شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (5) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,342 مشاهدة
305 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الخامس من شرح كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والكتاب من أنفع ما كُتب في إصلاح القلوب وفضل ذكر الله تعالى. وقد بناه ابن القيم على حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه في الكلمات الخمس التي أمر الله بها نبيه يحيى بن زكريا عليهما السلام، وهي جامعة لأصول الدين: التوحيد، والصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر.

ويقف هذا المجلس مع الكلمتين الأوليين من الحديث: إفراد الله بالعبادة وما ضربه النبي ﷺ له من مثل، ثم الأمر بالصلاة والنهي عن الالتفات فيها. ويبين الشيخ معنى إقبال الله على عبده في صلاته، وأثر حضور القلب في قبولها.

ويهدف الدرس إلى أن يعرف طالب العلم حقيقة التوحيد وقبح الشرك، وأن يفهم معنى الخشوع وأنواع الالتفات في الصلاة، وأن يعالج غفلة القلب حتى تكون صلاته صلةً حقيقية بربه.

المحور الأول: حديث الحارث الأشعري وأصول الدين الخمسة

يبدأ الشرح بالحديث الذي بنى عليه ابن القيم كتابه. فقد أمر الله نبيه يحيى عليه السلام بخمس كلمات يعمل بها ويأمر بها بني إسرائيل. ولما أبطأ في تبليغها نبهه عيسى عليه السلام، فجمع يحيى الناس في بيت المقدس وبلّغهم إياها.

ويبيّن الشيخ أن هذه الكلمات الخمس تجمع حق الله في التوحيد والصلاة والذكر، وتجمع الإحسان إلى الخلق بالصدقة، وتهذيب النفس بالصيام. ولذلك كان الحديث أصلاً عظيماً في بيان سعادة العبد في الدنيا والآخرة.

قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا» رواه الترمذي وأحمد.

المحور الثاني: التوحيد ومثل المشرك بالله

أول الكلمات الخمس أن يُعبد الله وحده لا شريك له. وقد ضرب النبي ﷺ للمشرك مثل عبدٍ اشتراه سيده من خالص ماله، وأسكنه داره، وكلّفه بعمله، فصار العبد يعمل ويؤدي ثمرة عمله إلى غير سيده. وهذا مثل يستقبحه كل عاقل.

ويوضح الشيخ أن الله هو الخالق الرازق المنعم وحده، فصرف شيء من العبادة لغيره أقبح من فعل ذلك العبد. وإذا كان المخلوق لا يرضى أن يشاركه غيره في عبده، فالله أحق ألا يرضى أن يُشرك به.

قال ﷺ: «أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ، فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي، فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟»

وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29].

المحور الثالث: الأمر بالصلاة وإقبال الله على عبده

الكلمة الثانية هي الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. ويذكر الحديث أن الله يقبل بوجهه على عبده المصلي ما دام العبد مقبلاً على ربه ولم يلتفت.

ويقرر الشيخ أن هذا الإقبال على ما يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تعطيل، على طريقة السلف في إثبات الصفات. ثم يبين أن معرفة العبد بإقبال ربه عليه تملأ قلبه هيبةً وحياءً، فتحمله على الخشوع.

قال ﷺ: «وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ».

وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].

المحور الرابع: الالتفات في الصلاة وحضور القلب

يبين ابن القيم أن الالتفات في الصلاة نوعان. الأول التفات القلب إلى غير الله من الخواطر وشواغل الدنيا. والثاني التفات البصر يميناً وشمالاً. وكلاهما منهي عنه، وهما ينقصان أجر الصلاة ويضعفان أثرها.

ويشرح الشيخ أن المصلي إذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله عنه. ومثله مثل من يقف بين يدي ملك عظيم، فلما أقبل عليه الملك أعرض عنه بوجهه وانشغل بغيره. فكيف بمن يقف بين يدي ملك الملوك؟

ومن الأسباب المعينة على حضور القلب: استحضار عظمة الله، وتدبر ما يُقرأ من القرآن والأذكار، والإعراض عن الشواغل قبل الدخول في الصلاة، ومجاهدة وساوس الشيطان.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رواه البخاري.

النقاط الرئيسية

  • بنى ابن القيم كتاب «الوابل الصيب» على حديث الحارث الأشعري في الكلمات الخمس.
  • تجمع الكلمات الخمس أصول الدين: التوحيد، والصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر.
  • التوحيد هو الأصل الأول، ومثل المشرك مثل عبد يخدم غير سيده الذي اشتراه وأنعم عليه.
  • الله يقبل على عبده في صلاته ما لم يلتفت، وهذا الإقبال يُثبت على ما يليق بجلاله.
  • الالتفات في الصلاة نوعان: التفات القلب، والتفات البصر.
  • الالتفات اختلاس يسرقه الشيطان من صلاة العبد فينقص أجرها.
  • حضور القلب روح الصلاة، وهو سبب الفلاح الذي وعد الله به المؤمنين الخاشعين.

الفوائد والعبر

  • أن يراجع المسلم إخلاصه دائماً، فلا يصرف شيئاً من عمله أو قصده لغير الله الذي خلقه ورزقه.
  • أن يتهيأ للصلاة قبل الدخول فيها، فيقطع الشواغل ويستحضر أنه واقف بين يدي ربه.
  • أن يغض بصره في الصلاة ويجاهد خواطر قلبه، حتى لا يسرق الشيطان من صلاته.
  • أن يستشعر إقبال الله عليه في صلاته، فيدفعه ذلك إلى الحياء والخشوع وتحسين العبادة.
  • أن يجعل الكلمات الخمس منهجاً عملياً في يومه: توحيد خالص، وصلاة خاشعة، وصيام، وصدقة، وذكر دائم.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات