شرح كتاب" الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(11)شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الحادي عشر من شرح كتاب «الفقيه والمتفقه» للحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله. يشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. أُلقي الدرس بعد صلاة العشاء ليلة السبت الثامن من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٤٠هـ، الموافق للخامس عشر من ديسمبر سنة ٢٠١٨م. يبدأ الشيخ في هذا المجلس الكلام عن الأصل الثاني من أصول الفقه، وهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الموضوع مهم لأن السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى. وهي التي تبيّن مجمل القرآن وتخصص عامه وتقيّد مطلقه، وفيها أحكام لم يرد نصها في الكتاب. ولذلك تكلم أهل العلم كثيرًا في حجيتها ومنزلتها، وردّوا على من يريد الاكتفاء بالقرآن وترك السنة.
أهداف الدرس أن يعرف المتعلم معنى السنة في اللغة والاصطلاح، وأن يعرف الأدلة من القرآن والسنة على وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته. ويتعرّف كذلك على تفسير السلف لـ«الحكمة» بأنها السنة، وعلى أقوال العلماء في كون السنة وحيًا من عند الله تعالى، مع التنبيه على ما يقع في الأسانيد من تصحيف وما يتعلق بها من صحة وضعف.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: تعريف السنة لغةً واصطلاحًا
عرّف الخطيب البغدادي السنة بأنها «ما رُسِم ليُحتذى»، أي ما جُعل ليُقتدى به. ومعناها في اللغة الطريقة. واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ».
وبيّن أن السنة بهذا المعنى تشمل الواجب وغير الواجب. ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند البخاري، فقد صلى على جنازة فجهر بفاتحة الكتاب ثم قال: «لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ». وقراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة، ومع ذلك سمّاها سنة.
ثم ذكر أن الفقهاء غلب عندهم إطلاق السنة على ما ليس بواجب. ولذلك يحسن أن تُعرَّف السنة عندهم بأنها «ما رُسِم ليُحتذى استحبابًا». أما السنة التي هي الأصل الثاني من أصول الفقه فهي ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فيلزم اتباعه فيه على الإجمال. وعند التفصيل يكون منها الفرض والمستحب، ويكون منها ما فعله حرام وما فعله مكروه.
المحور الثاني: وجوب طاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته
أوجب الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على الخلق في آيات كثيرة. وطاعته تكون في أقواله وأفعاله. ومن هذه الآيات:
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
ونقل الخطيب قول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو في كتابه «الرسالة»: إن الله فرض على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله. وكل ما سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ألزمنا الله اتباعه، سواء وُجد أصله في القرآن أم لم يوجد. وجعل الله في اتباعه طاعته، وفي العدول عن اتباعه معصيته التي لا يُعذر بها أحد من الخلق.
المحور الثالث: «الحكمة» في القرآن هي السنة
ذكر الله تعالى الكتاب في آيات كثيرة وقرن به الحكمة. قال الإمام الشافعي: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلّل ذلك بأن الحكمة جاءت مقرونة بكتاب الله، وأن الله ذكر منّته على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلا يصح أن يُقال إن الحكمة هنا شيء غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٤].
وأورد الخطيب آثارًا عن الحسن البصري وقتادة رحمهما الله في تفسير الحكمة بالسنة. وبيّن الشيخ أن إسناد الخطيب إلى الحسن فيه راوٍ متروك، لكن الأثر ثبت بإسناد صحيح عند ابن جرير الطبري. وقال الربيع بن سليمان عن الشافعي: السنة مع الكتاب على وجهين: سنة تأتي مع ما في القرآن، وسنة فيما ليس فيه نص كتاب. والوحي نوعان: وحي متلو وهو القرآن، ووحي غير متلو وهو السنة، وكلاهما من عند الله سبحانه.
المحور الرابع: التحذير من ترك السنة بدعوى الاكتفاء بالقرآن
أورد الخطيب أحاديث أخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي من يردّ السنة ويكتفي بالقرآن، وقد وقع ذلك كما أخبر. ومن هذه الأحاديث حديث أبي رافع رضي الله عنه: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ». ونبّه الشيخ إلى أن الاتكاء على الأريكة إشارة إلى الترف ورغد العيش.
ومنها حديث المقدام بن معدي كرب الكندي رضي الله عنه: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا». وفي رواية: «أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ».
وأشار الشيخ إلى أن تحريم الحمر الأهلية وتحريم كل ذي ناب من السباع لا يوجد نصه في القرآن، وإنما ثبت بالسنة. فمن اكتفى بالقرآن لزمه أن يستحل ما حرّمه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. وبيّن الشيخ أيضًا أن حديث جابر الذي أورده الخطيب في هذا الباب ضعيف لأن في رواته منكرين، وأن المعنى صحيح ثابت بحديث المقدام. ونبّه على تصحيف وقع في المطبوع، وهو «حرايز» وصوابه «حريز بن عثمان»، وأن الخطأ من المحقق لا من الناشر. ودعا الطلاب إلى الانتباه لمثل هذا.
ثم نقل الخطيب عن أبي موسى محمد بن المثنى أنه قال: «سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا مثل كلام الله عز وجل»، وعن سليمان بن طرخان أنه قال: «أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كالتنزيل». ومعنى ذلك أن الجميع وحي.
المحور الخامس: هل السنة التي ليس فيها نص كتاب وحيٌ أم اجتهاد؟
عقد الخطيب بابًا في السنة التي ليس فيها نص كتاب: هل سنّها النبي صلى الله عليه وسلم بوحي أم بغير وحي؟ وذكر فيها قولين:
القول الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنّ شيئًا قط إلا بوحي. والوحي منه ما يُتلى وهو القرآن، ومنه ما لا يُتلى وهو السنة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: ٣-٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. ومن أدلتهم كذلك أثر حسان بن عطية رحمه الله، وإسناده صحيح إليه: «كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، يعلّمه إياها كما يعلّمه القرآن». ونحوه عن الأوزاعي. وفي إسناد الأثر عن الأوزاعي رواد بن الجراح، وهو ضعيف لكنه غير متهم بالكذب.
القول الثاني أن الله جعل لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يسنّ ما يرى فيه مصلحة الخلق. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وقالوا إن الله خصّه بأن يحكم برأيه لأنه معصوم وموفَّق. واستدلوا كذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في خطبة فتح مكة: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ».
وقرّر الشيخ أن القولين متقاربان. فما سنّه النبي صلى الله عليه وسلم إما وحي ابتداءً، وإما اجتهاد أقرّه الله عليه، وإقرار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وحي. فالنتيجة في الحالين واحدة: السنة حجة يجب اتباعها.
النقاط الرئيسية
- السنة في اللغة الطريقة، وفي الاصطلاح «ما رُسِم ليُحتذى». وهي تشمل الواجب وغيره، والفقهاء غلب عندهم إطلاقها على المستحب.
- السنة هي الأصل الثاني من أصول الفقه، واتباعها واجب على الإجمال. أما أحكامها التفصيلية فبين فرض ومستحب ومحرم ومكروه.
- آيات كثيرة توجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعته طاعة لله تعالى، ومخالفته معصية لا يُعذر بها أحد.
- جمهور السلف فسّروا «الحكمة» المقرونة بالكتاب بأنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
- الوحي نوعان: وحي متلو وهو القرآن، ووحي غير متلو وهو السنة، وكلاهما من عند الله.
- أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بظهور من يردّ السنة ويكتفي بالقرآن، وبيّن أن ما حرّمه مثل ما حرّم الله، كتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع.
- اختلف العلماء في السنة التي لا نص فيها من الكتاب: هل هي وحي أم اجتهاد أقرّه الله؟ والقولان متقاربان، وكلاهما يثبت حجيتها.
الفوائد والعبر
- على المسلم أن يعظّم السنة النبوية وينزلها منزلتها، وأن يأخذ بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويجتنب ما نهى عنه، ولو لم يجد نصه في القرآن.
- ينبغي الحذر من دعوات «القرآنيين» ومن يشكّك في السنة. ووقوع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ظهورهم دليل من دلائل نبوته.
- يحتاج طالب العلم إلى التثبت من الأسانيد ومعرفة الصحيح من الضعيف، والانتباه للتصحيفات في الكتب المطبوعة وعدم التسليم بكل ما فيها.
- من المهم التفريق بين معاني المصطلحات بحسب أهل كل فن، ككلمة «السنة» عند المحدثين والأصوليين والفقهاء، حتى لا تختلط الأحكام.
- طاعة النبي صلى الله عليه وسلم طريق إلى رحمة الله ومرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فليحرص المسلم على تعلّم السنة والعمل بها.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات