شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(10) للشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.

3,125 مشاهدة
94 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العاشر من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويشرحه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. أُلقي الدرس بعد صلاة العشاء ليلة السبت السادس من شهر ذي القعدة سنة 1439هـ، الموافق 28 يوليو 2018م. يكمل الشيخ فيه الكلام على الحدود الشرعية، فيشرح حدّ السرقة وشروطه وأحكامه، ثم حدّ الزنا وطرق إثباته وشروط الإحصان، ثم عقوبة فاحشة قوم لوط.

للموضوع أهمية كبيرة، لأن الحدود من أعظم ما تُحفظ به الضرورات الخمس من الدين والنفس والعِرض والمال والعقل. وقد كثرت في زماننا الشبهات حولها، ووصفها بعض الطاعنين بالقسوة والوحشية. ويبيّن الدرس أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده، وأنها من جنس الجهاد في سبيل الله، وأن نية الوالي في إقامتها يجب أن تكون إصلاح الخلق وليس الانتقام منهم.

ومن أهداف الدرس أن يعرف المشاهد شروط القطع في السرقة كالنصاب والحِرز، ويفرّق بين السارق وبين المنتهب والمختلس والخائن، وأن يعرف حدّ الزاني المحصن وغير المحصن وكيف يثبت الحد، وأن يدرك مقاصد الشريعة وحِكَمها في هذه العقوبات.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: حدّ السرقة ووجوب إقامته

يقرر شيخ الإسلام أن السارق تُقطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع، إذا أخذ مالًا محفوظًا في حِرزه خُفيةً وبلغ نصابًا، كمن يأخذ مالًا وضعه صاحبه في جيبه أو في دُرجه أو في مكان محفوظ. والتوبة باب مفتوح، والله يتوب على من تاب وأصلح. لكن إذا بلغ الحدُّ وليَّ الأمر وثبت بالبيّنة أو الإقرار وجب عليه أن يقيمه، ولا يجوز أن يعطّله بحبس أو بمالٍ يُفتدى به.

والحد يقام في كل وقت، ولا يُؤخَّر لأجل الأشهر الحُرُم ولا غيرها من الأوقات المعظّمة. ويرى الشيخ أن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله، فالوالي الذي يقيمها كأنه مجاهد في سبيل الله، وبها تُصان أموال المسلمين وتنقطع جرأة المجرمين.

ويُسنّ أن تُحسم اليد بعد القطع حتى لا ينزف الدم، ويُستحب أن تُعلَّق في عنق السارق ليكون ذلك أبلغ في الزجر. فإن سرق ثانيةً قُطعت رجله اليسرى. وإن سرق ثالثةً أو رابعةً ففي المسألة قولان للصحابة ومن بعدهم: الأول أن تُقطع أربعته، وهو قول أبي بكر رضي الله عنه ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني أنه يُحبس، وهو قول علي رضي الله عنه ومذهب الكوفيين وأبي حنيفة وأحمد في رواية.

قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 38-39]

المحور الثاني: الحدود رحمة، ونية الوالي في إقامتها

ينبّه شيخ الإسلام إلى أن إقامة الحد رحمة من الله بعباده، فلا تأخذ الواليَ في دين الله رأفةٌ تعطّل الحد. ويجب أن يكون قصده رحمة الخلق بكفّ الناس عن المنكرات، وليس شفاء غيظه ولا إرادة العلوّ على الخلق. ومثّل لذلك بالوالد يؤدّب ولده، فلو ترك تأديبه كما تشير به الأم رقةً ورأفةً لفسد الولد، وهو يؤدّبه رحمةً به وإصلاحًا لحاله، ويتمنى ألّا يحتاج إلى ذلك. ومثّل كذلك بالطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبقطع العضو المتآكل، وبالحجامة. فالحدود من باب الدواء والعلاج وليست من باب الانتقام.

والجزاء من جنس العمل، فإذا كان قصد الوالي صلاح الرعية والنهي عن المنكرات، وابتغى بذلك وجه الله وطاعة أمره، ألان الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير، وكفته العقوبة اليسيرة، وقد يرضى المحدود نفسه بإقامة الحد عليه. أما إذا كان غرضه العلوّ عليهم وإقامة رياسته ليعظّموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال، فإنه يُعاقَب بنقيض قصده.

واستشهد شيخ الإسلام بسيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وكان قبل خلافته نائبًا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم يسوسهم سياسة صالحة. فقدم الحجاج من العراق وسأل أهل المدينة: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبةً. قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا. قال: فكيف أدبه فيكم؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة. فقال: هذه هيبته، وهذه محبته، وهذا أدبه، هذا أمرٌ من السماء.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ» [رواه مسلم]

المحور الثالث: شروط القطع في السرقة: النصاب والحِرز

لا تُقطع اليد إلا إذا سرق ربع دينار أو ثلاثة دراهم فصاعدًا عند جمهور العلماء من أهل الحجاز وأهل الحديث، كمالك والشافعي وأحمد. ومن العلماء من قال: النصاب دينار أو عشرة دراهم. فمن سرق ما بلغ ذلك قُطع بالاتفاق. وكان ربع الدينار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يساوي ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا.

ولا يكون السارق سارقًا حتى يأخذ المال من حِرزه. فالمال الضائع من صاحبه، والثمر الذي على الشجر في الصحراء بلا حائط، والماشية التي لا راعي عندها، لا قطع فيها. لكن يُعزَّر الآخذ ويُضاعَف عليه الغُرم كما جاء في الحديث. وقد فصّلت السنة في ضالّة الإبل والغنم، وفي الثمر المعلّق، وفي «الجَرين» وهو موضع تجفيف الثمار: إذا أُخذ منه ما بلغ ثمن المِجَنّ ففيه القطع، وما دون ذلك ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال.

ومن أخذ من الثمر بفمه ليأكله ولم يتخذ «خُبنةً» فلا شيء عليه. والخُبنة ما يُحمل في طرف الثوب أو تحت الإبط. أما من حمل معه شيئًا فعليه غرامة مثليه والعقوبة. والمِجَنّ هو الترس الذي كانوا يتّقون به في الحروب.

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [متفق عليه]، وفي رواية لمسلم: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» [متفق عليه]

وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» [رواه أهل السنن]، والكَثَر: جُمّار النخل.

وسُئل صلى الله عليه وسلم عن ضالّة الإبل فقال: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا»، وسُئل عن ضالّة الغنم فقال: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ».

المحور الرابع: من لا قطع عليه، وحكم الطرّار

فرّقت الشريعة بين السارق وغيره ممن يأخذ أموال الناس بغير حق. فالمنتهب هو الذي يأخذ الشيء علانيةً والناس ينظرون، والمختلس هو الذي يجتذب الشيء فيعلم به صاحبه عند أخذه، والخائن هو الذي اؤتُمن على المال فجحده. هؤلاء لا قطع عليهم، لكن يُعاقبون بالضرب والنكال والحبس بما يردعهم، ويُرَدّ المال إلى أصحابه.

أما الطرّار، وهو الذي يبُطّ الجيوب ويشقّها والمناديل والأكمام فيأخذ ما فيها خفيةً، فالصحيح أنه سارق تُقطع يده. ومثّل الشيخ لذلك بمن يحمل سكينًا صغيرة يشقّ بها جيوب الناس في الزحام فيأخذ أموالهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» [رواه أهل السنن]

المحور الخامس: حدّ الزنا وفاحشة قوم لوط

الزاني إن كان محصنًا رُجم بالحجارة حتى يموت. وقد رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم الغامدية، ورجم اليهوديَّين، ورجم المسلمون بعده. واختلف العلماء هل يُجلد المحصن قبل الرجم أم يُكتفى برجمه، على قولين في مذهب أحمد وغيره. وإن كان غير محصن جُلد مائة جلدة بكتاب الله، وغُرِّب عامًا بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان بعض العلماء لا يرى وجوب التغريب.

ولا يقام الحد حتى يشهد عليه أربعة شهداء، أو يشهد على نفسه أربع شهادات عند كثير من العلماء، ومنهم من يكتفي بإقراره مرة واحدة. وإن أقرّ ثم رجع، فمن العلماء من قال يسقط عنه الحد، ومنهم من قال لا يسقط. ولقّن النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا ما يدرأ به الحد. والمحصن هو من وطئ وهو حرّ مكلّف امرأةً تزوجها نكاحًا صحيحًا ولو مرة واحدة. وأهل الذمة يُحصَّنون أيضًا عند أكثر العلماء كالشافعي وأحمد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديَّين عند باب مسجده، وكان ذلك أول رجم في الإسلام، وحكم الرجم ثابت في التوراة.

والمرأة إذا وُجدت حاملًا ولا زوج لها ولا سيّد، ولم تدّعِ شبهة، ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره. الأول أنه لا حدّ عليها، لاحتمال أن تكون حبلت مكرهةً أو بغير وطء. والثاني أنها تُحَدّ، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول الشريعة، لأن الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها.

أما فاحشة قوم لوط، فالصحيح الذي اتفق عليه الصحابة أن الفاعل والمفعول به يُقتلان، سواء كانا محصنين أو غير محصنين. وإنما اختلف الصحابة في كيفية قتلهما: فرُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه أمر بتحريقه، ومنهم من قال يُقتل بالسيف، ومنهم من قال يُرجم بالحجارة، ومنهم من قال يُلقى عليه جدار، ومنهم من قال يُحبس في أنتن المواضع حتى يموت. ونبّه الشيخ إلى خطر إشاعة هذه الفاحشة في هذا الزمان، وإلى خطر تمكين أهلها من المنابر ووسائل الإعلام.

قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2]

وقال صلى الله عليه وسلم لماعز: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» [رواه البخاري]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» [رواه أهل السنن]

وقال تعالى في قوم لوط: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: 74]

النقاط الرئيسية

  • حدّ السرقة ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وإذا بلغ الحدُّ وليَّ الأمر وجبت إقامته، ولا يجوز تعطيله بشفاعة ولا بحبس ولا بفداء مالي.
  • إقامة الحدود عبادة من جنس الجهاد في سبيل الله، ورحمة بالعباد كرحمة الوالد بولده والطبيب بمريضه، وليست انتقامًا.
  • صلاح نية الوالي سبب في أن يلين الله له القلوب، وتكفيه العقوبة اليسيرة، والجزاء من جنس العمل.
  • نصاب القطع ربع دينار أو ثلاثة دراهم عند الجمهور، ويشترط أن يؤخذ المال من حرزه خفيةً.
  • لا قطع على المنتهب والمختلس والخائن، وإنما يُعزَّرون، أما الطرّار الذي يشق الجيوب فالصحيح أنه يُقطع.
  • الزاني المحصن يُرجم، وغير المحصن يُجلد مائة ويُغرَّب عامًا، ولا يثبت الحد إلا بأربعة شهود أو بالإقرار.
  • أجمع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة قوم لوط، وإنما اختلفوا في صفة القتل.

الفوائد والعبر

  • الحدود الشرعية رحمة وحماية للمجتمع في الأموال والأعراض والأنفس، ومعرفة حكمتها تردّ شبهات من يطعن فيها ويصفها بالقسوة.
  • الإسلام يربي في القلوب تقوى الله ومراقبته قبل العقوبة، والحد إنما يردع من لم تنفعه الموعظة والتذكير.
  • الشريعة دقيقة في شروط الحدود، فهي تحتاط في إقامتها وتدرؤها بالشبهات، وهذا من كمال عدلها وإنصافها.
  • على كل من ولي أمرًا، من الأب في بيته إلى المسؤول في عمله، أن يقصد بالتأديب الإصلاح والرحمة، لا التشفي وإظهار العلو.
  • باب التوبة مفتوح، ومن ستر الله عليه فليستر نفسه وليتب إلى ربه، والحد إذا أقيم كان كفارة لصاحبه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات