شرح كتاب" الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(13)شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس الثالث عشر من مجالس شرح كتاب «الفقيه والمتفقه» للإمام الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله، يقدمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول المجلس «باب أوصاف وجوه السنة ونعوتها». يقرر فيه الخطيب أن في سنة رسول الله ﷺ من الأوصاف مثلَ ما في كتاب الله تعالى، ومن ذلك الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمجمل والمبيَّن، والناسخ والمنسوخ. ثم يورد من كل نوع أمثلة يُستدل بها على ما سواها.
يكتسب هذا الباب أهميته من أنه يضع بين يدي طالب العلم أدوات فهم النصوص النبوية فهمًا صحيحًا. فبه يعرف الطالب كيف يُفهم الحديث في ضوء سياقه وأساليب العرب في كلامها، وكيف يُجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وكيف يُقدَّم الخاص على العام. وهذه قواعد لا غنى عنها لمن أراد التفقه في دين الله على منهج السلف.
ويهدف المجلس إلى أن يتعرف المشاهد على طريقة الأئمة في تفسير غريب الحديث، وأن يدرك قاعدة حمل العام على الخاص، وأن يفقه مسألة الصلاة في أوقات النهي وما يُستثنى منها من ذوات الأسباب. كما يعرض صورًا من تخصيص السنة لعموم النهي في أبواب البيوع.
المحاور الرئيسية
المحور الأول: ما سمّاه الخطيب مجازًا في السنة وفهمه بالسياق وأساليب العرب
أورد الخطيب رحمه الله قوله ﷺ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (متفق عليه). ونقل عن الإمام مالك أن معنى «تأكل القرى» أي تفتح القرى. ونقل عن الإمام أحمد أن الفتوحات كلها كانت من المدينة، فقد فُتحت مكة وما حولها بأهل المدينة.
وبيّن الخطيب أن معنى «أُمرت بقرية» أُمرت بالهجرة إليها، وأن «تأكل القرى» معناه يغلب أهلُها أهلَ القرى. وهذا من أساليب العرب في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، فالقرية لا تكفر ولا تذوق، وإنما المراد أهلها. واستشهد على أن «الأكل» يأتي بمعنى الغلبة والاستيلاء بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6].
ونبّه الشيخ في شرحه إلى أنه لا يقول بالمجاز، وأن هذه المعاني تُعرف من السياق ومن لغة العرب، فالكلام مفهوم بقرائنه دون حاجة إلى دعوى المجاز.
المحور الثاني: أحاديث الفتن وبيان غريبها
ساق الخطيب حديث ابن عمر رضي الله عنهما في ذكر الفتن، وفيه قوله ﷺ عن فتنة الأحلاس: «هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً» (رواه أبو داود).
وفسّر الخطيب الأحلاس بأنها جمع حِلْس، وهو ما يُبسط في البيت ويلازمه. والمراد أن هذه الفتنة تلزم الناس وتدوم ولا تُقلع، ومنه قولهم: فلان حِلْس بيته إذا لزمه. والدَّخَن الدخان، والمراد أن الرجل سبب إثارتها وهيجانها. وقوله «كورك على ضلع» تمثيل لرجل غير خليق بالملك ولا مستقل به، لأن الورك لا يستقيم على الضلع ولا يلائمه. والدُّهيماء تصغير الدهماء، وصُغّرت على سبيل الذم.
كما أورد حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا» (رواه أبو داود). وبيّن أن دوران الرحى مثلٌ لحدوث أمر عظيم يُخاف منه الهلاك، وهو إشارة إلى انقضاء مدة الخلافة. وأن المراد بالدين هنا الملك والسلطان، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76]. وكان بين مبايعة الحسن معاويةَ رضي الله عنهما وانقضاء ملك بني أمية من المشرق نحوٌ من سبعين سنة.
المحور الثالث: باب العام والخاص وحمل العام على الخاص
قرر الخطيب أنه إذا تعارض لفظان عن رسول الله ﷺ، وكان أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا، وجب تقديم الخاص على العام. ومثّل لذلك بحديث أنس رضي الله عنه في فرض الزكاة: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي وَالسَّوَانِي وَالنَّاضِحِ نِصْفُ الْعُشْرِ». فهذا عام يوجب الصدقة في القليل والكثير مما أخرجت الأرض.
ثم أورد الحديث الخاص عن أبي سعيد رضي الله عنه: «لَا صَدَقَةَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ». فهذا يخص الوجوب بما بلغ خمسة أوسق فصاعدًا. وعلّة تقديم الخاص أنه يتناول الحكم بلفظ لا يحتمل غيره، في حين يتناول العام الحكم بلفظ محتمل.
أما إذا كان كل واحد من النصين عامًّا من وجه وخاصًّا من وجه آخر، فلا يُقدَّم أحدهما على الآخر إلا بدليل من خارجهما يدل على التخصيص أو الترجيح.
المحور الرابع: أوقات النهي عن الصلاة وذوات الأسباب
ذكر الخطيب حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ «نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وظاهره العموم في كل صلاة. ثم ذكر ما يعارضه في الظاهر، وهو حديث أنس رضي الله عنه: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا». فكل واحد من الحديثين عام من وجه وخاص من وجه، فاحتيج إلى دليل خارجي يفصل بينهما.
ووجد الخطيب الدليل الفاصل في جملة من الأحاديث:
- حديث أم سلمة رضي الله عنها في قضاء النبي ﷺ ركعتين بعد العصر، وقوله: «إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيَّ وَفْدٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا، فَهُمَا هَاتَانِ».
- حديث الرجل الذي صلى ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح، فقال له النبي ﷺ: «صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَانِ»، فقال: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ.
- حديث أبي قتادة رضي الله عنه: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ».
- حديث نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر في السفر، وقول بلال رضي الله عنه: «أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ»، ثم صلاته ﷺ ركعتي الفجر ثم الفريضة بعد طلوع الشمس.
وخلص الخطيب إلى أن النهي عن الصلاة في تلك الأوقات منصرف إلى الصلاة التي لا سبب لها. أما ذوات الأسباب فلا تُكره في أي وقت، ومنها الفريضة المنسية أو التي نام عنها، والجنازة الحاضرة، وركعتا الطواف، وتحية المسجد.
المحور الخامس: تخصيص عموم النهي عن بيع الغرر
نقل الخطيب كلام الإمام الشافعي رحمه الله في حديث إجازة النبي ﷺ بيع القمح في سنبله إذا ابيضّ. فقد كان الشافعي يرى في هذا البيع غررًا لأن الحب مستور دونه، ثم قال: فإن ثبت الخبر عن النبي ﷺ قلنا به، وكان خاصًّا مستخرجًا من عام. والحديث ثابت في صحيح مسلم.
ووجه ذلك أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر نهيًا عامًّا، ثم أجاز أنواعًا من البيوع فيها شيء من الغرر. ومن ذلك بيع الشِّقْص من الدار، أي الجزء المشاع منها، مع أن أساسها مغيَّب لا يُرى، وكذلك ما فيها من خشب في الحائط لا يُرى. فلما أجاز النبي ﷺ ذلك أجازه العلماء، وجعلوه مخصوصًا من عموم النهي.
والقاعدة المستفادة من ذلك أن ما نهى عنه النبي ﷺ نهيًا عامًّا ثم رخّص في بعض أفراده، يُقتصر فيه على ما خصّه، ويبقى الباقي على أصل النهي.
النقاط الرئيسية
- في السنة النبوية من وجوه الدلالة مثل ما في القرآن الكريم، من العام والخاص، والمجمل والمبيَّن، والناسخ والمنسوخ.
- يُفهم الحديث في ضوء سياقه وأساليب العرب في كلامها، كحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
- معنى «تأكل القرى» أن أهل المدينة يفتحون القرى ويغلبون أهلها، وقد كانت الفتوحات منها.
- بيان غريب ألفاظ أحاديث الفتن، كالأحلاس والدَّخَن والدهيماء، وقوله «كورك على ضلع».
- إذا تعارض نصان أحدهما عام والآخر خاص، قُدِّم الخاص على العام، كما في نصاب زكاة الزروع والثمار.
- النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة مخصوص بما لا سبب له، وتُصلى ذوات الأسباب في كل وقت.
- ما رخّص فيه النبي ﷺ من بيوع فيها غرر يسير يُعدّ خاصًّا مستخرجًا من عموم النهي عن بيع الغرر.
الفوائد والعبر
- ينبغي لطالب العلم ألا يأخذ بظاهر حديث واحد قبل أن يجمع النصوص الواردة في الباب، ويعرف عامّها من خاصّها.
- من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها متى ذكرها ولو في وقت النهي. ومن دخل المسجد في أي وقت فلا يجلس حتى يصلي ركعتين.
- لا يُستغنى عن معرفة اللغة العربية وأساليبها في فهم الكتاب والسنة، فهي مفتاح الفقه الصحيح.
- في سيرة الإمام الشافعي قدوة في تعظيم السنة، إذ قال: «فإن ثبت الخبر عن النبي ﷺ قلنا به»، فقدّم النص على اجتهاده.
- أحاديث الفتن تحث المسلم على لزوم التقوى، فإنما أولياء النبي ﷺ المتقون لا من انتسب إليه بالنسب وحده.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات