شرح كتاب" الاعتصام بالكتاب والسنة "من صحيح البخاري(8)لفضيلة الشيخ أبو حفص بن العربي الأثري

4,167 مشاهدة
290 مشاركة
منذ 7 سنوات

المقدمة

هذا هو المجلس الثامن من مجالس شرح «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، يقدّمه فضيلة الشيخ أبي حفص سامي بن العربي الأثري حفظه الله. انعقد المجلس بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة الرابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وأربعمائة وألف للهجرة، الموافق للحادي والعشرين من شهر ديسمبر سنة ثمانٍ وعشرة وألفين للميلاد. ويتناول فيه الشيخ بابًا عظيمًا من أبواب هذا الكتاب، وهو «باب ما يُذكر من ذمّ الرأي وتكلّف القياس».

ويبيّن الشيخ في هذا المجلس الفرق الدقيق بين الرأي المحمود والرأي المذموم، وبين القياس الصحيح والقياس الفاسد. ويحذّر من معارضة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ بالآراء والأهواء والاستحسانات، ومن القول على الله بغير علم. ثم يقف وقفات ماتعة مع رجال الإسناد، فيعرض تراجم أعلام كبار كابن وهب وعروة بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، ويستخرج منها دروسًا في الورع والصبر والاعتدال في العبادة.

ويهدف هذا الدرس إلى ترسيخ منهج التسليم للنصوص الشرعية، وتعليم طالب العلم ضوابط الاجتهاد والاستنباط، وتحذيره من التكلّف والخوض فيما لا يحسن. كما يربط الدرس بين العلم والعمل من خلال سير السلف الصالح، ويؤصّل لوسطية الإسلام التي جاء بها النبي ﷺ.

المحاور الرئيسية

المحور الأول: الرأي نوعان، محمود ومذموم

بيّن الشيخ أن الرأي على قسمين. الأول رأي محمود، وهو إعمال الكتاب والسنة، والاستنباط منهما، والفهم الصحيح لهما، والفقه المستنبط منهما وفق القواعد المعتبرة عند أهل العلم. وهذا هو اجتهاد العلماء في فهم النصوص.

والقسم الثاني رأي مذموم، وهو مصادمة الكتاب والسنة برأي فلان وفلان، أو معارضة كلام الله وكلام رسوله ﷺ بقياس أو استحسان أو اجتهاد أو شهوة أو هوى. فكلام الله وكلام رسوله ﷺ لا يُعارَض بقول أحد كائنًا من كان، والهداية كلها في طاعة الله ورسوله واتباعهما.

قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقال عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 31-32].

وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».

المحور الثاني: القياس الصحيح والقياس الفاسد

والقياس كذلك قسمان. الأول قياس صحيح، وهو من إعمال الفقه وفهم الكتاب والسنة. ومن أمثلته نهي النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان، فيُلحق بالغضب كل ما يشغل القلب ويشوّش الفكر، كالجوع المفرط والعطش الشديد والمصيبة النازلة. ومن أمثلته أيضًا «قياس الأولى» أو القياس الجلي في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]. فإذا حرم التأفف، فما فوقه من السبّ والإهانة ورفع الصوت على الوالدين أشد تحريمًا من باب أولى.

والقسم الثاني قياس فاسد، وهو ما كان في مقابلة النصوص، ويسمّيه العلماء «فاسد الاعتبار». وأفسد قياس على وجه الأرض قياس إبليس حين أُمر بالسجود لآدم: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: 34]، و﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12]. فقد قاس نفسه على أصله وهو النار، وقاس آدم على أصله وهو الطين، في مقابلة الأمر الإلهي الصريح.

وبيّن الشيخ بطلان هذا القياس من وجوه. أولها أن الطين أفضل من النار، فهو يتّسم بالهدوء والطمأنينة والسكينة، ومنه تُبنى البيوت والعمائر، أما النار فتتّسم بالطيش والهيجان، وأغلب شأنها التخريب، وهي تفنى وتنقضي. وثانيها أنه لو سُلّم بأن النار أفضل، فلا يلزم من شرف الأصل شرف الفرع، كمن يفتخر بآبائه وهو سفيه. وأجاب الشيخ كذلك عن شبهة دخول إبليس في خطاب الملائكة وهو من الجن، فبيّن أنه كان معهم وفي صحبتهم، والخطاب جاء على الأغلب.

المحور الثالث: التحذير من القول على الله بغير علم

شدّد الشيخ على حرمة الخوض فيما لا يُحسنه الإنسان، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

ومثّل الشيخ لذلك بمن يتكلّم في غزوة بدر بغير علم، فيجعلها صراعًا دنيويًا بين قوم معتدين وأصحاب حق، ويُعرض عن وصفها بنصر المسلمين على الكافرين، مع أن الله تعالى يقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: 12].

وقرّر الشيخ أن «لا أدري» نصف العلم، وأن المسلم لا يتكلّم إلا بعلم. واستشهد بالأثر المروي عن علي رضي الله عنه لكميل بن زياد، مع ما في إسناده من مقال: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ».

المحور الرابع: وقفات مع رجال الإسناد

عرض الشيخ رجال إسناد حديث الباب ترجمةً وتعريفًا، ومن أبرز ما ذكره:

  • سعيد بن عيسى بن تليد، وهو ممن تفرّد البخاري بالرواية عنه من بين أصحاب الكتب الستة.
  • الإمام عبد الله بن وهب المصري (ت 197هـ). نقل الشيخ قوله: كنت نذرت كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فلم ينجع ذلك فيّ، فجعلت على نفسي كلما اغتبت إنسانًا أن أتصدّق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة. وذكر أنه غُشي عليه حين قُرئ عليه كتاب «أهوال يوم القيامة».
  • عبد الرحمن بن شريح المعافري، ومعه عبد الله بن لهيعة الحضرمي قاضي مصر (ت 174هـ). وبيّن الشيخ أن البخاري أبهمه بقوله «وغيره» لأنه ليس على شرطه، إذ اختلط بعد احتراق كتبه. وهذا من أمانة البخاري ودقته في الرواية.
  • أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، الملقّب بـ«يتيم عروة».

المحور الخامس: من سير الأعلام، صبر عروة واعتدال عبد الله بن عمرو

ترجم الشيخ لعروة بن الزبير (ت 94هـ)، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، الملقّب بـ«الصابر المحتسب». كان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرًا في المصحف ويقوم به الليل، وكان يفتح بستانه للناس أيام الرطب ليأكلوا منه. ووقعت الأكلة في رجله فقُطعت وهو صابر لا يزيد على قوله: «حَسِّ»، حتى قال الوليد: ما رأيت شيخًا قط أصبر من هذا. ومات ابنه محمد في السفر نفسه، فقال: «لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، اللَّهُمَّ كَانَ لِي بَنُونَ سَبْعَةٌ فَأَخَذْتَ وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً، وَكَانَ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ فَأَخَذْتَ طَرَفًا وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثَةً، وَلَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ، وَلَئِنْ أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ».

وذكر الشيخ قصة اجتماع الأربعة في الحِجر: عبد الله بن الزبير ومصعب وعروة وعبد الله بن عمر. فتمنّى عبد الله بن الزبير الخلافة، وتمنّى مصعب إمرة العراق والجمع بين سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وتمنّى عروة أن يُؤخذ عنه العلم، وتمنّى ابن عمر المغفرة. فنال كلٌّ منهم ما تمنّى، قال الذهبي: ولعل ابن عمر قد غُفر له. ومن حكم عروة: «رُبَّ كَلِمَةِ ذُلٍّ احْتَمَلْتُهَا أَوْرَثَتْنِي عِزًّا طَوِيلًا».

ثم ترجم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، العابد الصحابي، الذي نهاه النبي ﷺ عن المبالغة في العبادة، وأرشده إلى أن يقرأ القرآن في ثلاث، وقال له: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا». ولما كبرت سنّه كان يقول: «لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».

ونقل الشيخ كلام الحافظ الذهبي النفيس في أن الجمع بين التلاوة بتدبر، والسنن الرواتب، والأذكار، وطلب العلم، والأمر بالمعروف، وصلة الرحم، وأداء الفرائض بخشوع، شغلٌ عظيم هو مقام أصحاب اليمين. وأن من خالف ذلك فقد خالف الحنيفية السمحة، مستدلًا بقوله ﷺ: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».

النقاط الرئيسية

  • الرأي المحمود هو الاستنباط والفهم من الكتاب والسنة، والمذموم هو معارضتهما بالرأي والهوى والاستحسان.
  • القياس الصحيح كقياس الأولى وإلحاق المشوّشات بالغضب، والفاسد ما عارض النص كقياس إبليس.
  • قياس إبليس أفسد قياس، لأنه قابل به الأمر الإلهي، ولأن الطين في حقيقته أفضل من النار.
  • يحرم القول على الله بغير علم، و«لا أدري» نصف العلم.
  • من أمانة البخاري إبهامه ابن لهيعة بقوله «وغيره» لأنه ليس على شرطه.
  • سير السلف كابن وهب وعروة بن الزبير نماذج حيّة في الورع ومجاهدة النفس والصبر على البلاء.
  • الاعتدال في العبادة هو هدي النبي ﷺ، والمبالغة تؤدي إلى الملل وتضييع الحقوق والندم.

الفوائد والعبر

  • تقديم النص الشرعي على كل رأي، والتسليم لحكم الله ورسوله ﷺ دون اعتراض أو تحايل.
  • التورّع عن الفتوى والكلام في الدين بغير علم، والجرأة على قول «لا أدري» عند الجهل.
  • علاج آفات اللسان كالغيبة بوسائل عملية تناسب النفس، كما فعل ابن وهب حين ألزم نفسه الصدقة.
  • الصبر والاحتساب عند المصائب، والنظر إلى ما أبقاه الله من النعم لا إلى ما أخذه، اقتداءً بعروة بن الزبير.
  • الاعتدال في العبادة والجمع بين الطاعات المتنوعة، وقبول رخص الله، وتجنّب الغلو الذي يورث الملل والانقطاع.
تحميل التفريغ النصي

ملف Word (.docx) يحتوي على تفريغ كامل للمحتوى بدون توقيتات