شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (15) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الخامس عشر من شرح كتاب «الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ينتقل الشرح في هذا المجلس من الحديث عن فضل الذكر إلى أذكار مخصوصة بأوقات وأحوال معينة. وقد بيّن ابن القيم أن العبد لا ينبغي أن يغفل عن هذه الأذكار، لأنه في أشد الحاجة إليها، ولأن نفعها يصل إليه في الدنيا والآخرة.
ويتناول المجلس فصلين أساسيين. الأول في أذكار طرفي النهار، وهما ما بين الصبح وطلوع الشمس وما بين العصر والغروب. والثاني في أذكار النوم وما يقوله المسلم إذا أوى إلى فراشه وإذا استيقظ من نومه. ويذكر الشيخ في أثناء الشرح ما صح من الأحاديث وما ضعف منها، ويضيف إلى ذلك فوائد علمية وتوجيهات عملية في تطبيق هذه الأذكار في الحياة اليومية.
والغاية من هذا الدرس أن يحفظ المسلم أذكار الصباح والمساء والنوم بأدلتها الصحيحة، وأن يعرف أوقاتها الفاضلة، وأن يواظب عليها بيقين وحضور قلب، حتى تكون له حصنًا من الشرور وسببًا للأجر والطمأنينة.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: وقت أذكار طرفي النهار وأدلتها من القرآن
قرر ابن القيم رحمه الله أن طرفي النهار هما ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا. وبيّن الشيخ أن الأذكار تجزئ إذا قيلت بعد ذلك، ولكن الأفضل أن تُقال من بعد صلاة الصبح إلى قبيل طلوع الشمس، ومن بعد العصر إلى قبيل غروبها.
واستُدل لذلك بالآيات التي تأمر بالتسبيح في البكرة والأصيل، وبالعشي والإبكار، وقبل طلوع الشمس وقبل الغروب. وتوقف الشيخ عند معنى «الأصيل» كما ذكره الجوهري في «الصحاح»، وهو الوقت الذي بين العصر والمغرب، وذكر جموعه.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]
وقال سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: 55]، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39]
المحور الثاني: أذكار الصباح والمساء الثابتة في السنة
عرض ابن القيم جملة من أذكار الصباح والمساء الواردة في الصحيحين والسنن. ومنها التسبيح مائة مرة، وقول «أمسينا وأمسى الملك لله»، وقراءة الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا. ومنها كذلك «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا»، وسيد الاستغفار، ودعاء أبي بكر رضي الله عنه «اللهم عالم الغيب والشهادة».
وشرح الشيخ معاني سيد الاستغفار، ونبّه إلى أنه يجمع بين أمرين: أن يشهد العبد منّة الله وفضله عليه، وأن يطالع عيب نفسه وتقصير عمله. وهذا هو معنى قوله: «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي».
قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» [رواه مسلم]
وقال ﷺ: «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ». وقال إن من قالها موقنًا بها فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة. [رواه البخاري]
وقال ﷺ لعبد الله بن خبيب رضي الله عنه: «قُلْ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» [رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح]
المحور الثالث: أذكار التحصين والرضا والشكر
من الأذكار التي ذكرها المصنف ما يحفظ العبد من الضرر، مثل حديث عثمان رضي الله عنه في قول «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء». وأكد الشيخ أن هذا الذكر يُقال باعتقاد ويقين حتى تتحقق ثمرته. ومنها أيضًا ذكر الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا. وبيّن الشيخ أن قوله «كان حقًّا على الله» معناه أن الله أوجب ذلك على نفسه تفضلًا منه، ولا يوجب أحد على الله شيئًا.
ومنها كذلك ذكر الشكر: «اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك»، ودعاء ابن عمر رضي الله عنهما في سؤال العافية والحفظ من الجهات كلها. ونبّه الشيخ إلى ضعف بعض الأحاديث التي ساقها المصنف، مثل أثر أبي الدرداء رضي الله عنه في الاحتراق، وحديث «اللهم إني أصبحت أشهدك» الذي اختُلف فيه.
قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح]
وقال ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي وَإِذَا أَصْبَحَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» [رواه الترمذي]
وقال ﷺ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ» [رواه أبو داود]
المحور الرابع: أذكار النوم وفضل آية الكرسي وخواتيم البقرة
عقد ابن القيم الفصل الثاني لأذكار النوم. ومنها قول «باسمك اللهم أموت وأحيا»، وقراءة آية الكرسي، وقراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة. ومنها كذلك نفض الفراش والتسمية، والتسبيح ثلاثًا وثلاثين والتحميد ثلاثًا وثلاثين والتكبير أربعًا وثلاثين، والوضوء قبل النوم والاضطجاع على الشق الأيمن مع الدعاء المأثور.
ووقف الشيخ عند قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان الذي جاء يسرق من صدقة الفطر. واستنبط منها مشروعية توكيل من يجمع الزكوات، ثم استنبط قاعدة عامة وهي قبول الحق ممن جاء به ولو كان كاذبًا أو مخالفًا. وذكر ابن تيمية رحمه الله أن من حافظ على التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم لم يصبه إعياء فيما يعانيه من شغل. وضرب الشيخ لذلك أمثلة واقعية من أعمال البيت.
قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه في شأن آية الكرسي: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ» [رواه البخاري]
وقال ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» [متفق عليه]
وقال ﷺ لعلي وفاطمة رضي الله عنهما: «إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» [متفق عليه]
وقال ﷺ: «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» [متفق عليه]
المحور الخامس: أذكار الاستيقاظ من النوم
ختم المجلس بأذكار الانتباه من النوم. ومنها حمد الله على الإحياء بعد الإماتة، وقول «الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد عليّ روحي وأذن لي بذكره»، وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه فيمن تعارّ من الليل. ونبّه الشيخ إلى أن العبد إذا استيقظ ينبغي أن يكون أول ما يجري على لسانه ذكر الله، قبل أن ينشغل بأي أمر آخر.
كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام قال: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا»، وإذا استيقظ قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» [رواه البخاري]
وقال ﷺ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ» [رواه البخاري]
النقاط الرئيسية
- أفضل وقت لأذكار الصباح من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وأفضل وقت لأذكار المساء من بعد العصر إلى الغروب.
- من قال «سبحان الله وبحمده» مائة مرة في الصباح والمساء لم يأتِ أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا من قال مثله أو زاد عليه.
- سيد الاستغفار يجمع بين شهود منّة الله على العبد ومطالعة العبد لعيب نفسه وتقصير عمله.
- من قرأ الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا صباحًا ومساءً كفته من كل شيء.
- قراءة آية الكرسي عند النوم سبب لحفظ الله للعبد حتى يصبح، والآيتان الأخيرتان من سورة البقرة كافيتان لمن قرأهما في ليلة.
- من حافظ على التسبيح والتحميد ثلاثًا وثلاثين والتكبير أربعًا وثلاثين عند النوم أعانه الله على عمله، وكان ذلك خيرًا له من خادم.
- ميّز الشيخ في شرحه بين الصحيح والضعيف من الأحاديث التي أوردها المصنف.
الفوائد والعبر
- تخصيص ورد ثابت بعد صلاتي الفجر والعصر لأذكار الصباح والمساء، والحرص على أدائها في أفضل أوقاتها.
- قول الأذكار بيقين وحضور قلب، فإن أثرها في الحفظ والتحصين مرتبط بصدق الاعتقاد بها.
- قبول الحق ممن جاء به ولو كان مخالفًا، كما في قوله ﷺ: «صدقك وهو كذوب».
- الاستعانة بالتسبيح والتحميد والتكبير عند النوم على مشقة الأعمال اليومية بدلًا من الشكوى من التعب.
- أن يجعل المسلم ذكر الله أول ما يفعله عند الاستيقاظ وآخر ما يفعله قبل النوم، ليكون يومه وليله محاطين بذكر الله.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات