شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(9) للشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس التاسع من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يقدمه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ فيه شرح أحكام المحاربين وقطاع الطرق، وهم الذين يخيفون السبيل، ويسلبون الناس أموالهم، وقد يقتلون النفس المحرمة ويؤذون عباد الله.
تتناول هذه الحلقة أحكام قتال الطوائف الممتنعة عن ولي الأمر، والفرق بين قتالهم وقتال الكفار. وتبين كيف تُرد الأموال المسلوبة إلى أصحابها، وما الذي يجوز للإنسان في دفع الصائل عن نفسه وعرضه وماله. كما تعرض أحكام تمويل الحملات التي تطلب المحاربين، وعقوبة من يؤوي المجرمين أو يتستر عليهم.
يهدف الدرس إلى بيان عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الأنفس والأموال والأعراض، وإلى توضيح مسؤولية ولي الأمر في إقامة الحدود وردّ الحقوق. ويبين كذلك أن التعاون مع المفسدين أو التستر عليهم شراكة في الإثم، وأنه يستحق العقوبة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: قتال الطوائف الممتنعة من المحاربين
قرر شيخ الإسلام أن المحاربين إذا طلبهم السلطان لإقامة الحد عليهم فامتنعوا، وجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يُقدر عليهم كلهم. وإن لم يُقدر عليهم إلا بقتال يفضي إلى قتلهم جميعاً قوتلوا، سواء كانوا قد قتلوا أحداً أم لم يقتلوا. ويكون ذلك تحت راية ولي الأمر المسلم، فهو الذي يأمر بقتالهم وينظمه.
ويُقاتَل معهم كل من يحميهم ويعينهم، حتى لو لم يشاركهم في أصل الفساد، إذا قاتل معهم بدافع العصبية أو القرابة. وفرّق الشيخ بين الحالين: فقتلهم بعد القدرة عليهم إقامةٌ للحد، أما قتالهم حال الامتناع فهو قتال. وهؤلاء من آكد الطوائف الممتنعة قتالاً، لأن قصدهم إفساد النفوس والأموال وإهلاك الحرث والنسل، لا إقامة دين ولا ملك.
وذكر الشيخ أمثلة تاريخية لمن يعتصمون برؤوس الجبال والمغارات لقطع الطريق بين البلدان، ثم يفرون إلى الصحراء إذا طلبهم الأمراء. ونبّه إلى أن من يقطع الطريق على الناس في زماننا ويسلبهم يدخل في هذا الحكم.
المحور الثاني: الفرق بين قتال المحاربين وقتال الكفار وحكم أموالهم
بيّن الشيخ أن قتال المحاربين ليس كقتال الكفار. فإذا جُرح أحدهم جرحاً مثخناً لم يُجهز عليه حتى يموت، إلا أن يكون قد وجب عليه القتل حداً. وإذا هرب أحدهم لم يُتبع إلا إن كان عليه حد. ولا تؤخذ أموالهم غنيمة، وإنما يؤخذ منها بقدر ما أخذوه من أموال الناس بغير حق.
والردء والمباشر سواء في الحكم، فالذي باشر القتل أو السرقة والذي وقف يحميه ويدافع عنه كلاهما شريك. أما ضمان المال فيكون على من أخذه. فإن تعذّر ردّ المال إلى أصحابه لأنهم غير معروفين، صُرف في مصالح المسلمين، كالنفقة على الجند الذين يقاتلون هؤلاء المحاربين.
وإذا أُتلفت الأموال المسلوبة بالأكل أو غيره، فللعلماء ثلاثة أقوال:
- قول الشافعي وأحمد: يضمنونها لأصحابها كما يضمن الغاصب، وتبقى ديناً في ذمتهم مع الإعسار.
- قول أبي حنيفة: لا يجتمع الضمان والقطع.
- قول مالك: يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار.
المحور الثالث: دفع الصائل عن النفس والعرض والمال
إذا قصد المحاربون الإنسان في ماله، جاز له أن يقاتلهم، وجاز له أن يعطيهم شيئاً من المال ويترك القتال. أما إذا قصدوا الفجور بالحرمة، كالمرأة أو المحارم أو الصبي، فيجب الدفع بكل ما يمكن ولو أدى ذلك إلى القتل. ولا يجوز التمكين من الفاحشة بحال، لأن بذل المال جائز، وبذل الفجور بالنفس أو بالحرمة لا يجوز.
وإذا قصدوا قتل الإنسان، جاز له الدفع عن نفسه. واختلف العلماء في وجوب ذلك عليه على قولين في مذهب أحمد وغيره. وهذا الحكم إذا كان للناس سلطان قائم.
أما في الفتنة، كأن يقتتل سلطانان من المسلمين على الملك، فدخل أحدهما بلد الآخر وجرى السيف بين الناس، ففي جواز الدفع عن النفس، أو الاستسلام وترك القتال، قولان لأهل العلم في مذهب أحمد وغيره.
المحور الرابع: استخراج الحقوق وتمويل طلب المحاربين
إذا ظفر السلطان بالمحاربين وقد أخذوا الأموال، فعليه أن يستخرج منهم الأموال ويردها إلى أصحابها، مع إقامة الحد على أبدانهم. وإن امتنعوا من إحضار المال بعد ثبوته عليهم، عاقبهم بالحبس والضرب حتى يحضروه أو يدلوا على مكانه، كما يُعاقب كل ممتنع عن أداء حق واجب عليه. واستدل الشيخ على ذلك بأن الله أباح للزوج تأديب زوجته إذا امتنعت من الحق الواجب عليها، فكيف بمن يأخذ أموال الناس ظلماً؟ قال تعالى:
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 34]
ونبّه الشيخ إلى أن المطالبة بالمال والعقوبة عليه حق لصاحب المال، فله أن يعفو عنه أو يصالح عليه. أما الحد فلا سبيل إلى العفو عنه بحال. ولا يحل للسلطان أن يأخذ من أصحاب الأموال جُعلاً على طلب المحاربين وردّ أموالهم، لا لنفسه ولا للجند، لأن ذلك واجب عليه، كما لا يجوز أخذ الأجرة على الصلاة. وإنما يُنفق على هذه الحملات من بيت المال: من الفيء ومال المصالح والزكاة. ويجوز أن يُعطى بعض رؤساء القبائل من المال ليعينوا على إحضار المفسدين، فيكونون من المؤلفة قلوبهم.
ويجب أن يُرسل لطلب المحاربين الأقوياء الأمناء من الجند، لا الضعفاء ولا من يُخشى عليه الرشوة. فإن كان بعض نواب السلطان أو رؤساء القرى يحمي المحاربين في الباطن، أو يأخذ منهم شيئاً من المال، فهو شريك لهم ويُعاقب بعقوبتهم.
المحور الخامس: عقوبة من يؤوي المجرمين ويتستر عليهم
كل من آوى محارباً أو سارقاً أو قاتلاً، أو من وجب عليه حق لله تعالى أو لآدمي، ومنع أن يُستوفى منه الواجب، فهو شريك في الجرم وقد لعنه الله ورسوله. فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا» [رواه مسلم]
فإذا ظُفر بمن آوى المحدث، طُلب منه إحضاره أو الدلالة عليه. فإن امتنع عوقب بالحبس والضرب مرة بعد مرة حتى يمكّن منه، كما يُعاقب الممتنع عن أداء المال الواجب. ويشمل هذا الحكم من أخفى نفساً أو مالاً يجب إحضاره. أما إذا كان الإنسان مظلوماً بغير حق، فلا يجوز الإعلام به، بل يجب الدفع عنه، لأن نصر المظلوم واجب. واستدل الشيخ بحديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَلِكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ» [متفق عليه]
واستدل كذلك بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال:
«أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ. وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ، وَعَنِ الْمَيَاثِرِ، وَعَنِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقِ وَالدِّيبَاجِ» [متفق عليه]
وقرر الشيخ أن هذه العقوبة يستحقها الممتنع لامتناعه من حق وجب عليه لا تدخله النيابة. ومن عرف مكان المجرم وكتمه ظلماً، استحق العقوبة حتى يدل عليه.
النقاط الرئيسية
- يجب قتال المحاربين إذا امتنعوا عن ولي الأمر باتفاق العلماء، ويكون ذلك تحت راية ولي الأمر المسلم.
- الردء والمباشر سواء في الحكم، فمن يحمي المفسدين ويعينهم شريك لهم في الإثم والعقوبة.
- قتال المحاربين ليس كقتال الكفار، فلا يُجهز على جريحهم، ولا يُتبع هاربهم إلا إن وجب عليه حد، ولا تُغنم أموالهم.
- يجب الدفع عن العرض والحرمة ولو أدى إلى القتل، ويجوز بذل المال لدفع الضرر عن النفس.
- حق المال يملك صاحبه العفو عنه، أما الحد فلا سبيل إلى العفو عنه بحال.
- لا يحل للسلطان أخذ جُعل من أصحاب الأموال على طلب المحاربين، وإنما يُنفق على ذلك من بيت المال.
- من آوى مجرماً أو تستر عليه فهو ملعون ومستحق للعقوبة حتى يحضره أو يدل عليه، بخلاف المظلوم الذي يجب نصره.
الفوائد والعبر
- كمال الشريعة: جاءت الشريعة بحفظ الضرورات الخمس، ومنها النفس والمال والعرض، فوضعت لكل اعتداء عليها حكماً عادلاً رادعاً.
- اجتناب العصبية: الحذر من نصرة الظالم بدافع القرابة أو القبيلة، فإن ذلك يجعل صاحبه شريكاً في الجرم، والنصرة الحقيقية للظالم هي منعه من ظلمه.
- صيانة الأعراض: العرض أغلى من المال، ولا يجوز التفريط فيه بحال، بخلاف المال الذي يجوز بذله دفعاً للضرر.
- أمانة الولاية: المسؤولون مطالبون بأداء واجباتهم دون مقابل من الرعية، وبتولية الأقوياء الأمناء، والحذر من الرشوة والتواطؤ مع المفسدين.
- التعاون على البر: المسلم يعين على إقامة الحق ويدل على المجرم، ولا يؤويه ولا يتستر عليه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات