شرح كتاب " الإحكام لأصول الأحكام" للإمام ابن حزم (57) لفضيلة الشيخ أبي حفص بن العربي الأثري.

4,126 مشاهدة
265 مشاركة
منذ 5 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس السابع والخمسون من شرح كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» للإمام أبي محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله، ويشرحه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري. ويتناول المجلس مسألة أصولية لغوية دقيقة هي: «أقلُّ الجمع». والسؤال فيها: هل يدخل الاثنان في الخطاب الذي جاء بصيغة الجمع، أم لا يدخل فيه إلا الثلاثة فما فوق؟

ولهذه المسألة أثر مباشر في فهم نصوص الكتاب والسنة وفي استنباط الأحكام منها. فإذا ورد لفظ بصيغة الجمع وجب على الفقيه أن يعرف أقل عدد يصدق عليه. وفي المجلس يظهر منهج ابن حزم في تحرير الأقوال، فقد خالف جمهور أصحابه الظاهرية وأخذ بقول الإمام الشافعي حين ظهر له أن الدليل معه.

ويهدف المجلس إلى أن يعرف طالب العلم الأقوال في أقل الجمع وأدلتها، وأن يرى كيف تُنقد الأدلة لغةً وإسنادًا. وفيه كذلك بيان أن صيغة الجمع النكرة تفيد العموم. ويتخلل الشرح وقفات تربوية مهمة عن الأدب مع العلماء عند موافقتهم وعند مخالفتهم، وتحذير من التفرق والتناحر بين المنتسبين إلى السنة.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الخلاف في أقل الجمع وتحرير معناه اللغوي

ذكر ابن حزم أن الناس اختلفوا في أقل الجمع. فقالت طائفة إن أقله اثنان فصاعدًا، وهو قول جمهور أصحابه من الظاهرية. وقالت طائفة أخرى إن أقله ثلاثة، وهو قول الإمام الشافعي، وبه أخذ ابن حزم وإن خالف أصحابه.

واحتج القائلون بأن أقله اثنان بأن الجمع في اللغة ضمُّ شيء إلى شيء، فإذا ضُمَّ الواحد إلى الواحد كان ذلك جمعًا صحيحًا. وردَّ ابن حزم بأن هذا يلزم منه أن يُسمى الجسم الواحد جمعًا، لأنه مركب من أعضاء وأجزاء ضُمَّ بعضها إلى بعض.

ثم بيَّن أن المقصود باسم الجمع في هذه المسألة ليس معنى الضمِّ اللغوي العام، بل هو الصيغة التي تقابل المفرد والمثنى. وهذه الصيغة لا تقع إلا على ثلاثة أشخاص فصاعدًا، ولا خلاف في ذلك بين أهل اللغة وحفاظ ألفاظها وضباط إعرابها.

المحور الثاني: نقد الاستدلال بحديث «الاثنان فما فوقهما جماعة»

احتج المخالفون بحديث يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم:

«الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ»

فأجاب ابن حزم بأن الحديث لا حجة فيه لأنه لم يصح. وساقه بإسناده من طريق الربيع بن بدر عن أبيه عن جده، ثم حكم بأن الربيع بن بدر ساقط بالإجماع. وساقه أيضًا من طريق مسلمة بن علي عن يحيى بن الحارث عن القاسم عن أبي أمامة، وهو كذلك طريق لا يثبت.

ويتعلم الطالب من هذا أن الأصولي المحقق لا يحتج بحديث حتى يثبت إسناده. والحكم على الحديث مقدَّم على الاستدلال به، فالنقد الحديثي جزء من صنعة الأصول.

المحور الثالث: مناقشة الاستدلال بالآيات وكلام العرب

احتج المخالفون بآيات جاء فيها ضمير الجمع وظنوا أن المراد بها اثنان. ومن ذلك قوله تعالى في قصة الخصمين اللذين دخلا على داود عليه السلام:

﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21]

فأجاب ابن حزم بأن لفظ «الخصم» يقع في اللغة على الواحد والاثنين والجماعة على السواء، ومثله لفظ «الزَّوْر» و«الضيف». وأضاف أنه لم يأتِ نص بيِّن على أن الذين تسوَّروا المحراب كانوا اثنين فقط لا ثالث لهما، فلا يجوز إبطال ما ثبت في اللغة بأمر لم يثبت.

واحتجوا أيضًا بقوله تعالى:

﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 15]

فقال ابن حزم إن المخاطَبين هنا ثلاثة بلا شك: موسى وهارون المرسَلان، وفرعون المرسَل إليه. فالمستمَع إليهم ثلاثة يقينًا. وقارن الشيخ ذلك بقوله تعالى حين كان الخطاب لاثنين فقط:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46]

وتعرض المجلس كذلك لقوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]. وهذا من باب إضافة الشيء إلى اثنين، والعرب تجمع فيه المضاف كما في قول الشاعر: «ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ». فهو أسلوب لغوي خاص ولا يدل على أن أقل الجمع اثنان. واستدل الشيخ أيضًا بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: 87]. فقد جاء الخطاب بالجمع لأن إخوة يوسف جماعة كثيرة.

المحور الرابع: تقرير مذهب ابن حزم وبيان عموم الجمع النكرة

بعد أن أبطل ابن حزم أدلة المخالفين ذكر حجته من ظاهر اللغة. فالعرب تقول للاثنين «قمتما»، وللجماعة «قمتم»، وللنسوة «قمتنَّ». ولا يقال للاثنين «قمتم»، ولا للنساء «قمتم». فصحَّ بحكم ظاهر اللغة التي نزل بها القرآن أن صيغة الجمع لا تقع على أقل من ثلاثة.

ثم بيَّن أن الخطاب بصيغة الجمع يُحمل على عمومه ويُعمل به على قدر الاستطاعة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [متفق عليه]

ومثَّل لذلك بقوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]

وبقوله تعالى:

﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 180]

ثم ردَّ على من ظن أن الجمع إذا جاء نكرة لا يفيد العموم، كمن يفرق بين قولنا «جاء رجال» وقولنا «جاء الرجال». فقال ابن حزم إن هذا ظن فاسد لا دليل عليه، وإنما هو أمر اعتادوه فاستقر في نفوسهم.

المحور الخامس: الأدب مع العلماء في الوفاق والخلاف

انطلق الشيخ من موقف ابن حزم حين خالف أصحابه بالدليل، فقرر أنه لا حرج على طالب العلم أن يوافق العالم أو يخالفه إذا كان يفهم الأدلة وكلام العلماء ولغة العرب. والشرط أن يكون اختياره بلا هوى ولا شهوة، وأن يحفظ الأدب والتقدير والإجلال لأهل العلم الذين بذلوا أعمارهم في خدمة الدين.

وذكر الشيخ نموذج العلامة محمود شاكر رحمه الله. فقد كان صاحب عزة وعلم واسع، ومع ذلك كان يتكلم عن شيوخ الأزهر بإجلال واحترام عظيم. ونبَّه الشيخ إلى أن الإنسان إذا كان في محنة أو شعر بالظلم فقد يجور في حكمه على غيره، واستشهد بقوله صلى الله عليه وسلم:

«اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ» [متفق عليه]

وحذَّر الشيخ من التناحر والتشكيك في النوايا وكثرة التبديع والتبرؤ بين المنتسبين إلى السنة، وشبَّه ذلك بحال الخوارج الذين ما زالوا ينقسمون على أنفسهم. وأكد ضرورة الالتزام بمنهج السلف والاقتداء بأئمة العصر الذين أجمعت الأمة على إمامتهم، وأن يتحرى طالب العلم الصدق في النقل عن غيره.

النقاط الرئيسية

  • في أقل الجمع قولان: اثنان، وهو قول جمهور الظاهرية، وثلاثة، وهو قول الشافعي واختيار ابن حزم.
  • المراد بالجمع في هذه المسألة الصيغة التي تقابل المفرد والمثنى، لا معنى الضم اللغوي العام.
  • حديث «الاثنان فما فوقهما جماعة» لا يصح، فلا يُحتج به في المسألة.
  • لفظ «الخصم» يقع على الواحد والاثنين والجماعة، فلا حجة في قصة داود عليه السلام.
  • في قوله تعالى ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ المخاطَبون ثلاثة: موسى وهارون وفرعون.
  • ظاهر اللغة يفرق بين «قمتما» للاثنين و«قمتم» للجماعة و«قمتنَّ» للنسوة.
  • الجمع النكرة يفيد العموم كالجمع المعرَّف، والتفريق بينهما ظن لا دليل عليه.

الفوائد والعبر

  • اتباع الدليل مقدَّم على موافقة المذهب والأصحاب، كما فعل ابن حزم حين أخذ بقول الشافعي.
  • ينبغي التثبت من صحة الحديث قبل الاستدلال به، فالحجة لا تقوم إلا بما صح.
  • إتقان لغة العرب شرط لفهم نصوص الوحي واستنباط الأحكام منها فهمًا صحيحًا.
  • مخالفة العالم بالدليل جائزة، بشرط حفظ الأدب والإجلال له والبعد عن الهوى والطعن.
  • على طالب العلم أن يحذر التفرق والتناحر والتشكيك في النوايا، وأن يلزم العدل حتى في أوقات الخصومة والمحنة.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات