شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (8) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

1,857 مشاهدة
43 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن من شرح كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويدور الكتاب حول ذكر الله تعالى وفضائله وآثاره في القلب والبدن والحياة. ويتناول هذا المجلس جملة من فوائد الذكر التي عدّدها الإمام ابن القيم. أبرزها أن الذكر حصن العبد من الشيطان، وأنه جلاء القلب من صدئه، وأنه سبب لرفعة الدرجات. ويبيّن المجلس كذلك خطر الغفلة واتباع الهوى، وأثرهما في اختيار من يُقتدى به.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في أن الذكر حياة القلوب، وأن القلب إذا خلا منه استولى عليه الشيطان وتمكنت منه الغفلة. ومعرفة فضائل الذكر تبعث العبد على المداومة عليه، وتجعله من أهل اليقظة لا من أهل الغفلة.

ويهدف هذا الدرس إلى تحقيق ما يلي:

  • بيان أثر الذكر في طرد الشيطان وقمعه.
  • معرفة أسباب صدأ القلب وطريق جلائه.
  • إدراك منزلة الذكر بين الأعمال.
  • تعلّم الميزان الشرعي في اختيار القدوة.

تنبيه: النص المفرغ المرفق بالمقطع كان مشوشًا إلى حد كبير. لذلك بُني هذا الوصف على المقاطع المفهومة منه، مع الاستعانة بسياق كتاب «الوابل الصيب» الذي يشرحه الشيخ.

المحور الأول: الذكر حصن العبد من الشيطان

يقرر الإمام ابن القيم أن من أعظم فوائد الذكر أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره. فالشيطان متربص بابن آدم، ملازم لقلبه، ينتظر ساعة غفلته ليوسوس له. فإذا ذكر العبد ربه انقبض الشيطان وتأخر، ولهذا سُمّي «الوسواس الخنّاس».

قال الله تعالى: ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4].

وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذا المعنى: «الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ».

ويشهد لهذا حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه في وصايا يحيى بن زكريا عليهما السلام: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ» (رواه الترمذي وأحمد).

المحور الثاني: الذكر أفضل الأعمال وأرفعها في الدرجات

يبيّن الشرح منزلة الذكر العظيمة بين الأعمال الصالحة. فهو مع يسره وخفته على اللسان من أزكى الأعمال عند الله وأرفعها لدرجات العبد. وقد فضّله النبي ﷺ على إنفاق الذهب والفضة، وعلى ملاقاة العدو في سبيل الله.

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى» (رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد).

ويستفاد من الحديث أن الذكر لا يُستهان به لسهولته. بل هو باب واسع من أبواب الأجر، متاح لكل مسلم في كل وقت وحال.

المحور الثالث: صدأ القلب وجلاؤه

يقرر الإمام ابن القيم أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وأن جلاءه بالذكر. وصدأ القلب يكون بأمرين: الغفلة والذنب. وجلاؤه يكون بشيئين: الاستغفار والذكر.

فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه. وبقدر غفلته يكون صدأ قلبه، فإذا ذكر الله انجلى عنه ذلك الصدأ.

وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه. فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل. ذلك أن الصدأ يطفئ نوره، فلا يدرك الحقائق كما هي، ولا يقبل الحق ولا ينكر الباطل.

المحور الرابع: خطر الغفلة واتباع الهوى، وميزان اختيار القدوة

من أخطر ثمار صدأ القلب أن يجتمع على صاحبه الغفلة واتباع الهوى، فيصير أمره ضياعًا وتفريطًا. وقد نهى الله تعالى عن طاعة من هذا حاله.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

ومن هنا يقرر الإمام ابن القيم ميزانًا دقيقًا: إذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر في أمرين:

  • هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟
  • هل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟

فإن كان الهوى هو الحاكم عليه، وكان من أهل الغفلة، كان أمره فُرُطًا، فلا يُقتدى به ولا يُتّبع. وأما من كان الوحي حاكمًا عليه، وكان من أهل الذكر، فهو أهل لأن يُقتدى به.

النقاط الرئيسية

  • الذكر يطرد الشيطان ويقمعه، والشيطان يوسوس عند الغفلة ويخنس عند ذكر الله.
  • ذكر الله حصن حصين لا يُحرز العبد نفسه من الشيطان إلا به.
  • الذكر من خير الأعمال وأزكاها عند الله وأرفعها في الدرجات، كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
  • القلب يصدأ بالغفلة والذنب، ويُجلى بالذكر والاستغفار.
  • القلب الصدئ تنقلب عنده الحقائق، فيرى الحق باطلًا والباطل حقًا.
  • الغفلة واتباع الهوى يجعلان أمر صاحبهما فُرُطًا وضياعًا.
  • ميزان اختيار القدوة: أن يكون من أهل الذكر، وأن يكون الوحي هو الحاكم عليه لا الهوى.

الفوائد والعبر

  • المداومة على أذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات، فهي سياج يحمي العبد من وساوس الشيطان طوال يومه.
  • تعاهد القلب بالاستغفار والذكر كلما شعر العبد بقسوته أو غفلته، فإنهما جلاؤه.
  • استثمار الأوقات اليسيرة، كالمشي وانتظار الصلاة، في الذكر لنيل أجور عظيمة بعمل يسير.
  • التحري في اختيار الصحبة والقدوة، وعرض حالهم على ميزان الذكر والوحي قبل الاقتداء بهم.
  • الحذر من اتباع الهوى، وجعل الوحي هو الحاكم في الأقوال والأفعال، حتى لا يكون أمر العبد فُرُطًا.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات