شرح كتاب" الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(7)شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «الفقيه والمتفقه» للإمام الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يبدأ المجلس بباب ما رُوي في أن ذهاب الفقهاء والعلماء الربانيين من علامات إدبار الدين. ويبيّن الشيخ أن الفقيه الحقيقي ليس من يحفظ المسائل فقط، وإنما هو العالم العامل الرباني الذي تصلح به الأمة.
ثم ينتقل المجلس إلى باب وجوب التفقه في الدين على المسلمين جميعًا. ويفرّق فيه بين فرض العين، وهو ما يحتاجه كل مسلم في عبادته ومعاملته، وفرض الكفاية، وهو التوسع في علوم الشريعة الذي تقوم به طائفة من الأمة. ويُختم المجلس بباب مسؤولية الرجل عن تعليم أولاده وأهله ومن تحت يده.
وأهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد قيمة العلماء في المجتمع، وأن يعرف القدر الواجب عليه من العلم الشرعي، وأن يدرك ما عليه من أمانة في تعليم أسرته وتأديبها. ويتعلم أيضًا منهج المحدّثين في نقد الأسانيد، فالشيخ يبيّن درجة ما يمرّ به من الروايات، فيذكر الصحيح والضعيف والموضوع.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ذهاب العلماء الربانيين من علامات إدبار الدين
أورد الخطيب حديث أبي أمامة رضي الله عنه في أن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا. ومعناه أن من إقبال الدين أن يكثر الفقهاء في القبيلة حتى لا يبقى فيها إلا فاسق أو فاسقان مقهوران ذليلان، وأن من إدباره أن يكثر الفسّاق ويقلّ الفقهاء حتى يصير أهل العلم مقموعين. وبيّن الشيخ أن هذا الحديث ضعيف الإسناد، ففيه عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد الألهاني وهما ضعيفان، لكن معناه ظاهر في الواقع. فإذا كثر أهل الخير والعلم قُمع أهل الباطل، والعكس بالعكس.
ونبّه الشيخ على خطر انقلاب الموازين في بعض بلاد المسلمين، حيث يُضيَّق على المرأة المنتقبة ولا يُنكَر على أهل الفجور. وشبّه ذلك بقول قوم لوط في أهل الطهارة:
﴿أَخْرِجُوهُمْ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]
وفسّر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41] بأن المراد ذهاب فقهائها وخيار أهلها، وفي رواية أخرى: موت علمائها وفقهائها. وأشار الشيخ إلى أن حديث «إذا أراد الله بقوم خيرًا أكثر فقهاءهم» موضوع، ففي إسناده راوٍ يضع الحديث. وكذلك حديث الرحمة بالعزيز الذي ذلّ، والغني الذي افتقر، والفقيه الذي يتلاعب به الجهّال، فهو ضعيف الإسناد، لكنه يدل على وجوب توقير العلماء والتأدب معهم.
المحور الثاني: المبادرة إلى طلب العلم قبل قبضه
ساق الخطيب بإسناد صحيح أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الحث على أخذ العلم قبل ذهاب أهله، والتحذير من البدع والتنطّع، ولزوم الأمر الأول الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رضي الله عنه:
«عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يَذْهَبَ أَصْحَابُهُ، عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ، وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ».
وبيّن الشيخ أن على طالب العلم إذا وجد عالمًا ربانيًا أن يسارع إلى الأخذ عنه قبل أن يموت أو يرحل. وحذّر من أقوام يرفعون شعار الدعوة إلى القرآن وهم لا يعملون به.
المحور الثالث: وجوب التفقه في الدين بين فرض العين وفرض الكفاية
ذكر الخطيب حديث «طلب العلم فريضة» من طرق متعددة. وبيّن الشيخ أن أسانيده لا تخلو من ضعف، لكنه يصح بمجموع طرقه:
«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»
ونقل الخطيب قول سفيان بن عيينة رحمه الله: ليس طلب العلم فريضة على كل المسلمين، فإذا طلبه بعضهم أجزأ عن الباقين، مثل صلاة الجنازة. وحمل الخطيب ذلك على تفاصيل الأحكام الفقهية. أما أصول الدين، من معرفة الله وتوحيده وصفاته وصدق رسله، فيجب على كل أحد أن يعرفها على وجه الإجمال، ولا يقوم فيها أحد مقام غيره. وأوضح الشيخ أن الإيمان الإجمالي بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر واجب على كل مسلم، وأن معرفة التفاصيل بأدلتها من فروض الكفاية.
وفسّر عبد الله بن المبارك رحمه الله الفريضة بأن الرجل إذا وقع في شيء من أمر دينه سأل عنه حتى يعلمه. وضرب لذلك مثلًا بالزكاة، فمن لا مال له لا يلزمه تعلّم أحكامها، فإذا ملك مائتي درهم وجب عليه أن يتعلم كم يُخرج ومتى يُخرج وأين يضع زكاته. وسُئل الإمام أحمد رحمه الله عمّا يجب على الرجل من طلب العلم، فقال: ما يقيم به الصلاة وأمر دينه من الصوم والزكاة وشرائع الإسلام. وقال الإمام مالك رحمه الله: «إن العلم لحسن، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه».
ومن ذلك ما رُوي عن علي رضي الله عنه أنه أمر من أراد التجارة أن يتفقه قبلها، فإن من اتّجر قبل أن يتفقه ارتطم في الربا. وفي إسناد هذا الأثر راوٍ متّهم بالكذب، لكن معناه مشاهد في الواقع، فكثير من التجار يقعون في المحرمات وهم لا يشعرون. فالتاجر يتعلم أحكام البيوع، والحاج يتعلم مناسك الحج، والصائم يتعلم مفسدات الصوم.
المحور الرابع: مسؤولية ولي الأمر والعلماء في نشر العلم
قرّر الخطيب أنه يجب على كل مسلم بالغ عاقل، ذكرًا كان أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، أن يتعلم أحكام الطهارة والصلاة والصيام، وأن يعرف ما يحلّ له وما يحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأموال. وعلى الإمام أن يُلزم الأزواج والسادة بتعليم من تحت أيديهم، وأن يرتّب للناس معلّمين يُعطَون رزقهم من بيت المال.
ويجب على العلماء أن يعلّموا الجاهل ليتميّز له الحق من الباطل، لقوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]
ورُوي عن علي رضي الله عنه أن الله ما أخذ على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا. فإذا وجب على الجاهل أن يتعلم، وجب على العالم أن يعلّم من يطلب العلم.
المحور الخامس: تعليم الرجل أولاده وأهله
عقد الخطيب بابًا لتعليم الرجال أولادهم ونساءهم ومن تحت أيديهم، واستدل بحديث الرعاية الثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
وبيّن الشيخ أن الرعاية لا تقتصر على المأكل والمشرب والمسكن، وإنما تشمل تعليم الدين قبل ذلك. واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم:
«مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا»
ونبّه الشيخ إلى أن الأمر بالصلاة يسبقه تعليمها، فكيف يُؤمر الصبي بالصلاة وهو لا يعرف كيف يصلي؟ وأورد قول ابن عمر رضي الله عنهما لرجل: «أَدِّبِ ابْنَكَ، فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ وَلَدِكَ: مَاذَا أَدَّبْتَهُ؟ وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ».
وفسّر علي رضي الله عنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] بقوله: «عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ». وذكر الخطيب أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يجعل القيد في رجل مولاه عكرمة ليلزمه بتعلّم القرآن والسنة، وهذا يدل على شدة عناية السلف بتعليم من تحت أيديهم.
النقاط الرئيسية
- الفقيه الحقيقي هو العالم العامل الرباني، وليس من يحفظ المسائل فقط.
- من علامات إقبال الدين كثرة العلماء وذلّ أهل الفسق، ومن علامات إدباره قلة الفقهاء وغلبة أهل الباطل.
- نقص الأرض من أطرافها يكون بموت علمائها وذهاب خيار أهلها، كما فسّره ابن عباس رضي الله عنهما.
- حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» يصح بمجموع طرقه، والواجب منه على الأعيان هو ما يحتاجه المسلم في دينه.
- أصول الإيمان على وجه الإجمال فرض عين، والتوسع في تفاصيل الأحكام فرض كفاية.
- ولي الأمر مسؤول عن تهيئة من يعلّم الناس، والعلماء مأخوذ عليهم الميثاق بالبيان وعدم الكتمان.
- الأب مسؤول عن تعليم أولاده وتأديبهم، والولد مسؤول بعد ذلك عن برّ والديه.
الفوائد والعبر
- أن يحدد المسلم ما يلزمه من العلم بحسب حاله: فالتاجر يتعلم أحكام البيوع، ومن ملك النصاب يتعلم أحكام الزكاة، ومن أراد الحج أو العمرة يتعلم مناسكهما قبل أن يشرع فيهما.
- أن يبادر إلى الأخذ عن العلماء الربانيين في حياتهم، وأن يوقّرهم ويتأدب معهم، فذهابهم نقص في الأرض.
- أن يعلّم أولاده الصلاة قبل أن يأمرهم بها، وأن يجعل تعليمهم الدين أعظم ما يقدّمه لهم، حتى يقيهم ويقي نفسه من النار.
- أن يلزم هدي الصحابة رضي الله عنهم، ويحذر من البدع والتنطّع والتعمّق، ومن دعاة يرفعون شعار القرآن وهم لا يعملون به.
- أن يتثبّت من الأحاديث قبل نشرها، اقتداءً بمنهج المحدّثين في بيان الصحيح والضعيف والموضوع.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات