شرح كتاب" السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية(14) للشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو الدرس الرابع عشر من شرح كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يلقيه الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول أحكام القصاص في الجراح وفي الأعراض، وتفاصيل الديات والأُروش، وحدّ القذف وأحكام اللعان. ثم ينتقل إلى الحقوق الزوجية التي سمّاها شيخ الإسلام «حقوق الأبضاع»، ومنها المهر والنفقة والمعاشرة بالمعروف والإيلاء.
وتظهر أهمية هذا الدرس في أنه يبيّن كيف أقامت الشريعة ميزان العدل بين الناس في أنفسهم وأبدانهم وأعراضهم وبيوتهم. فلا يُترك المظلوم دون إنصاف، ولا يُطلق للمنتصِر أن يتجاوز حدّ المماثلة. ويقرر الدرس أن الوُلاة إنما يُبعثون لتعليم الناس دينهم، لا للتسلط على أبشارهم وأموالهم.
ومن أهداف التعلم في هذا الدرس:
- معرفة ضابط المساواة الذي يقوم عليه القصاص.
- التمييز بين ما يجوز فيه الانتصار بالمثل في الكلام وما لا يجوز.
- فهم شروط حدّ القذف ومتى يكون اللعان.
- إدراك أن الحقوق الزوجية مردّها إلى المعروف الذي أمر الله به.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: القصاص في الجراح وتفصيل الديات والأروش
يقرر شيخ الإسلام أن القصاص في الجراح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وأن شرطه إمكان المساواة. فمن قطع يد غيره من المفصل قُطعت يده كذلك، ومن قلع سنًّا قُلعت سنُّه، ومن شجّ رأسًا حتى أوضح العظم فُعل به مثل ذلك. أما إذا تعذّرت المماثلة، كمن كسر عظمًا باطنًا أو جرح جرحًا دون الموضحة، فلا يُشرع القصاص، لأنه قد يزيد أو ينقص. والزيادة على المظلمة محرّمة، فيُعدل حينئذ إلى الدية أو الأرش.
ثم فصّل الشيخ الديات المقدّرة كما جاءت عن النبي ﷺ وأصحابه:
- ما ليس في الإنسان منه إلا واحد، كاللسان والأنف والذكر والكلام والعقل، ففيه دية كاملة.
- ما فيه منه اثنان، كالعينين والأذنين والشفتين واليدين والرجلين، ففي كل واحد منهما نصف الدية.
- ما فيه منه ثلاثة، كالمنخرين والحاجز بينهما، ففي كل واحد ثلث الدية.
- ما فيه منه أربعة، كالأجفان، ففي كل واحد ربع الدية.
- في كل إصبع عُشر الدية، وفي كل سن نصف العُشر، وفي الموضحة نصف العُشر.
وما كان من الشجاج دون الموضحة ففيه «الحكومة». وطريقتها أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد صحيح، ثم يُقوَّم بعد الجناية، فما نقص من قيمته وجب بنسبته من الدية.
المحور الثاني: القصاص في الضربة واللطمة، ومنع الولاة من ظلم الرعية
ذكر شيخ الإسلام خلاف العلماء في القصاص من اللطمة والضربة بالعصا ونحوها:
- قال بعضهم: لا قصاص فيها، وإنما فيها التعزير لعدم انضباط المماثلة.
- وقال آخرون: فيها القصاص، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين، وبه جاءت السنة.
واستشهد الشيخ بخطبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عمّاله، وبيّن أن الولاة ليسوا سادةً يتسلطون على الناس، بل هم معلِّمون لدينهم.
ولما راجعه عمرو بن العاص رضي الله عنه في ذلك قال: كيف لا أُقِصّ منه وقد رأيت رسول الله ﷺ يُقِصّ من نفسه؟ وبيّن الشيخ أن هذا خاص بالضرب غير المشروع. أما الضرب المشروع، كإقامة الحدود والتعزير الواجب أو المستحب، فلا قصاص فيه بالإجماع.
المحور الثالث: القصاص في الأعراض وضوابط الانتصار في الكلام
القصاص في الأعراض مشروع أيضًا. فمن لعن رجلًا أو دعا عليه جاز للمظلوم أن يقابله بمثل ذلك، والعفو أفضل. ويقع الإثم كله على البادئ، ما لم يتجاوز المظلوم حدّ المماثلة. وضرب الشيخ مثلًا بما يقع من المسابّة بين الأقارب والإخوة، وحذّر من الاعتداء والإسراف فيها.
وفرّق الشيخ بين نوعين من الكلام:
- ما حُرِّم لحق الآدمي فقط، كالسبّ والإهانة والهمز والغيبة. فهذا يجوز فيه الاقتصاص بالمثل.
- ما حُرِّم لحق الله تعالى، كالكذب والقذف بالزنا والتكفير والتفسيق بغير حق. فهذا لا تجوز المقابلة فيه بالمثل. فمن قال لك «يا زاني» لم يجز لك أن تقول له مثلها، ومن افترى عليك لم يحلّ لك أن تفتري عليه، ولكن يُعزَّر المعتدي.
وكذلك لا يجوز لمن لعن أباك أو قبيلتك أو بلدك أن تعتدي على أعراض آبائه وقبيلته، لأنهم لم يظلموك. وأوصى الشيخ بالعدل حتى مع المبغَض، واستدل بقوله تعالى:
المحور الرابع: حدّ القذف وأحكام اللعان
حدّ القذف ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو ثمانون جلدة لمن رمى محصنًا أو محصنةً بالزنا ولم يأتِ بأربعة شهداء. والمحصَن هنا هو الحرّ العفيف. وهذا الحد حق للآدمي، فلا يُستوفى إلا بطلب المقذوف باتفاق العلماء. وإذا عفا المقذوف سقط الحد عند الجمهور، كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وهو الأظهر.
ولا حدّ على من قذف المعروف بالفجور، ولا على من قذف كافرًا أو رقيقًا، لكن يُعزَّر القاذف. ويُعزَّر كذلك من رمى غيره ولو كان صادقًا، لما في ذلك من إشاعة الفاحشة. فإن كان القاذف عبدًا فعليه نصف حدّ الحر، أي أربعون جلدة.
أما الزوج فيجوز له أن يقذف امرأته إذا زنت. فإن حملت من الزنا وجب عليه أن يقذفها وينفي الولد، لئلا يُلحق به من ليس منه. فإن أنكرت المرأة لاعنها كما جاء في الكتاب والسنة. ونبّه الشيخ إلى ما في بعض القوانين الوضعية من الجور في هذا الباب.
المحور الخامس: الحقوق الزوجية (حقوق الأبضاع)
الواجب في العلاقة بين الزوجين هو الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان. فيجب على الزوجة طاعة زوجها وحفظه في غيبه في نفسها وماله، ويجب على الزوج أداء حقها بطيب نفس. ومن الحقوق المالية للزوجة:
- المهر: المقدَّم منه تستحق المطالبة به قبل الدخول. أما المؤخَّر الذي لم يُسمَّ له أجل فالصحيح أنها لا تطالب به إلا عند الفرقة بموت أو طلاق، وهو مذهب أحمد وغيره.
- النفقة: تُقدَّر بالمعروف، وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وحال الزوج يسارًا وإعسارًا، فليس لها حدّ معلوم. والأشبه بالكتاب والسنة أنه يكفي أن يُمكِّنها من الأكل في بيته كما جرى به عرف السلف، ولا يلزمه تمليكها النفقة.
وذكر الشيخ الخلاف في النفقة: هل تجب على وجه الصلة أم على وجه المعاوضة؟ وترتب على هذا الخلاف أمران: هل تسقط النفقة بمضيّ الزمان؟ وهل يثبت للمرأة حق فسخ النكاح بإعسار الزوج؟
ومن الحقوق البدنية العِشرة والوطء. فلو كان الزوج عاجزًا عنه، كالمجبوب والعِنّين، ثبت لها حق الفسخ. ومن حلف ألا يطأ امرأته فهو المُولي، يُمهَل أربعة أشهر، ثم يُلزمه الحاكم إما بالفيئة وإما بالطلاق. ويجب على المعدِّد العدل في القسم بين نسائه.
والأشبه بالكتاب والسنة أن الواجب من الوطء يُقدَّر بالمعروف على قدر حاجتها وقدرته، كما تُقدَّر النفقة. وعند التنازع يقدّره الحاكم.
النقاط الرئيسية
- القصاص في الجراح مشروع بشرط إمكان المساواة. فإن تعذّرت المماثلة عُدل إلى الدية أو الأرش أو الحكومة.
- الديات مقدّرة شرعًا بحسب عدد العضو في البدن: الواحد فيه الدية كاملة، والاثنان نصفها لكل واحد، والثلاثة ثلثها، والأربعة ربعها، والإصبع عُشرها، والسن والموضحة نصف العُشر.
- المأثور عن الخلفاء الراشدين القصاص في اللطمة والضربة. والولاة يُبعثون لتعليم الناس دينهم لا للتسلط على أبشارهم وأموالهم.
- يجوز الانتصار في الأعراض بالمثل فيما حُرِّم لحق الآدمي، ولا يجوز فيما حُرِّم لحق الله، كالكذب والقذف والتكفير. والإثم على البادئ ما لم يعتدِ المظلوم.
- حدّ القذف ثمانون جلدة، وهو حق للمقذوف لا يُستوفى إلا بطلبه، ويسقط بعفوه على الأظهر. وللزوج اللعان، ويجب عليه إذا حملت امرأته من الزنا.
- الحقوق الزوجية من مهر ونفقة ومعاشرة ووطء مردّها إلى المعروف، وتختلف باختلاف الزمان والمكان وحال الزوجين.
- المُولي يُمهل أربعة أشهر، ثم يُلزمه الحاكم بالفيئة أو الطلاق. والعجز عن الوطء يثبت به للزوجة حق الفسخ.
الفوائد والعبر
- العدل حتى في الانتصاف: للمظلوم أن يأخذ حقه، لكن يحرم عليه تجاوز المثل. والعفو والإصلاح أعظم أجرًا، وأجرهما على الله.
- حفظ اللسان عند الخصومة: لا يحمل الغضبُ المسلمَ على الكذب أو القذف أو التكفير أو سبّ آباء خصمه وقبيلته. فالمستبّان إثمهما على البادئ، والمتجاوز يصير ظالمًا.
- الولاية أمانة وتكليف: من وُلّي أمرًا من أمور المسلمين فليتذكر أنه مبعوث لخدمتهم وتعليمهم لا لإذلالهم، وأن الظلم يُقتصّ منه ولو كان صاحب سلطان.
- صيانة الأعراض ومنع إشاعة الفاحشة: الحديث في أعراض الناس جريمة عظيمة، وقد شرع الله لها الحد والتعزير حماية للمجتمع وطهارته.
- بناء البيت على المعروف: على كل من الزوجين أن يؤدي حق الآخر بطيب نفس، وأن يتقي الله فيه، فإما إمساك بمعروف وإما تسريح بإحسان، بعيدًا عن الظلم والتعنّت والتحايل في المطالبات.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات