شرح كتاب" الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(2)شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,353 مشاهدة
455 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو الدرس الثاني من شرح كتاب «الفقيه والمتفقه» للإمام الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. والكتاب من أهم ما صُنّف في آداب طلب العلم وأصول الفقه على طريقة أهل الحديث، لأنه يجمع بين الرواية والدراية، ويدعو طالب العلم إلى أن يجمع حفظ النصوص إلى فهمها والاستنباط منها.

ويتناول هذا المجلس مقدمة الخطيب للكتاب. ففيها يصف حال أهل الحديث في زمانه، ويرد على من طعن فيهم من أهل الرأي والمتكلمين. ثم يوجّه نصيحته إلى طلاب الحديث بألا يقتصروا على جمع الروايات وكتابتها دون التفقه في معانيها.

أهداف التعلم: معرفة سبب تأليف الخطيب لهذا الكتاب، وفهم مكانة أهل الحديث في حفظ الشريعة، وإدراك أهمية الجمع بين الحفظ والفقه، والتنبه إلى خطورة الطعن في نَقَلة الدين.

تنبيه: جاء النص المفرغ للتسجيل مضطربًا في مواضع كثيرة، فاقتصر هذا الوصف على المعاني الواضحة منه، وعلى ما هو معروف من مقدمة الخطيب للكتاب.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الخطيب يصف حال أهل الحديث في زمانه

بيّن الشيخ أن الخطيب افتتح كتابه بوصف طائفة من المنتسبين إلى الحديث في عصره. هؤلاء انشغلوا بكثرة السماع وجمع الطرق وطلب علو الإسناد، وكان هم أحدهم أن يكتب ويجمع. لكنهم قصّروا في فهم ما يحملون ومعرفة أحكامه.

ونبّه الشيخ على إنصاف الخطيب، فهو لم يذمّ الحفظ والرواية في ذاتهما، وإنما ذمّ الاقتصار عليهما. فالمطلوب أن يكون الطالب حافظًا فقيهًا معًا، لا ناقلًا للأوراق دون وعي بما فيها.

واستُشهد في هذا المقام بقوله تعالى في ذم من حمل العلم ولم يعمل به ولم يفقهه:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]

المحور الثاني: الجمع بين الرواية والدراية

أكد الشيخ أن مقصود الكتاب أن يجمع طالب الحديث إلى روايته الفقه والاستنباط. فالأحاديث تُحفظ لتُفهم ويُعمل بها، والحامل للعلم قد يبلّغه إلى من هو أفقه منه، وقد يحمله وهو ليس بفقيه.

ومن الأحاديث التي يُستدل بها في هذا الباب:

«نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» (رواه أبو داود والترمذي)

«مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (متفق عليه)

المحور الثالث: الرد على الطاعنين في أهل الحديث

ذكر الخطيب أن أهل الحديث تعرّضوا لطعن طائفتين:

  • أهل الرأي: عابوا عليهم كثرة الكتابة والسماع، مع أن أهل الرأي أنفسهم قد يبنون أحكامهم على أحاديث ضعيفة، أو يقدّمون الرأي والقياس على الخبر الثابت.
  • المتكلمون: ردّوا كثيرًا من الأخبار الصحيحة، وحكّموا عقولهم فيها، واستشنعوا ما لم تدركه أفهامهم.

وقرر الشيخ القاعدة التي أشار إليها الخطيب، وهي أن الطعن في حَمَلة الشريعة طعن في الشريعة نفسها. فأهل الحديث هم الذين نقلوا الدين وحفظوه وذبّوا عنه الكذب، ومن أراد إسقاطهم فإنما يريد إسقاط ما نقلوه.

المحور الرابع: فضل أهل الحديث ومكانتهم في حفظ الدين

أبرز الشيخ فضل أهل الحديث، فهم الذين عُنوا بتمييز الصحيح من السقيم، وحرصوا على كتابة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينها. وبهم حفظ الله السنة، ولولا جهدهم لاختلط الحق بالباطل.

ونبّه إلى أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بفضل المتقدمين والمتأخرين ممن خدموا الحديث، حتى من كان عنده تقصير في جانب الفقه. فحرصهم على السنة مقصد شريف، والمطلوب تكميل النقص لا هدم الأصل.

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]

النقاط الرئيسية

  • كتاب «الفقيه والمتفقه» يجمع بين أصول الفقه وآداب طلب العلم على طريقة المحدثين.
  • ألّف الخطيب الكتاب لعلاج ظاهرة الاقتصار على الرواية دون التفقه.
  • الحفظ وسيلة إلى الفهم والعمل، وليس غاية في ذاته.
  • عاب أهل الرأي على المحدثين كثرة الكتابة، مع أنهم أنفسهم قد يحتجون بالضعيف ويقدّمون الرأي.
  • ردّ المتكلمون كثيرًا من الأخبار الثابتة بعقولهم، فوقعوا في الخلل.
  • الطعن في نقلة الشريعة طعن في الشريعة ذاتها.
  • الإنصاف يقتضي حفظ فضل أهل الحديث مع نصحهم بتكميل جانب الفقه.

الفوائد والعبر

  • على طالب العلم أن يوازن بين الحفظ والفهم، فلا يكتفي بجمع الكتب والمتون دون تدبّر معانيها.
  • ينبغي الحذر من الطعن في العلماء ونقلة الدين، لأن ذلك يفضي إلى التشكيك في الدين نفسه.
  • من الأدب الواجب أن يُعرف للأئمة فضلهم مع النصح لهم، فالنقد البنّاء يُكمّل ولا يهدم.
  • العقل تابع للنقل الصحيح لا حاكم عليه، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم يُقبل ويُسلَّم له.
  • ينبغي أن تكون النية في طلب الحديث فهم مراد الله ورسوله والعمل به، لا مجرد التكثّر وطلب علو الإسناد.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات