عنده أنه يقرأ الفاتحة صحيحة بلا لحن. ومن اجتهد في ذلك اجتهادًا تامًّا فقد أدّى الأمانة، وكان من أئمة العدل والمقسطين عند الله.

قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: 84]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]. وقال ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (متفق عليه).

أما العاجز عن أداء الأمانة فيُستبدل به غيره، وأما الخائن فيُعزل ويُعاقب. وينبغي معرفة الأصلح في كل منصب، فالولاية لها ركنان: القوة والأمانة. والمراد أن يكون المتولي قويًّا على العمل الذي يُسند إليه، أمينًا فيه، فلا تكفي القوة وحدها ولا الأمانة وحدها. قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].

النقاط الرئيسية

  • الولايات أمانة، ويجب على كل مسؤول أن يولّي أصلح من يجده لكل عمل.
  • تقديم الناس بسبب القرابة أو الصداقة أو الحزبية أو الرشوة خيانة لله ورسوله والمؤمنين.
  • طلب الولاية والحرص عليها سبب للمنع منها، ومن أُعطيها عن غير مسألة أُعين عليها.
  • من خان الأمانة طلبًا لمصلحة أهله وماله عاقبه الله بنقيض قصده، ومن أدّاها حفظه الله في ذريته.
  • الحاكم أجير ووكيل عن الأمة، وليس سيدًا مالكًا لها.
  • عند تعذّر الأصلح الكامل يُختار الأمثل فالأمثل، والتكليف بحسب الاستطاعة.
  • ركنا الولاية الصالحة هما القوة والأمانة، ولا يكفي أحدهما دون الآخر.

الفوائد والعبر

  • كل إنسان راعٍ فيما تحت يده، من الأسرة إلى العمل، فليتقِ الله في اختيار من يستعين بهم.
  • المنصب تكليف ومسؤولية أمام الله يوم القيامة، فلا ينبغي التنازل عن الدين والقيم من أجله.
  • تقوى الله وأداء الأمانة خير ما يُترك للذرية، كما فعل عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
  • على المسلم أن يبذل جهده كاملًا في أداء ما وُكِّل إليه، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.
  • وضع الرجل المناسب في المكان المناسب سبيل لصلاح المجتمع، وإضاعة ذلك من علامات الساعة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات