شرح كتاب" الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(10)شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,040 مشاهدة
363 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس العاشر من شرح كتاب «الفقيه والمتفقه» للعلامة الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله، يشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. عُقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة السبت الرابع من شهر ربيع الثاني سنة 1440هـ، الموافق للثامن من ديسمبر 2018م.

يتناول المجلس بابين عظيمين من أبواب أصول الفقه، لا يستغني عنهما طالب العلم في فهم نصوص الوحيين:

  • باب المبيَّن والمجمل: وفيه يُعرف ما يستقل بنفسه في بيان المراد، وما يفتقر إلى غيره ليُفهم.
  • باب الناسخ والمنسوخ: وفيه يُعرف ما رُفع من الأحكام وما بقي، وقد قال علي رضي الله عنه لمن جهله: «هلكتَ وأهلكتَ».

ويهدف هذا الدرس إلى أن يتمكن طالب العلم مما يلي:

  • التمييز بين دلالات الألفاظ من منطوق ومفهوم.
  • إدراك منزلة السنة النبوية في تفسير القرآن الكريم وبيانه.
  • معرفة حقيقة النسخ وأقسامه في القرآن الكريم، مع تمحيص الشيخ للأسانيد والأقوال.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: المبيَّن وأقسامه في المنطوق (النص والظاهر والعموم)

عرّف الخطيب البغدادي المبيَّن بأنه: ما استقل بنفسه في الكشف عن المراد، ولم يفتقر في معرفة المراد إلى غيره. وهو ضربان: ضرب يفيد بنطقه، وضرب يفيد بمفهومه. والذي يفيد بنطقه ثلاثة أنواع: النص، والظاهر، والعموم.

النص: كل لفظ دل على الحكم بصريحه على وجهٍ لا احتمال فيه، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: 32] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]

الظاهر: كل لفظ احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، فيجب حمله على أظهرهما، ولا يجوز صرفه عنه إلا بدليل أقوى منه. ومن أمثلته الأمر والنهي ونحوهما من أنواع الخطاب الموضوعة لمعانٍ مخصوصة مع احتمالها لغيرها، وقد مثّل الشيخ بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] فهل المراد مسح بعض الرأس أم كله؟

العموم: ما عمّ شيئين فصاعدًا على السواء. والفرق بينه وبين الظاهر أن العموم ليس بعض ما يتناوله أظهر فيه من بعض، فيُحمل على جميع ما يتناوله إلا أن يخصه دليل أقوى منه. وقرر الشيخ في هذا الموضع أن كل عموم ظاهر، وليس كل ظاهر عمومًا.

المحور الثاني: دلالة المفهوم (فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب)

فحوى الخطاب: ما دل عليه اللفظ من جهة التنبيه، وهو نوعان: تنبيه بالأدنى على الأعلى، وتنبيه بالأعلى على الأدنى.

  • مثال التنبيه بالأدنى على الأعلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، ففيه تنبيه على تحريم الضرب والسب؛ لأنهما أعظم من التأفيف.
  • مثال التنبيه بالأعلى على الأدنى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75]، ففيه تنبيه على أنه يؤدي ما دون القنطار من باب أولى.

وذكر الخطيب أن بعض أهل اللغة زعم أن «الفحوى» مشتقة من تسميتهم الأبزار «فحا»؛ لأن الفحوى تُظهر المعنى كما تُظهر الأبزار طعم الطبيخ. ومن العلماء من يسمي فحوى الخطاب «القياس الجلي» أو «القياس في معنى النص».

لحن الخطاب: ما دل عليه اللفظ من الضمير (المحذوف) الذي لا يتم الكلام إلا به، ومثاله:

  • قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]، والمعنى: فضربه فانفجرت.
  • حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، أي: اسأل أهل القرية.

ولا خلاف أن فحوى الخطاب ولحنه كالمنطوق به في الإفادة والبيان.

دليل الخطاب: أن يُعلَّق الحكم على إحدى صفتي الشيء، فيدل على أن ما عداها بخلافه. ومن أمثلته:

  • قوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]، ففيه دلالة على أن العدل إذا جاء بنبأ لم يجب التبيّن فيه.
  • قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، ففيه دلالة على أن المبتوتة غير الحامل لا تجب لها النفقة.

المحور الثالث: المجمل، والسنة مبيِّنة للقرآن

المجمل: ما لا يُعقل معناه من لفظه، ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره. ومثّل له الخطيب بأمرين:

  • قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
  • قوله ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا».

فالحق المذكور في الآية والحديث مجهول الجنس والقدر، فاحتاج إلى بيان.

ونقل الخطيب عن أبي عبيد القاسم بن سلّام أن السنة هي المفسرة للتنزيل والموضحة للحدود والشرائع، وذكر لذلك أمثلة:

  • حد الزنا: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، ثم رجم النبي ﷺ الثيب، فبيّن أن المراد بالآية البكران.
  • المواريث: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، ثم قال ﷺ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»، فبيّن أن الموارثة تكون بين أهل الدين الواحد.
  • الوضوء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]، ثم مسح ﷺ على الخفين، فبيّن أن غسل الرجلين إنما يكون إذا لم تكونا مستورتين بالخفاف.

ورد الخطيب على عكرمة في إنكاره مسح ابن عباس رضي الله عنهما على الخفين، فقرر أن ابن عباس أعلم بكتاب الله من عكرمة، وأنه إنما مسح لثبوت ذلك عنده من فعل النبي ﷺ.

وساق الخطيب أثر عمران بن حصين رضي الله عنهما مع الرجل الذي قال: «حدثونا بالقرآن ودعونا من الحديث»، فقال له عمران: «إنك امرؤ أحمق، أتجد في كتاب الله الظهر أربعًا لا يُجهر فيها بالقراءة؟»، وذكر له الصلاة والزكاة ونحوهما، ثم قال: «إن كتاب الله أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك»، فقال الرجل: «أحييتني أحياك الله»، فما مات حتى صار من فقهاء المسلمين.

وقد نبّه الشيخ على أسانيد هذا الأثر:

  • في أحد الطرق الواقدي، وهو متهم متروك.
  • في طريق آخر علي بن زيد بن جدعان، وهو علة الإسناد، لكنه متابَع.
  • طريق خالد عن الحسن إسناده صحيح.

وختم الشيخ هذا الباب بالتحذير من أن أعداء الدين إذا أرادوا الطعن فيه طعنوا في السنة.

المحور الرابع: الناسخ والمنسوخ، تعريفه وشروطه

افتتح الخطيب الباب بأثر علي رضي الله عنه أنه مرّ بقاصٍّ فقال: «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟» قال: لا، قال: «هلكتَ وأهلكتَ». وقد صحح الشيخ إسناده.

ونقل الخطيب عن أبي إسحاق الشيرازي الفيروزآبادي أن النسخ في اللغة يُستعمل في معنيين:

  • الرفع والإزالة: كقولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الرياح الأثر.
  • النقل: كقولهم: نسخت الكتاب.

والنسخ في الشرع على المعنى الأول، وحدّه: «الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه».

ويخرج بهذا الحد ما يلي:

  • ما سقط عن الإنسان بالموت؛ لأنه ليس بخطاب.
  • رفع ما كانوا عليه في الجاهلية كشرب الخمر؛ لأنه لم يثبت بخطاب.
  • ما سقط بكلام متصل كالاستثناء والغاية، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]؛ لأنه غير متراخٍ عنه.

المحور الخامس: أقسام النسخ في القرآن، والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل

النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب:

الضرب الأول: نسخ الحكم دون الرسم، ومن أمثلته:

  • الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180]، نسختها آية المواريث.
  • عدة الوفاة حولًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]، نسخها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. وقد نبّه الشيخ على ضعف إسناد أثر ابن عباس في ذلك من طريق عبد الله بن صالح.

الضرب الثاني: نسخ الرسم دون الحكم، ومثاله آية الرجم. فقد قال عمر رضي الله عنه: «إن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها... وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». فالحكم باقٍ والتلاوة مرفوعة.

الضرب الثالث: نسخ الرسم والحكم معًا، ومثاله حديث عائشة رضي الله عنها: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ». فالعشر منسوخة الرسم والحكم.

النسخ إلى غير بدل: ذكر الخطيب أنه يجوز النسخ إلى غير بدل، وهو قول الجمهور. وبيّن الشيخ أن الصحيح خلاف ذلك، ثم تعقّب مثال الخطيب بعدة المتوفى عنها زوجها، وبيّن أنه غير صريح؛ لأن عدة السنة نُسخت إلى بدلٍ هو أربعة أشهر وعشر.

النسخ إلى بدل: وهو جائز بلا إشكال، كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وختم المجلس بأثر ابن عباس رضي الله عنهما في أن أول ما نُسخ من القرآن شأن القبلة، في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115].

النقاط الرئيسية

  • تعريف المبيَّن: ما استقل بنفسه في بيان المراد، وهو قسمان: منطوق (النص، والظاهر، والعموم)، ومفهوم (فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ودليل الخطاب).
  • النص والظاهر: النص لا يحتمل غير معناه، والظاهر يحتمل معنيين أحدهما أرجح، ولا يُصرف عن الراجح إلا بدليل أقوى.
  • العموم: يُحمل على جميع أفراده بالتساوي حتى يرد مخصص أقوى منه، وكل عموم ظاهر وليس كل ظاهر عمومًا.
  • تعريف المجمل: ما يفتقر إلى غيره في بيان المراد، كالحق في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، والسنة هي المبيّنة لمجمل القرآن ومخصصة لعمومه.
  • التحذير من إهمال السنة: الاستغناء بالقرآن عن السنة حمقٌ وضلال، كما قرر عمران بن حصين رضي الله عنهما.
  • تعريف النسخ شرعًا: رفع حكم ثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر متراخٍ عنه، ويخرج منه الموت والاستثناء والغاية ورفع عادات الجاهلية.
  • أضرب النسخ في القرآن ثلاثة: نسخ الحكم دون الرسم، ونسخ الرسم دون الحكم، ونسخهما معًا، والنسخ إلى بدل ثابت كتحويل القبلة.

الفوائد والعبر

  • عدم التسرع في الفتوى: لا يجوز التصدر للفتوى أو الوعظ قبل معرفة الناسخ من المنسوخ والمجمل من المبيّن؛ حتى لا يقع المرء فيما حذّر منه علي رضي الله عنه: «هلكتَ وأهلكتَ».
  • تعظيم السنة النبوية: على المسلم أن يعظم السنة ويحذر من دعاة الاكتفاء بالقرآن؛ فلا تُعرف صفة الصلاة ولا أنصبة الزكاة ولا كثير من الأحكام إلا بها.
  • العناية بدلالات الألفاظ: فهم أنواع الدلالة كالمفهوم والتنبيه بالأدنى على الأعلى يوسّع فهم المسلم للنصوص؛ فتحريم التأفيف للوالدين يدل على تحريم ما هو أعظم منه من باب أولى، فيزداد برًّا بهما.
  • التثبت في الأسانيد والأقوال: يتعلم طالب العلم من منهج الشيخ في الحكم على الأسانيد وتعقّب بعض الأمثلة ألا يقبل كل ما يُروى، وأن يزن الأقوال بالدليل لا بكثرة القائلين.
  • التأدب مع العلماء والرجوع إليهم: قصة الرجل الذي رجع إلى الحق بعد نصح عمران بن حصين حتى صار من فقهاء المسلمين تعلّمنا قبول النصح والتواضع للحق، وأن الرجوع إلى أهل العلم سبب في الهداية والفقه.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات