شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (28) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

4,304 مشاهدة
60 مشاركة
منذ 8 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. يتناول الدرس أصلًا من أصول صلاح القلب، وهو المحبة: من يحب الإنسان؟ وكيف يحب؟ ولماذا يحب؟ فالقلب لا يصلح ولا يسعد إلا إذا خلصت محبته لله تعالى. أما إذا امتلأ بمحبة غيره، وبخاصة «عشق الصور»، فإنه يمرض ويتعذب في الدنيا قبل الآخرة.

يبيّن الشيخ أن محبة الله ومحبة الصور ضدّان لا يجتمعان في قلب واحد، وأن المحبة الصحيحة تقتضي أن يكون المحبوب واحدًا. ويشرح متى تكون محبة المخلوق وسيلة إلى محبة الله ومتى تكون قاطعة عنها. ثم يعرض مراتب المحبة وأسماءها كما ذكرها ابن القيم، ويبيّن أن الحياة الطيبة الحقيقية هي حياة المحبين المشتاقين إلى لقاء ربهم.

ومن أهداف هذا الدرس أن يعرف المشاهد:

  • حقيقة توحيد المحبة، وأثره في سلامة القلب.
  • خطر العشق المحرم والتعلق بغير الله.
  • الأسباب التي تجلب محبة الله: أداء الفرائض أولًا، ثم الإكثار من النوافل.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: محبة الله وعشق الصور ضدّان لا يجتمعان

يقرر ابن القيم أن محبة الله تعالى وعشق الصور لا يجتمعان في قلب واحد، فهما ضدان، وإذا دخل أحدهما خرج الآخر. والقلب الذي امتلأ بمحبة الله لا يبقى فيه مكان للتعلق المحرم بالصور. أما من وقع في العشق فذلك دليل على أن قلبه فارغ من محبة الله، أو أن محبته لله ضعيفة. فالقلب لا يسكن إلا إذا امتلأ بمحبة الله، والعاشق لم يقع فيما وقع فيه إلا لأن قلبه كان فارغًا.

ولذلك قال الإمام: من كانت محبته كلها للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صرفه ذلك عن محبة ما سواه. ونبّه الشيخ إلى أن العاقل يختار لنفسه إحدى المحبتين، لأنهما لا تجتمعان في القلب ولا تتآلفان.

وبيّن الشيخ أن محبة غير الله على هذا الوجه شرك في المحبة، والشرك ذنب لا يغفره الله لمن مات عليه، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]

المحور الثاني: متى تكون محبة المخلوق وسيلة إلى محبة الله ومتى تكون قاطعة عنها

ذكر ابن القيم أن المحب الصادق إذا أحب مخلوقًا فإنما يحبه لأجل الله، ولكونه وسيلة إلى محبته. ومثّل الشيخ لذلك بأمثلة عملية: يحب الرجل زوجته لأنها تعفّه عن الزنا، ويحب الكسب الحلال لأنه يغنيه عن الحرام، ويحب المباحات لأنها تعينه على طاعة ربه. فهذه محبة تابعة لمحبة الله، وتكون عبادة إذا صحت النية.

أما إذا كان المخلوق قاطعًا عن الله، يصد العبد عن محبته ويضعفها في قلبه، فمحبته مذمومة. ثم إن المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، فلا يشرك المحب بين محبوبه وغيره في المحبة. ومن أحب مع الله شيئًا كما يحب الله، فقد وقع في شرك المحبة.

وأشار الشيخ إلى أن الناس يتعلقون بأنواع من المحبوبات المحرمة، كالمال والجاه والشهوات المحرمة. وذكر ابن القيم صورًا من عبادة غير الله بالمحبة، منها: محبة الأوثان، ومحبة الصلبان عند عبّاد الصليب، ومحبة النيران عند المجوس، ومحبة المُرد التي ابتُلي بها بعض الصوفية. وأحال الشيخ في هذه الأخيرة إلى كتاب «تلبيس إبليس» لابن الجوزي رحمه الله.

المحور الثالث: العشق عذاب، وحقيقة العبودية

بيّن الشيخ أن العشق المحرم مرض خبيث، وأن العاشق في عذاب دائم: إذا أقبل على محبوبه خاف فراقه، وإذا ابتعد عنه احترق بالشوق إليه، فلا يهدأ له قلب ولا يرتاح له بال. وذكر صورًا واقعية لتعلق بعض الناس بمن لا يحل لهم، وما يجر ذلك من خراب البيوت وضياع الأولاد. ونبّه إلى أن بعض العشاق قد يُختم لهم بسوء الخاتمة، نسأل الله العافية.

ثم بيّن ابن القيم أن العبودية تقوم على أمرين: كمال الحب مع كمال الذل والخضوع. فمن أحب شيئًا وخضع له فقد تعبّد قلبه له. لذلك يكون العاشق عبدًا لمعشوقه، يقدم رضاه على أوامر الله ويترك الصلاة والطاعة بسببه، وهذا هو اتخاذ الهوى إلهًا، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23]

المحور الرابع: مراتب المحبة وأسماؤها، والشوق إلى لقاء الله

عرض ابن القيم مراتب المحبة على النحو الآتي:

  • العَلاقة: سُميت بذلك لتعلق القلب بالمحبوب. واستشهد الشيخ بقصة مجنون ليلى الذي تعلق قلبه بها منذ الصغر حتى صار إلى الجنون، وبقول الشاعر: «أعلاقةً أمَّ الوليد بعدما … أفنانُ رأسك كالثغام المخلس».
  • الصبابة: وهي انصباب القلب إلى المحبوب.
  • الغرام: وهو لزوم الحب للقلب لزومًا لا ينفك عنه، ومنه سُمي الغريم غريمًا لملازمته صاحبه.
  • العشق: وهو إفراط المحبة، ولذلك لا يوصف به الرب تعالى ولا يُطلق في حقه. وأنكر الشيخ ما يردده بعض المتصوفة من «عشق الله» أو «العشق النبوي». وأشار إلى أن أصح ما يكون العشق بين الزوجين.
  • الشوق: وهو سفر القلب إلى المحبوب أحثّ السفر، وقد جاء إطلاقه في حق الله تعالى.

واستدل على مرتبة الشوق بحديث عمار بن ياسر رضي الله عنه، فقد صلى صلاة أوجز فيها، ثم ذكر أنه دعا فيها بدعوات كان النبي ﷺ يدعو بها، ومنها:

«اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» [رواه أحمد والنسائي]

وذكر الشيخ أن هذا هو المعنى الذي دل عليه قوله ﷺ:

«مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» [متفق عليه]

فالمؤمن عند الموت يُقبل على ربٍّ كريم رحيم، فيشتاق إلى لقائه ويأنس به.

المحور الخامس: الحياة الطيبة وأسباب محبة الله

قرر ابن القيم أن أطيب العيش وألذّه على الإطلاق هو عيش المحبين المشتاقين المستأنسين بالله. فالحياة الطيبة ليست ما يشترك فيه المؤمن والكافر من الطعام والشراب والمسكن والملبس، بل هي حياة القلب بطاعة الله والتلذذ بذكره والأنس بقربه. وقد ضمن الله الحياة الطيبة لكل من عمل صالحًا وهو مؤمن، قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]

ثم ذكر الحديث القدسي الذي حصر أسباب محبة الله في أمرين: أداء الفرائض، ثم التقرب إليه بالنوافل:

«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» [رواه البخاري]

وبيّن الشيخ أن معنى الحديث أن العبد إذا أحبه الله امتلأ قلبه بمحبة ربه، فاستولت على جوارحه كلها. فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ولا ينظر إلا إلى ما يرضيه، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعته. وليس في الحديث ما يدل على الحلول أو الاتحاد كما يزعم أهل الضلال. وإنما هو معية خاصة بالتوفيق والتسديد والنصرة، وهي حال إيمانية يذوقها العبد ذوقًا، ولا يكفي في معرفتها مجرد الخبر عنها.

النقاط الرئيسية

  • محبة الله وعشق الصور ضدان لا يجتمعان، ووقوع العشق المحرم دليل على أن القلب فارغ من محبة الله.
  • المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، ومحبة غير الله كمحبته شرك في المحبة.
  • محبة المخلوق محمودة إذا كانت وسيلة إلى محبة الله وعونًا على طاعته، ومذمومة إذا كانت قاطعة عنه.
  • العبودية تقوم على كمال الحب مع كمال الذل، فمن أحب شيئًا وخضع له فقد صار عبدًا له.
  • مراتب المحبة: العلاقة، ثم الصبابة، ثم الغرام، ثم العشق، ثم الشوق. ولفظ العشق لا يُطلق في حق الله تعالى، أما الشوق فقد جاء إطلاقه في حقه.
  • الحياة الطيبة الحقيقية هي حياة القلب بمحبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه.
  • أعظم أسباب محبة الله أداء الفرائض، ثم الإكثار من النوافل.

الفوائد والعبر

  • أفضل ما يحمي القلب من التعلقات المحرمة أن يمتلئ بمحبة الله وذكره وتلاوة كتابه، فإذا امتلأ القلب لم يبقَ فيه مكان لغير الله.
  • ينبغي أن يحاسب المسلم نفسه في محبوباته، فيجعل محبته لزوجه وولده وماله وسيلة تعينه على طاعة الله، لا شيئًا ينافس محبة الله في قلبه.
  • يجب الحذر من بدايات التعلق المحرم وسدّ أبوابه مبكرًا، كالنظر والمراسلة والخلوة، لأن العشق يبدأ بالعلاقة وقد ينتهي بخراب الدين والدنيا وسوء الخاتمة.
  • من أراد محبة الله فليبدأ بالمحافظة على الفرائض، ثم يداوم على النوافل من صلاة وصيام وذكر وصدقة.
  • يستحب للمسلم أن يحفظ دعاء عمار بن ياسر رضي الله عنه ويكثر منه، وخاصة قوله: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ».
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات