شرح كتاب " الصيام " من كتاب سبل السلام "(6) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,350 مشاهدة
97 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس السادس من شرح «كتاب الصيام» من كتاب «سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام» للإمام الصنعاني رحمه الله. يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري ضمن الملف الخاص بشهر رمضان المبارك. ويدور الدرس حول حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في خروج النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكة في رمضان، وفطره في السفر بعد أن صام، وقوله فيمن واصل الصيام: «أولئك العصاة».

ويحتاج كل مسلم إلى معرفة هذه المسألة، فالسفر في رمضان كثير. ومن لا يعرف الحكم قد يتشدد على نفسه بلا داعٍ، أو يستخف بالرخصة في غير موضعها. ويبيّن الشيخ أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج، وأن اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم أولى من أي اجتهاد يخالفه ولو كان ظاهره زيادة في العبادة.

وبعد مشاهدة الدرس يستطيع المشاهد أن يعرف حكم الصيام والفطر للمسافر، وأقوال العلماء في أيهما أفضل، ومتى يكون الفطر أفضل ومتى يجب، وما الفوائد العقدية والتربوية والأصولية التي تُستنبط من الحديث. ومن هذه الفوائد خطر التكفير والفرق بين المعصية والكفر.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: نص حديث جابر رضي الله عنه وشرح ألفاظه

بدأ الشيخ بقراءة الحديث كما أورده الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»، ونبّه على الفروق في ألفاظه بين المخطوط والمطبوع وما في صحيح مسلم. ومن أمثلة ذلك أن الصواب «وإنما ينظرون فيما فعلتَ» لا «ينتظرون»، لأن الفعل «انتظر» يتعدى بنفسه، أما «نظر» فلازم يتعدى بحرف الجر.

وشرح ألفاظ الحديث. فـ«كُراع الغَميم» بضم الكاف موضع قريب من عُسفان. وكان الخروج في رمضان من السنة الثامنة للهجرة لفتح مكة، أي للجهاد في سبيل الله، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفظ على أصحابه قوتهم. وأما «القَدَح» فإناء معروف يُشرب فيه. ونبّه الشيخ كذلك على مسألة لغوية، وهي وجوب كسر همزة «إنّ» إذا جاءت بعد القول.

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَشَرِبَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». وَفِي لَفْظٍ: «فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ» (رواه مسلم).

المحور الثاني: الفوائد المستنبطة من الحديث

في الحديث جواز الفطر لمن نوى الصيام في السفر ولو بعد أن صام أكثر النهار، فقد أفطر النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر. وفيه أن الدعوة بالفعل أبلغ من الدعوة بالقول، فقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم القدح حتى رآه الناس ثم شرب، ليقتدوا به. وفيه أن من يُقتدى به يحسن أن يُظهر العمل ليتبعه الناس فيه، وإن كان الأصل في بعض العبادات الإسرار، وفي هذا أجر الدلالة على الخير.

ومن فوائده القاعدة الفقهية الكبرى «المشقة تجلب التيسير». فحيث وُجدت المشقة جاءت الشريعة الكاملة بالتيسير على الخلق. ومن فوائده أيضًا رحمة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته، وأن على من ولي أمرًا من أمور الناس أن يرفق بهم. وله أن يشدد على نفسه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام، لكنه أفطر هنا رفقًا بأصحابه.

وفيه أن العبد إذا خُيّر بين أمرين مشروعين فليختر أحبهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأيسرهما. وفيه أن السؤال عن حال الناس لمعرفة الحكم الشرعي ليس من الغيبة ولا من التجسس.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» (رواه مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» (رواه مسلم). وقالت عائشة رضي الله عنها: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا» (متفق عليه).

المحور الثالث: معنى «أولئك العصاة» والفرق بين المعصية والكفر

وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعصاة لأنهم خالفوا أمره العملي بالفطر، إذ ظنوا أن الصيام أفضل وأقرب إلى الله. فقدّموا ما هم عليه على ما فعله سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ليرفع عنهم المشقة. والصيام في أصله سنة للمسافر، لكن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أوجب. ويدل الحديث على أن كبار الصالحين والعلماء قد يخطئون، فهؤلاء من الصحابة، والصحابة أفضل البشر بعد الأنبياء، ومع ذلك وقعت منهم هذه المخالفة.

ونبّه الشيخ على أن الرافضة لا حجة لهم في هذا الحديث على تكفير الصحابة رضي الله عنهم. فالمعصية غير الكفر، والعاصي يُسمى فاسقًا ولا يُسمى كافرًا، والمعاصي تقع منا جميعًا.

وحذّر الشيخ من التسرع في التكفير، وبيّن أن على طالب العلم أن يتحرى فيه أشد التحري. فإذا اجتمع عندك تسعة وتسعون دليلًا على كفر شخص ودليل واحد على عدم كفره، فخذ بالدليل الذي يمنع التكفير. ولأن يخطئ العبد في الحكم بإسلام الناس خير له من أن يخطئ في تكفيرهم، فيلقى الله وقد كفّر مسلمًا.

المحور الرابع: حكم صيام المسافر وأقوال العلماء في الأفضل

قال الصنعاني رحمه الله: الحديث دليل على أن المسافر يجوز له أن يصوم ويجوز له أن يفطر. وخالف في ذلك داود الظاهري والإمامية، فقالوا لا يجزئ المسافرَ صومه، واستدلوا بالآية وبقوله صلى الله عليه وسلم «أولئك العصاة» و«ليس من البر الصيام في السفر». وقال الجماهير يجزئه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في أول النهار، ولو كان الصيام يبطل بالسفر لما صام.

ولا دليل في الآية على عدم الإجزاء، لأن فيها تقديرًا: فمن كان منكم مريضًا أو على سفر «فأفطر» فعدة من أيام أخر. فليس مجرد السفر أو المرض موجبًا للفطر، بل قد يكون الصوم أنفع لبعض المرضى. وأما حديث «ليس من البر الصيام في السفر» فمحمول على من شق عليه الصيام.

واختلف العلماء في أيهما أفضل للمسافر على ثلاثة أقوال. الأول قول أبي حنيفة والشافعي: الصوم أفضل إذا لم تكن مشقة ولا ضرر، فإن وُجدتا فالفطر أفضل. والثاني قول أحمد وإسحاق: الفطر أفضل مطلقًا، أخذًا بهذا الحديث وبحديث حمزة بن عمرو الأسلمي. والثالث أنهما سواء لتعادل الأدلة، واستدلوا بحديث أنس رضي الله عنه. واعترض الصنعاني على من قال إن الصوم كان غالب فعل النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، بأن هذا يحتاج إلى دليل على الأكثرية.

ومن المسائل المتصلة بذلك أن الجمهور يجيزون الفطر لمن نوى الصيام في سفره ولو صام أكثر النهار. وكان الشافعي رحمه الله يعلّق القول به على صحة الحديث، وقد ثبت في صحيح مسلم. وأما من أصبح مقيمًا صائمًا ثم سافر في أثناء النهار، فمذهب الجمهور أنه لا يفطر، وأجاز له الفطرَ أحمدُ وإسحاق، والظاهر قولهما لأنه مسافر.

قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (متفق عليه). وقال في حديث حمزة بن عمرو: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (رواه مسلم). وقال أنس رضي الله عنه: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» (متفق عليه).

المحور الخامس: ضابط المشقة ومتى يحرم الصيام، ومسألة النية

فرّق الشيخ بين المشقة المعتادة والضرر. فإن كان المسافر يتعب بالصيام تعبًا محتملًا، فالخلاف بين العلماء في الأفضل فقط، والصيام صحيح. أما إذا أضرّ الصيام ببدنه أو زاد مرضه، كمن يعاني من أمراض الكلى أو الضغط ويحتاج إلى الماء، أو خُشي عليه الهلاك، فإنه يحرم عليه الصيام ويجب عليه الفطر. فلا يعذّب المسلم نفسه، والله غني عن تعذيبه نفسه، وعليه أن يأخذ بالتيسير الذي شرعه الله ورسوله.

ومما يحرم فيه الصوم مع وجود المانع الشرعي صوم الحائض. فبعض الفتيات يصمن وهن حيّض حتى لا يعلم أهلهن، وهذا صيام محرم، والواجب عليهن الفطر. وذكر الشيخ أن الفطر في السفر رخصة لا تُسقط القضاء، فمن كان صومه في السفر أيسر عليه ولا مشقة فيه، كمن يسافر في راحة وأمن، فله أن يصوم ولا حرج عليه.

وأما النية، فقد بيّن الشيخ أن نية صيام الشهر كله في أوله تكفي عند من يقول بذلك. لكن المسافر إذا نوى الفطر انقطعت هذه النية، فإذا أراد أن يصوم يومًا بعد ذلك لزمه أن يجدد النية من الليل، لأن صيام الفرض لا بد فيه من تبييت النية.

النقاط الرئيسية

  • يجوز للمسافر في رمضان أن يصوم ويجوز له أن يفطر، وصومه صحيح مجزئ عند جماهير العلماء.
  • يجوز لمن صام في سفره أن يفطر في أثناء النهار ولو بعد العصر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
  • وصف النبي صلى الله عليه وسلم من واصل الصيام بالعصاة لأنهم خالفوا أمره العملي الذي أراد به رفع المشقة عنهم.
  • المعصية لا تساوي الكفر، والحديث ليس فيه حجة لمن يكفّر الصحابة رضي الله عنهم، والتكفير يحتاج إلى أشد التحري.
  • القاعدة الفقهية «المشقة تجلب التيسير» من أعظم أصول الشريعة، وهذا الحديث من شواهدها.
  • اختلف العلماء في الأفضل للمسافر على ثلاثة أقوال: الصوم أفضل عند عدم المشقة، والفطر أفضل مطلقًا، وهما سواء.
  • يحرم الصيام إذا أضرّ بالبدن أو وُجد مانع شرعي كالحيض، أما المشقة المحتملة فالخلاف فيها في الأفضلية فقط.

الفوائد والعبر

  • قدّم هدي النبي صلى الله عليه وسلم على ما تظنه أفضل، فالخير كله في اتباعه ولو كان ظاهر غيره زيادة في العبادة.
  • إذا كنت قدوة لغيرك فعلّمهم بفعلك قبل قولك، وأظهر من الطاعات ما يدعوهم إلى الخير، وارفق بمن تتولى أمرهم.
  • خذ برخص الله في سفرك ومرضك إذا شق عليك الصيام، ولا تعذّب نفسك بما يضرك.
  • احذر من تكفير المسلمين، ولأن تخطئ في الحكم بإسلام أحد خير لك من أن تخطئ في تكفيره.
  • تعلّم أحكام الصيام قبل رمضان، كأحكام السفر والمرض والحيض والنية، حتى تكون عبادتك على علم وبصيرة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات