شرح كتاب "الوابل الصيب للإمام ابن القيم" (17) شرح فضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع عشر من شرح كتاب «الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب» للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس أربعة فصول من الكتاب تكثر حاجة المسلم إليها في يومه: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والاستخارة، وأذكار الكرب والهم والغم والحزن، ثم الأذكار التي يُستجلب بها الرزق وعلى رأسها الاستغفار.
ويبيّن الشيخ في هذا المجلس الصيغ الثابتة في السنة للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفضل الالتزام بلفظها كما علّمه النبي لأصحابه. ثم يشرح صفة صلاة الاستخارة ودعاءها، ويجمع إليها مشاورة أهل العقل والحكمة. ثم يذكر الأذكار النبوية التي يفرّج الله بها الكروب، ويختم بالكلام على الاستغفار وأنه سبب لسعة الرزق وكشف البلاء، ويستشهد على ذلك بقصص واقعية مؤثرة.
والغاية من هذا الدرس أن يحفظ المشاهد هذه الأذكار والأدعية بألفاظها الصحيحة، وأن يفهم معانيها، وأن يتعلق قلبه بالله تعالى في كل أمره، في الإقدام على عمل، وفي نزول شدة، وفي طلب رزق.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (الفصل الخامس والعشرون)
يبدأ الإمام ابن القيم هذا الفصل بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. ثم يذكر الصيغ الثابتة في الصحيحين وغيرهما. فمنها حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه، وفيه أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله، قد عرفنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلي عليك؟» فقال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
ومنها حديث أبي حُميد الساعدي رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». ومنها حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه في صحيح مسلم، وفيه أن بشير بن سعد رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فسكت حتى تمنّوا أنه لم يسأله، ثم علّمهم الصيغة وزاد فيها: «فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».
ويؤكد الشيخ أن هذه الصيغ عبادة توقيفية، فالأولى أن يأتي بها المسلم كما علّمها النبي صلى الله عليه وسلم دون زيادة. ويبيّن أن الاتباع هو أعظم صور التعظيم والمحبة، وأن من ظن أن الوقوف عند لفظ النبي فيه تقصير في حقه فقد أخطأ، لأن كمال الأدب معه أن يُلتزم ما علّمه. ثم يذكر الأثر الذي رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ»، وفيه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَاتَكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ...»، ويذكر الشيخ أنه محتمل للتحسين.
المحور الثاني: الاستخارة والمشاورة (الفصل السادس والعشرون)
الاستخارة معناها أن يطلب العبد من ربه أن يختار له الخير، ويُشرع ذلك في كل أمر يهمّ به، كسفر أو زواج أو بيع أو شراء. وفي صحيح البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ».
ويبيّن الشيخ أن ظاهر الحديث أن الدعاء يكون بعد الركعتين، أي بعد السلام، ويجوز أن يكون قبل السلام بعد التشهد. وينبّه إلى أنه لا يُشترط بعد الاستخارة أن يرى المستخير رؤيا أو أن ينشرح صدره، بل يستخير ثم يمضي في أمره. فإن تيسّر الأمر فهذا من علامات الخير، وإن تعسّر وكثرت العوائق فذلك صرفٌ من الله. وفي مسند الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعًا: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ».
ثم ينقل قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «مَا نَدِمَ مَنِ اسْتَخَارَ الْخَالِقَ، وَشَاوَرَ الْمَخْلُوقِينَ، وَتَثَبَّتَ فِي أَمْرِهِ»، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]، وبقول قتادة: «ما تشاور قومٌ يبتغون وجه الله إلا هُدوا لأرشد أمرهم». ويؤكد الشيخ أن المشاورة تكون لأهل العقل والحكمة والخبرة، لا لكل أحد، فالحكمة لا تتعلق بالسن وحدها. ويستشهد بقوله تعالى في الخلاف بين الزوجين: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]، فالحَكَم هو الرجل الحكيم الذي يُقدِّر الأمور قدرها.
المحور الثالث: أذكار الكرب والهم والغم والحزن (الفصل السابع والعشرون)
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». ويبيّن الشيخ أن من قالها بيقين وإخلاص وجد الراحة والطمأنينة في الحال. فإن لم يجد أثرها فليراجع نفسه في صدقه وإخلاصه، لأن الله لا يُجرَّب، وإنما العبد هو المبتلى.
وفي الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كربه أمرٌ قال: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ». وفي سنن أبي داود عن أبي بكرة رضي الله عنه: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها: «أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ: اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
ومن أعظم هذه الأدعية دعوة ذي النون عليه السلام: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ». ويوضح الشيخ أنها تجمع التوحيد، وتنزيه الله تعالى، واعتراف العبد بظلمه لنفسه وتقصيره في حق ربه. ومنها أيضًا حديث ابن مسعود رضي الله عنه في مسند أحمد: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي»، إلا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا. ونبّه الشيخ إلى تتمة الحديث: «يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا».
المحور الرابع: الاستغفار وأثره في جلب الرزق وكشف البلاء (الفصل الثامن والعشرون)
يذكر ابن القيم في هذا الفصل الأذكار الجالبة للرزق، وأعظمها الاستغفار، لقول الله تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12]. وفي بعض السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».
ويروي الشيخ قصة رجل ضاقت به الدنيا، فلم يلجأ إلى الاستغفار بل لجأ إلى الحرام، فحمل سلاحًا ليسرق الناس. فأوقعه ذلك في بلاء عظيم كاد يهلك فيه وانتهى به إلى المستشفى. ويعلّق الشيخ بأنه لو لجأ إلى الاستغفار وطرق باب الله لفُتح له باب الرزق الحلال.
ويروي كذلك قصة رجل من اليمن أصيب بالسرطان، وأخبره الأطباء أن أيامه في الدنيا معدودة. فرجع إلى أهله وانقطع إلى ربه يبكي ويدعوه ويتوسل إليه ويتذكر ابتلاء الأنبياء. فشفاه الله تعالى حتى ذهل طبيبه من نتائج الفحوص الجديدة، ثم جعل الرجل يطوف على القبائل يحدّثهم بما صنع الله به. ويبيّن الشيخ أن هذا ثمرة تعلق القلب بالله، وأن الله إذا أراد بعبده خيرًا فلا رادّ لفضله. ويوصي الشيخ الفقير والمريض والمهموم بالاستغفار مع حضور القلب واليقين، لا بمجرد ترديد اللسان.
النقاط الرئيسية
- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمر الله به المؤمنين، ولها صيغ ثابتة في الصحيحين ينبغي حفظها والالتزام بألفاظها.
- الاتباع هو أعظم صور تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، فالوقوف عند ما علّمه ليس تقصيرًا في حقه.
- الاستخارة مشروعة في كل أمر، وتكون بركعتين من غير الفريضة ثم الدعاء المأثور، ولا يُشترط بعدها رؤيا ولا انشراح صدر.
- من جمع بين استخارة الخالق ومشاورة أهل العقل والحكمة والتثبت في أمره لم يندم.
- للكرب والهم أذكار نبوية مخصوصة، منها دعاء الكرب، و«يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»، ودعوة ذي النون.
- أثر الدعاء والذكر مرتبط بصدق القلب ويقينه وإخلاصه، لا بمجرد ترديد الألفاظ.
- الاستغفار سبب لسعة الرزق ونزول الغيث وكثرة المال والولد وتفريج الهم والضيق.
الفوائد والعبر
- احفظ الصيغة الإبراهيمية للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر منها في يومك، والتزم ألفاظها الواردة.
- لا تُقدِم على أمر مهم في حياتك إلا بعد أن تستخير ربك وتشاور أهل الخبرة والحكمة، ثم توكل على الله وارضَ بما يقضيه.
- إذا نزل بك كرب أو هم فافزع فورًا إلى أذكار الكرب بقلب حاضر ويقين صادق، وراجع نفسك إن لم تجد أثرها.
- لا تجعل ضيق الحال سببًا للوقوع في الحرام، فباب الرزق الحلال يُفتح بالاستغفار والتوبة والتقوى.
- الزم الاستغفار في كل أحوالك، في الفقر والمرض والهم، وعلّق قلبك بالله، فما عند الله لا يُنال إلا بطاعته.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات