شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (26) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.

2,176 مشاهدة
110 مشاركة
منذ 8 سنوات
```html

المقدمة

هذا هو المجلس السادس والعشرون من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، يقدّمه فضيلة الشيخ أبو حفص سامي بن العربي الأثري. وقد أُلقي بعد صلاة العشاء يوم الثلاثاء في خاتمة شهر ربيع الأول سنة 1439هـ، الموافق للتاسع عشر من شهر ديسمبر سنة 2017م. ويُكمل الشيخ فيه ما توقف عنده في المجلس السابق، وهو كلام ابن القيم عن عقوبة فاحشة قوم لوط، واختلاف العلماء فيها على ثلاثة أقوال، مع تفصيل القول الأول وهو قول جمهور الأمة.

تأتي أهمية هذا الدرس من أنه يعالج كبيرةً من أعظم الكبائر. وقد قال فيها ابن القيم إنه ليس في المعاصي مفسدة أعظم منها، وإنها تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل. وتشتد الحاجة إلى بيان هذه المسألة في زمن صارت فيه هذه الفاحشة تُعلَن ويُحتفى بها ويُروَّج لها في بعض البلاد ووسائل الإعلام.

يهدف الدرس إلى تحقيق ما يلي:

  • بيان حكم الشريعة في هذه الفاحشة وأدلته من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.
  • تدبّر الأساليب القرآنية في تقبيح هذا الفعل.
  • استخلاص العبر من قصة قوم لوط ومصيرهم.
  • الرد على شبهات من سوّى بينها وبين الزنا في العقوبة.
  • بيان مسائل فقهية ملحقة بها، كوطء ذوات المحارم والميتة والبهيمة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: عقوبة فاعل الفاحشة وإجماع الصحابة عليها

نقل ابن القيم قول الجمهور بأن الفاعل والمفعول به يُقتلان. وذكر أن غير واحد حكاه إجماعًا للصحابة. ونبّه الشيخ إلى الفرق بين أنواع الإجماع: فالإجماع الصريح لا تجوز مخالفته، وأما الإجماع السكوتي فهو أن يتكلم بعض الصحابة ولا يُعلم لهم مخالف.

واستدل ابن القيم على شدة هذه الجريمة بالمقارنة بالقتل. فقد جعل الله حد القاتل إلى خيار الولي: إن شاء قتل، وإن شاء عفا. أما قتل اللوطي فقد جعله حدًّا محتومًا، كما أجمع عليه الصحابة ودلّت عليه السنة الصحيحة الصريحة. وأوضح الشيخ أن المقتول ظلمًا قد ينتفع بقتله في الآخرة، أما هذه الفعلة فهي إفساد لا ينتفع به صاحبه في دنيا ولا آخرة.

وبيّن ابن القيم أن الصحابة لم يختلف منهم رجلان في قتله، وإنما اختلفوا في صفة القتل. فظن بعض الناس أن ذلك خلاف في أصل القتل، فحكى المسألة مسألة نزاع، وهي في الحقيقة مسألة إجماع. ومن الآثار في ذلك ما رُوي من استشارة أبي بكر رضي الله عنه الصحابةَ وقول علي رضي الله عنه بالتحريق، وقد نبّه الشيخ إلى أن إسناد هذه القصة ضعيف. وكذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: يُنظر أعلى بناء في القرية فيُرمى منه منكّسًا ثم يُتبع بالحجارة.

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (رواه أهل السنن، وصححه ابن حبان، واحتج به الإمام أحمد، وقال ابن القيم: إسناده على شرط البخاري)

وقال ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» (رواه أحمد)

ونبّه ابن القيم إلى أن النبي ﷺ لعن جماعة من أهل الكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، أما اللوطية فكرّر لعنهم ثلاث مرات. وهذا يدل على تأكيد عظم جرمهم. وذكر أن الإمام الشافعي علّق القول بهذا الحديث على صحته فقال: إن صحّ قلتُ به.

المحور الثاني: دلالات القرآن على شناعة هذه الفاحشة

لاحظ ابن القيم فرقًا لطيفًا في التعبير القرآني. فالله تعالى ذكر الزنا بلفظ «فاحشة» نكرةً، أي فاحشة من الفواحش. أما في فعل قوم لوط فذكره بلفظ «الفاحشة» معرّفًا. وهذا يفيد أنها جامعة لمعاني الفحش، مشهورة بقبحها عند كل أحد، حتى صارت غنية عن الوصف.

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]

﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]

﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 81]

وتتابعت في القرآن وجوه التأكيد على قبح هذا الفعل:

  • أن أحدًا من العالمين لم يسبقهم إليها.
  • التصريح بما تشمئز منه القلوب وتنفر منه الطباع.
  • التنبيه على أن الحامل عليها مجرد الشهوة لا الحاجة.
  • وصفهم بالإسراف، وهو مجاوزة الحد.

وفي المقابل عدّد ابن القيم مصالح النكاح الشرعي التي يفوّتها هذا الفعل، ومنها:

  • المودة والرحمة بين الزوجين.
  • حفظ النسل.
  • إعفاف المرأة.
  • نشوء علاقة المصاهرة.
  • خروج الأنبياء والأولياء والصالحين من الذرية.
  • تكثير أمة النبي ﷺ.

وبيّن أن هذا الفعل عكسٌ للفطرة التي فطر الله عليها الرجال، وقلبٌ للطبيعة التي ركّبها فيهم. ولذلك جاء الجزاء من جنس العمل، فقلب الله عليهم ديارهم وجعل عاليها سافلها.

﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]

﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: 74]

﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: 30]

المحور الثالث: قصة قوم لوط ومشاهد هلاكهم

ساق ابن القيم القصة بأسلوب مؤثّر. فقد جادل إبراهيم الخليل عليه السلام الملائكةَ في قوم لوط، فقيل له إن أمر الله قد جاء. ثم جاء القومُ إلى لوط عليه السلام يُهرعون حين علموا بأضيافه. فعرض عليهم بناته للزواج الحلال، فردّوا عليه رد الجبار العنيد. فخرجت من نبي الله كلمة من قلب مكروب: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.

﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: 76]

﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]

ونبّه الشيخ إلى أن امرأة لوط لم تكن تفعل الفاحشة، لكنها كانت راضية بفعل قومها، فأصابها ما أصابهم. وهذا يدل على أن الراضي بالمنكر شريك لأهله. ثم كان الهلاك ما بين السحر وطلوع الفجر: رُفعت ديارهم نحو السماء ثم قُلبت عليهم، وأُمطروا بحجارة من سجيل.

﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ۝ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 82-83]

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ ۝ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ [الحجر: 75-76]

ثم وصف ابن القيم كيف انقلبت تلك اللذات آلامًا: ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوة وأورثت الشقوة. تمتعوا قليلًا وعُذّبوا طويلًا، وأسكرتهم خمرة الشهوة فما أفاقوا إلا في ديار المعذّبين. وختم ذلك بأن الله قرّب مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.

المحور الرابع: الرد على من جعل عقوبتها كعقوبة الزنا

عقد ابن القيم فصلًا في الجواب عمّا احتج به من جعل عقوبة هذه الفاحشة دون عقوبة الزنا، أو مساوية لها. وأولى هذه الشبهات قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حدًّا معيّنًا. وأجاب عنها من ثلاثة وجوه:

  • أن المبلّغ عن الله ﷺ جعل حدّها القتل، وما شرعه الرسول ﷺ فهو شرع من الله.
  • إن أرادوا أنه غير ثابت بنص الكتاب، فهذا لا يلزم منه نفي الحكم. فالرجم ثبت بالسنة، وحد شارب الخمر كذلك، وليس شرطًا أن تكون الأحكام كلها منصوصة في القرآن.
  • أن نفي دليل معيّن لا يستلزم نفي مطلق الدليل، ولا نفي المدلول، وهو الحكم الشرعي.

والشبهة الثانية قياسهم هذا الفعل على وطء الميتة والبهيمة، بحجة أن الطباع تنفر منه كما تنفر منهما. وأجاب ابن القيم من وجوه:

  • أنه قياس فاسد الاعتبار، لأنه مردود بالسنة وإجماع الصحابة.
  • أن قياس هذا الفعل على وطء البهيمة أو الميتة من أفسد القياس، إذ لم يُعرف أحد شُغف قلبه بدابة أو ميتة كما يقع لأهل الفتنة بالصور.
  • أن النفرة الطبيعية حاصلة من وطء ذوات المحارم أيضًا، ومع ذلك فحدّه من أغلظ الحدود.

المحور الخامس: مسائل ملحقة (وطء المحارم والميتة والبهيمة)

وطء ذوات المحارم: اتفق المسلمون على أن فيه الحد، واختلفوا في صفته على قولين:

  • أن حدّه حد الزاني، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين.
  • أن حدّه القتل بكل حال، محصنًا كان أو غير محصن، وهو رواية عن أحمد وقول إسحاق وجماعة من أهل الحديث، ورجّحه الشيخ.

واستُدل للقول الثاني بالحديث الآتي:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لقيتُ عمي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَهُ» (رواه أبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن)

واتفقوا كذلك على أنه لو أصابها باسم النكاح عالمًا بالتحريم فإنه يُحدّ، إلا أبا حنيفة فإنه جعل العقد شبهة مسقطة للحد. ورجّح ابن القيم أن العقد يزيد الجريمة تغليظًا، لأن الفاعل جمع بين محذورين: محذور العقد ومحذور الوطء.

وطء الميتة: فيه قولان للفقهاء في مذهب أحمد وغيره. ومن قال بوجوب الحد، كالأوزاعي، علّل ذلك بأنه أعظم جرمًا، لأنه ضمّ إلى الفاحشة هتك حرمة الميت.

وطء البهيمة: فيه ثلاثة أقوال:

  • أنه يُعزَّر ولا حد عليه، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه وإسحاق.
  • أن حكمه حكم الزاني، وهو قول الحسن.
  • أن حكمه حكم اللوطي، ونص عليه أحمد.

واحتج القائلون بالقتل بالحديث الآتي:

«مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» (رواه أبو داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما)

أما من لم يرَ فيه حدًّا فضعّف الحديث، وتوقف فيه الإمام أحمد، وضعّفه الطحاوي. ونبّه الشيخ إلى أن هذه المسائل ليست افتراضية، بل هي واقعة في أحوال الناس اليوم، نسأل الله السلامة.

النقاط الرئيسية

  • فاحشة قوم لوط من أعظم المفاسد، تلي مفسدة الكفر، وقد تكون أعظم من مفسدة القتل.
  • أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتل الفاعل والمفعول به، وإنما اختلفوا في صفة القتل لا في أصله.
  • كرّر النبي ﷺ لعن فاعل هذه الفاحشة ثلاث مرات، ولم يفعل ذلك مع غيرها من الكبائر.
  • عرّف القرآن هذه الفعلة بـ«الفاحشة» دلالةً على أنها جامعة لمعاني الفحش، بخلاف الزنا الذي ذُكر بلفظ «فاحشة» نكرةً.
  • عقوبة قوم لوط كانت من جنس عملهم، فلما قلبوا الفطرة قلب الله عليهم ديارهم.
  • الراضي بالمنكر شريك لأهله في العقوبة، كما وقع لامرأة لوط.
  • السنة مصدر تشريعي مستقل، ونفي الدليل المعيّن لا يستلزم نفي الحكم، والقياس المخالف للنص والإجماع قياس فاسد.

الفوائد والعبر

  • الحذر من الرضا بالمنكر أو الترويج له: فالرضا بالمعصية والإعانة عليها ونشرها في الإعلام مشاركة في الإثم، والواجب إنكار ذلك بالقلب على الأقل.
  • حفظ الفطرة وتحصين النفس والأسرة: بالزواج الشرعي وغض البصر ومراقبة ما يتعرض له الأبناء من محتوى يطبّع مع الشذوذ ويقلب الفطرة.
  • تذكّر عاقبة الشهوات المحرمة: فلذتها ساعة وحسرتها دائمة، ومن استحضر مصير قوم لوط هان عليه ترك الحرام.
  • تعظيم السنة النبوية وإجماع الصحابة: فهما حجة في الأحكام كالقرآن، ولا تُعارض النصوص بالأقيسة والأهواء.
  • العلم بأن إقامة الحدود من شأن ولي الأمر والقضاء الشرعي: فواجب الفرد هو النصح والإنكار بالضوابط الشرعية، مع سؤال الله العافية والستر.
```
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات