شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (21 و الأخير) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

3,559 مشاهدة
492 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الحادي والعشرون والأخير من شرح كتاب «الوابل الصيِّب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويختم الشيخ في هذا المجلس فصول الكتاب في الأذكار والأدعية. يبدأ بالأدب النبوي عند نزول المقدور وحلول المكروه، ثم ينتقل إلى الفصل الخامس والسبعين، وهو آخر فصول الكتاب، وموضوعه «جوامع الدعاء» التي كان النبي ﷺ يحبها ويدعو بها.

ولهذا الموضوع منزلة عظيمة في حياة المسلم. فالدعاء هو العبادة، وجوامع الكلم النبوي تجمع خيري الدنيا والآخرة في ألفاظ يسيرة. ويضاف إلى ذلك تصحيح موقف العبد من القضاء والقدر، فلا يعجز ولا يتحسّر ولا يفتح على نفسه باب الشيطان بكلمة «لو».

ومن أهداف هذا المجلس أن يتعلّم المشاهد كيف يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وأن يعرف متى يقول «قدَّر الله وما شاء فعل» ومتى يقول «حسبي الله ونعم الوكيل». ويحفظ كذلك جملة من الأدعية النبوية الجامعة، ويفهم فقه سؤال العافية، مع التنبيه على درجة بعض الأحاديث الواردة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: النهي عن قول «لو» عند نزول المقدور

بيّن الشيخ أن المؤمن مأمور بالحرص على ما ينفعه وبالأخذ بالأسباب المشروعة. فإذا وقع ما قدّره الله بعد ذلك فليس له أن يتحسّر ويقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا. هذا القول فيه اعتراض على القدر، ويورث القلب الحسرة والهمّ، ولا يرد شيئًا مما قُضي.

والمشروع في هذا المقام التسليم والرضا بأن يقول العبد: قدَّر الله وما شاء فعل. ونبّه الشيخ على أن الله جعل هذه الكلمة من صفات الكفار والمنافقين الذين يتحسرون على من مات في سفر أو غزو، والمؤمن منهيٌّ عن التشبه بهم.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156].

وقال النبي ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (رواه مسلم).

المحور الثاني: متى يقول العبد «حسبي الله ونعم الوكيل»؟

شرح الشيخ حديث عوف بن مالك رضي الله عنه في الرجلين اللذين قضى النبي ﷺ بينهما، فقال المقضيُّ عليه لمّا أدبر: «حسبي الله ونعم الوكيل». فبيّن له النبي ﷺ أن الله يلوم على العجز، وأن على العبد أن يأخذ بالكَيْس، أي الحزم وبذل الأسباب، فإن غلبه الأمر بعد ذلك قال: حسبي الله ونعم الوكيل.

والفقه المستفاد كما قرّره ابن القيم أن من قال هذه الكلمة بعد أن استفرغ وسعه في الأسباب انتفع بفعله وقوله معًا. أما من ترك الأسباب عجزًا وكسلًا ثم قالها فهو ملوم، لأنه وضعها في غير موضعها. فالتوكل الصحيح هو الأخذ بالأسباب مع اعتماد القلب على الله.

ونصّ الحديث: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (رواه أبو داود، وفي إسناده ضعف كما نبّه الشيخ، ومعناه صحيح تشهد له الأصول).

المحور الثالث: جوامع الدعاء والاستعاذات النبوية

ختم ابن القيم كتابه بالفصل الخامس والسبعين في جوامع أدعية النبي ﷺ وتعوّذاته. فقد كانت عائشة رضي الله عنها تقول: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ». ونبّه الشيخ على أن هذه الأدعية لا تختص بباب معين، بل هي عامة في كل الأحوال.

ومن ذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين سمع ابنه يدعو ويفصّل في سؤال الجنة ونعيمها، فنهاه عن الاعتداء في الدعاء، وأرشده إلى أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ».

ومن الاستعاذات الجامعة حديث أنس رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (رواه البخاري). وأوضح الشيخ أن هذه الخصال مذكورة أزواجًا متقاربة. فالهم لما يُستقبل والحزن لما مضى، والعجز عدم القدرة والكسل عدم الإرادة، والبخل بالمال والجبن بالنفس، وضلع الدين قهرٌ بحق وغلبة الرجال قهرٌ بباطل.

وحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (رواه مسلم).

وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ» (رواه مسلم). ومنها كذلك الاستعاذة من عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن المأثم والمغرم.

المحور الرابع: فقه سؤال العافية

أطال الشيخ في بيان منزلة العافية. فقد علّم النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها أن تقول إن وافقت ليلة القدر: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (رواه الترمذي). وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته عن النبي ﷺ: «سَلُوا اللَّهَ الْمُعَافَاةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْمُعَافَاةِ».

وذكر حديث الرجل الذي سمعه النبي ﷺ يقول: اللهم إني أسألك الصبر، فقال له: «سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلَاءَ فَسَلْهُ الْعَافِيَةَ». وبيّن الشيخ أن في إسناده كلامًا وأنه قد يُحسَّن، ثم شرح فقهه. فالصبر يُسأل عند وجود البلاء، أما من كان في عافية فلا يسأل الصبر لأن ذلك في معنى سؤال البلاء، وإنما يسأل الله دوام العافية.

ومن الدعاء الجامع في هذا الباب ما علّمه النبي ﷺ لمن أسلم: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» (رواه مسلم)، فإن هذه الكلمات تجمع للعبد دنياه وآخرته.

المحور الخامس: أدعية جامعة للثبات والرشد وحسن العبادة

ومن الأدعية التي أوردها ابن القيم وصية النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه أن يقول دبر كل صلاة: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». وأمره ﷺ بالإلحاح بقوله: «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».

ومنها دعاء الرجل الذي قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ». فقال النبي ﷺ: «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».

ووصية النبي ﷺ لشداد بن أوس رضي الله عنه: «إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدِ اكْتَنَزُوا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ».

وتعليمه ﷺ حصينًا رضي الله عنه حين أسلم: «اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي». ودعاؤه ﷺ: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي...».

وختم الشيخ بحديث أم سلمة رضي الله عنها في الدعاء الجامع: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَسْأَلَةِ، وَخَيْرَ الدُّعَاءِ، وَخَيْرَ النَّجَاحِ، وَخَيْرَ الْعَمَلِ، وَخَيْرَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْحَيَاةِ، وَخَيْرَ الْمَمَاتِ، وَثَبِّتْنِي، وَثَقِّلْ مَوَازِينِي، وَحَقِّقْ إِيمَانِي، وَارْفَعْ دَرَجَاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلَاتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، آمِينَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ...».

النقاط الرئيسية

  • قول «لو» على وجه التحسّر والاعتراض بعد وقوع المقدور منهيٌّ عنه لأنه يفتح عمل الشيطان، والمشروع أن يقال: «قدَّر الله وما شاء فعل».
  • التحسّر على الأقدار من صفات الكفار التي نهى الله المؤمنين عن التشبه بها.
  • الله يلوم على العجز، و«حسبي الله ونعم الوكيل» تُقال بعد بذل الأسباب، لا عذرًا لتركها.
  • كان النبي ﷺ يستحب جوامع الدعاء، والتكلّف والتفصيل الزائد في الدعاء من الاعتداء المنهي عنه.
  • الاستعاذات النبوية تجمع شرور القلب والنفس والبدن والمال وفتن الدنيا والبرزخ والآخرة.
  • العافية أعظم ما يُعطاه العبد بعد اليقين، ولا يُسأل الصبر إلا عند وجود البلاء.
  • من الأمانة العلمية بيان درجة الأحاديث، كما نبّه الشيخ على ما في بعضها من ضعف مع صحة معناها.

الفوائد والعبر

  • عوّد لسانك عند المصيبة أو فوات المطلوب على قول: «قدَّر الله وما شاء فعل»، واترك عبارات التحسّر التي لا تزيدك إلا همًّا.
  • اجمع في حياتك بين الحزم وبذل الأسباب وبين التوكل الصادق، ولا تجعل التوكل غطاءً للكسل والعجز.
  • احفظ جملة من الأدعية الجامعة ورددها في سجودك ودبر صلواتك، ولا سيما «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
  • أكثر من سؤال الله العافية في الدين والدنيا والآخرة، ولا تتمنَّ البلاء ولا تسأله.
  • استعذ بالله يوميًّا من الهم والحزن والعجز والكسل، وتأمّل معانيها لتعالج بها أمراض النفس والقلب.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات