شرح كتاب " الداء والدواء" للإمام ابن القيم (7) شرح فضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري.
المقدمة
هذا هو المجلس السابع من شرح كتاب «الداء والدواء» للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. يواصل الشيخ فيه الكلام عن آثار الذنوب والمعاصي، وأنها تضر العبد في دينه ودنياه وتضر المجتمع كله. ويسوق لذلك الآثار والأحاديث التي جمعها ابن القيم، ويبين ما صح منها وما ضعف إسناده.
يتناول المجلس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن العقوبة تعم الناس إذا ظهرت المعاصي ولم تُغيَّر. ويتكلم عن خطر استصغار الذنوب، وعن أثر المعصية في القلب حتى يصيبه الران. ويبين كذلك أن الذنب يكرهه الناس لصاحبه وتنفر منه قلوب المؤمنين، وأن عقوبته قد تتأخر فيغتر بذلك كثير من الناس.
والغرض من هذا المجلس أن يعظم الذنب في قلب المشاهد، فيبادر إلى التوبة والاستغفار. وأن يقوم بواجب النصح والإصلاح في نفسه وأهله ومجتمعه، وأن يحذر من الاغترار بإمهال الله تعالى.
المحور الأول: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعموم العقوبة
يقرر الشيخ أن المعاصي إذا ظهرت في الأمة ولم يُنكرها أحد، نزلت العقوبة على الجميع، ولا تقتصر على الذين فعلوها. فالسكوت عن المنكر مع القدرة على إنكاره ذنب قائم بنفسه. ومن عقوبته أن يُرد الدعاء فلا يُستجاب، وأن يتسلط على الناس من لا يرحمهم.
ويذكر الشيخ الأثر الإسرائيلي: «إذا عصاني من يعرفني سلطتُ عليه من لا يعرفني». ويذكر كذلك الأحاديث التي تبين أن لكل معصية تفشو في قوم عقوبة تناسبها. فإذا ظهر الزنا ظهر الموت، وإذا نُقص المكيال مُنع النبات وأُخذوا بالسنين، وإذا ظهر البغي سُلط عليهم عدوهم. ونبّه الشيخ على ما في بعض أسانيد هذه الأحاديث من ضعف، وقال إن معانيها يشهد لها ما صح من النصوص.
وبيّن الشيخ أن بعض الناس يفهم قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ فهمًا خاطئًا. فقد صحح أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الفهم، وأخبر الناس أن الهداية المذكورة في الآية لا تكتمل إلا بالقيام بواجب الأمر والنهي. وذكر الشيخ أيضًا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «توشك القرى أن تخرب وهي عامرة»، فقيل له: وكيف تخرب وهي عامرة؟ قال: «إذا علا فجارها أبرارها، وساد القبيلة منافقوها».
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105].
وقال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ».
وقال ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ».
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لَكُمْ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبَكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرَكُمْ».
المحور الثاني: الآمر بالمعروف الذي يخالف قوله فعله
يحذر الشيخ من حال من يأمر الناس بالخير ولا يفعله، وينهاهم عن الشر ثم يقع فيه. وقد ورد في عقوبة هذا الصنف وعيد شديد في الآخرة، فالواجب أن يكون الداعية أول من يعمل بما يدعو إليه.
ويذكر الشيخ أيضًا قصة حَبر من أحبار بني إسرائيل. كان يذكّر الناس بأيام الله، فرأى أحد بنيه يغمز النساء، فلم يزد على أن قال له: «مهلًا يا بني». فسقط الحبر من سريره وانقطع نخاعه، وأوحى الله إلى نبي زمانهم أنه لن يُخرج من صلبه صدّيقًا أبدًا، لأنه لم يغضب لله إلا بقوله: «مهلًا يا بني». وفي القصة بيان أن المداهنة في الإنكار عيب، وخاصة إذا كان المنكَر عليه من أهل الرجل أو قرابته.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» [متفق عليه].
المحور الثالث: خطر محقرات الذنوب واستصغار المعصية
يبين الشيخ أن الذنوب الصغيرة إذا اجتمعت على العبد أهلكته. ويضرب لذلك مثل القوم الذين نزلوا أرضًا خالية فجاء كل واحد منهم بعود صغير، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا وأوقدوا نارًا عظيمة أنضجوا بها طعامهم. والعلاج أن يبادر العبد بالتوبة كلما أذنب.
وينبه الشيخ إلى أن المعاصي يجر بعضها بعضًا. فالنظرة تقود إلى ما بعدها، واللمسة بريد لما هو أكبر منها، والصغيرة توصل إلى الكبيرة، كما أن المرض بريد الموت، وهذا معنى خطوات الشيطان. وذكر الشيخ في هذا الموضع حديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها. فاستدل به على أن ما يستصغره الإنسان قد يكون سببًا لهلاكه، وعلى أن من حبس حيوانًا وجب عليه أن يطعمه ويسقيه.
ونقل الشيخ أقوال السلف في تعظيم الذنب. فمن ذلك قول بلال بن سعد: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت». ومنه قول الفضيل بن عياض: «بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله». ومنه قول ابن عباس رضي الله عنهما: «يا صاحب الذنب، لا تأمنن سوء عاقبته». وبيّن ابن عباس أن ما يصحب الذنب أعظم من الذنب نفسه، كالضحك عند فعله، والفرح بالظفر به، والحزن على فواته، وقلة الحياء من الله.
قال النبي ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ».
وقال أنس رضي الله عنه: «إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ» [رواه البخاري].
وقال ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» [متفق عليه].
المحور الرابع: أثر الذنوب على القلب وعلى مكانة العبد بين الناس
يشرح الشيخ أن كل ذنب يترك في القلب نكتة سوداء. فإن تاب العبد واستغفر صُقل قلبه، وإن استمر على الذنوب زادت النكت حتى تغطي القلب كله، وهذا هو الران الذي ذكره الله تعالى. ونقل الشيخ قول حذيفة رضي الله عنه: إن القلب يصير بالذنوب كالشاة الربداء، أي يختلط فيه السواد بالبياض.
ومن آثار المعصية كذلك أن يتحول مادحو العبد إلى ذامين له. وذلك ما كتبت به عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه: «إن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذامًّا». ونبّه الشيخ إلى أن المعتبر هو مدح أهل الدين وذمهم، لا مدح أهل الفسق وذمهم. فأهل الفسق اليوم يمدحون أمثالهم ويذمون أهل الخير.
وذكر الشيخ قول أبي الدرداء رضي الله عنه: «ليحذر امرؤ أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر». وفسّره أبو الدرداء بأن العبد يخلو بمعاصي الله فيُلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين. فقلوب الأتقياء تنفر من صاحب المعصية، أما قلوب المنافقين والمفسدين فتهوى أمثاله. وذكر الشيخ أيضًا قول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنكم أهل هذا الأمر ما لم تُحدثوا، فإذا أحدثتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يُلحى القضيب»، أي يُنزع عنكم ما أنتم فيه كما يُقشر العود.
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
وقال ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح].
المحور الخامس: تأخر عقوبة الذنب والاغترار بالإمهال
يتكلم الشيخ في هذا المحور عن مسألة دقيقة يغلط فيها كثير من الناس. فأثر الذنب قد يظهر في الحال، وقد يتأخر سنين، فيظن العاصي أنه سلم من العقوبة. وهذا كما قال الشاعر: «إذا لم يُغبّر حائط في وقوعه... فليس له بعد الوقوع غبار». والصواب أن الذنب قد ينتقض على صاحبه ولو بعد حين، كما ينتقض الجرح الذي اندمل على فساد.
ويذكر الشيخ خبر محمد بن سيرين رحمه الله لما ركبه الدَّين واغتم لذلك. فقال: «إني لأعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة». وبيّن الشيخ أن من رحمة الله بالعبد أن يعجل له العقوبة في الدنيا فيطهره بها، فذلك علامة على أن الله أراد به الخير. أما من أُمهل وهو مقيم على المعصية فهو على خطر عظيم.
وختم الشيخ المجلس بوصية أبي الدرداء رضي الله عنه: «اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدّوا أنفسكم من الموتى». وفي هذه الوصية علاج للغفلة، وتذكير بالمراقبة وقرب الأجل.
النقاط الرئيسية
- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لعموم العقوبة ولرد الدعاء.
- المعصية التي تُخفى لا تضر إلا صاحبها، فإذا ظهرت ولم تُغيَّر عم ضررها الناس.
- من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويأتيه، له عذاب شديد يوم القيامة.
- صغائر الذنوب إذا اجتمعت أهلكت صاحبها، والمعاصي يجر بعضها بعضًا.
- العبرة بعظمة من عصيت، لا بصغر المعصية.
- الذنوب تسوّد القلب حتى يصيبه الران، وتنزع محبة العبد من قلوب المؤمنين.
- عقوبة الذنب قد تتأخر سنين، فلا يغتر العبد بإمهال الله له.
الفوائد والعبر
- أن يبادر المسلم إلى التوبة والاستغفار عقب كل ذنب، حتى يُصقل قلبه قبل أن يغطيه الران.
- أن يقوم بالنصح والإنكار بحكمة في بيته وبين أقاربه، ولا يداهن في دين الله.
- أن يوافق فعلُه قولَه، فيبدأ بنفسه قبل أن يدعو غيره.
- أن يحاسب نفسه حتى على الذنوب التي يراها صغيرة، ويستحضر عظمة الله في خلوته.
- أن يعد ما يصيبه من البلاء في الدنيا فرصة للمراجعة والتطهير، ويعبد الله كأنه يراه، ويعد نفسه من الموتى.
ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات